الدرس في كتاب الجنائز 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
استعرض الدرس أدلة الجمهور على جواز تغسيل كل من الزوجين للآخر مستدلاً بأحاديث عائشة وفاطمة رضي الله عنهما، مع ذكر خلاف الحنفية والمالكية في المسألة. كما بين حكم تغسيل الأجانب حيث يُكتفى بالتيمم عند عدم وجود محرم، مع استثناء الأطفال دون سبع سنين حيث يجوز تغسيلهم من غير المحارم عند الضرورة.
أوضح المقطع أن من يُقتل حداً كحد الزنا يُصلى عليه لأن الحدود كفارات، بينما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه زجراً وتأديباً. وبين جواز صلاة عامة المسلمين على قاتل النفس رغم ترك النبي للصلاة عليه.
استدل الشيخ بحديث المرأة التي كانت تنظف المسجد فصلّى النبي ﷺ على قبرها بعد دفنها، مما يدل على جواز الصلاة على الميت بعد الدفن حتى لو صُلي عليه قبل ذلك. كما نبه إلى أن زيادة «إن هذه القبور مملوءة ظلمة…» تفرد بها مسلم وهي من مراسيل ثابت فلا تثبت عن النبي ﷺ.
قرر المقطع قاعدة أصولية تفيد بأن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التعبدية هو العموم وعدم التخصيص به، وأن دعوى التخصيص تحتاج إلى دليل شرعي. وأكد أن الأصل براءة الذمة من التقييد ما لم يقم دليل على الخصوصية.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف رحمه الله: قرأنا حديث جابر، الثاني: 960 و600. طيب، قال: حديث ثانٍ وسبعون بعد 600، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك». الحديث رواه أحمد، وصححه ابن حبان. قال: حديث ثالث وسبعون بعد 600، وعن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن فاطمة رضي الله عنها أوصت أن يغسلها علي رضي الله عنه، رواه الدارقطني. هذان الحديثان استدل بهما مع جمهور أهل العلم على جواز أن يغسل الرجل امرأته، وأن العلاقة الزوجية لا تنتهي بالموت، فيجوز للرجل أن يغسل زوجته. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك»، وفاطمة أوصت أن يغسلها علي رضي الله عنه. وبهذا قال الجمهور من أهل العلم، خلافاً للحنفية والمالكية، فإنهم قالوا بالمنع. وكذلك أيضاً يجوز للمرأة أن تغسل زوجها، ويدل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه». وأيضاً جاء عند البيهقي أن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، فغسلته هي، وعبد الرحمن بن عوف يعاونها في تغسيله. وهذا قول الجمهور كذلك. إذن يجوز لكل من الزوجين أن يغسل أحدهما الآخر. طيب، بالنسبة لغير الزوجين: لو ماتت امرأة بين رجال أجانب ليس فيهم محرم لها، أو العكس إذا مات رجل بين نساء أجانب، فقال أهل العلم: هنا ييمم الميت ولا يغسل، يُيمم ولا يُغسل. هل يجوز للمرأة أن تغسل ذكراً ليس بمحرم لها؟ قال أهل العلم: إذا كان هذا الميت صبياً عمره سبع سنين فما دون، فلا بأس، وكذا العكس للرجل أن يغسل... يعني الجارية التي عمرها سبع سنين فأقل، يعني إذا لم يوجد من يغسل الجارية من النساء، أو لا يوجد من يغسل الصبي من الرجال، فبهذا الحال لا بأس. قال: الحديث الرابع والسبعون بعد الستمائة، وعن بريدة رضي الله عنه في قصة الغامدية التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها في الزنا، قال: ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت، رواه مسلم. نعم، هذا الحديث في قصة الغامدية التي وقعت في الزنا، ثم جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تائبة، وطلبت منه أن يقيم عليها حد الله جل وعلا. فلما تبين ذلك وتيقن منه، كانت حاملاً من هذا الزنا، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تضع حملها ثم تأتي. فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها، شدت عليها ثيابها ثم رجمت. قوله: «ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت»، فيه دلالة على أن من قتل حداً فإنه يصلى عليه. من قتل في حد من حدود الله فإنه يصلى عليه، كمن قتل في حد الزنا أو قصاصاً، فإنه يصلى عليه؛ لأنه مسلم، والحدود كفارات لأصحابها كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فيجوز الصلاة على من قتل حداً من حدود الله. نعم، وكذلك قطاع الطرق إذا قتلوا، والبغاة ونحوهم. قال: الحديث الخامس والسبعون بعد الستمائة، وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه، رواه مسلم. المشاقص: جمع مشقص، وهو النصل العريض، نصل السهم الذي يكون عريضاً مع المحل الحاد الذي يكون في السهم. السهم في طرفه من أعلى ريش، والطرف الأمامي نصل يكون هكذا حاداً، هذا النصل هو المشقص، النصل العريض الحاد كالسكين، فقتل نفسه به. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه. لماذا؟ زجراً له على مثل هذا الفعل، أنه قتل نفسه، وقاتل نفسه يعتبر مرتكِباً لكبيرة من كبائر الذنوب، وواقعاً في الفسق، فلذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه زجراً له ولأمثاله أن يفعلوا مثل ذلك. فاستدل بهذا أهل العلم على أن قاتل نفسه لا يصلي عليه ولي الأمر، أو أهل العلم والفضل. لكن يصلي عليه عامة المسلمين، بقية المسلمين يصلون عليه؛ أنه مسلم، وإن كان عاصياً، لكنه مسلم. لكن لا يصلي عليه أهل العلم والفضل من باب الزجر، من باب الزجر له، وكذلك الإنكار على مثل هذا الفعل. قال: الحديث السابع والسبعون بعد الستمائة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المرأة التي كانت تقوم المسجد، تقوم المسجد يعني تنظفه. قال: فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ماتت. فقال: «أفلا كنتم آذنتموني؟» فكأنهم صغروا أمرها. قال: «دلوني على قبرها»، فدلوه فصلى عليها، متفق عليه. وزاد مسلم في رواية: قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم». نعم، هذا الحديث في الصحيحين، وهذه الزيادة في مسلم: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها» إلى آخره، تفرد بها مسلم، ولم يذكرها البخاري، وذلك لأنها من مراسيل ثابت، هذه لفظة من مراسيل ثابت، فهي غير ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الحديث: قصة هذه المرأة التي كانت تقوم المسجد، كانت تنظفه، وكان لها خباء في المسجد تسكن فيه، فغابت، فسأل عنها النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبروه بأنها ماتت، يعني تبين أنها ماتت في الليل، فقاموا بتغسيلها ودفنها والصلاة عليها، ولم يخبروا النبي عليه الصلاة والسلام. في بعض الروايات: وكأنهم استصغروا أمرها، يعني صغروا شأنها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا كنتم آذنتموني؟» يعني أعلمتموني وأخبرتموني. قال: فكأنه... نعم، هنا قال: «فكأنهم صغروا أمرها»، يعني: ما يحتاج أن نخبر النبي صلى الله عليه وسلم ونزعجه بإخباره بموتها. قال: «دلوني على قبرها»، قال: فدلوه فصلى عليها. هذا هو الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليها بعدما دُفنت، فدل هذا على أنه يجوز أن يصلى على الميت بعد دفنه، أن يصلى عليه بعد دفنه في المقبرة، ولو صُلي عليه. أن هذه المرأة صُلي عليها، صلى عليها الصحابة، ومع ذلك صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم على قبرها. وهذا فيه رد على من قال: إنه لا يصلى إلا على من لم يُصل عليه، يعني بعد دفنه. الصواب أنه يجوز. فإن قيل: إن هذا مخصوص بالنبي عليه الصلاة والسلام، نقول: الأصل هو عدم التخصيص، والأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التعبدية التأ