الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يذكر الآجري آداب القراءة على المقرئ، منها عدم قطع القراءة بدون إذن وتركيز الانتباه على الأستاذ. كما يشدد على أهمية إبلاغ الأستاذ بأي عذر يمنع من إكمال القراءة.
يوصي النص بالانصراف بوقار بعد قراءة القرآن واستغلال الوقت فيما يعود بالنفع مثل مراجعة الآيات أو حضور مجالس العلم أو الصلاة أو ذكر الله.
ينبغي الحذر من الخوض في أمور الدنيا وفضول الكلام في المساجد، وتجنب ما يلهي عن ذكر الله وطاعته مثل استخدام الجوالات لغير ما شرع الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن حسين الآجري رحمه الله في كتاب أخلاق حملة القرآن، في باب ذكر أخلاق من يقرأ على المقرئ، قال: وحب له إذا قرأ عليه ألا يقطع حتى يكون الأستاذ هو الذي يقطع عليه، يعني يقطع عليه القراءة، لا يكون التلميذ هو الذي يقطع القراءة، فيقول الأستاذ: حسبك، لا يجعل الأستاذ والمقرئ هو الذي يقطع القراءة ويقول له: حسبك. قال: وإن بدت له حاجته، وقد كان الأستاذ مراده أن يأخذ عليه مئة آية، فاختار هو أن يقطع القراءة في خمسين آية، فليخبره قبل ذلك بعذره، حتى يكون الأستاذ هو الذي يقطع عليه. يعني إذا أراد الأستاذ والمدرس والشيخ أن تقرأ عليه مئة آية، أنت تعلم أنه يريد منك أن تقرأ عليه مئة آية، وأنت مشغول، عندك أعمال أو أشياء تريد أن تقوم بها، وتريد أن تقرأ أقل من ذلك، مثلا تريد أن تقرأ خمسين آية، فينبغي عليك أن تخبره قبل أن تشرع في القراءة، أن تخبره قبل الشروع في القراءة، فتقول له مثلا: يا أستاذ، أنت تحب أن أقرأ مئة آية، لكني اليوم عندي بعض الأعمال أريد أن أقضيها، فسأقرأ أو تأذن لي أن أقرأ خمسين آية، أو نحو ذلك، فتخبره بذلك وتبدأ في القراءة، فإذا بلغت هذه الآيات قال لك: حسبك، هو الذي يقطع القراءة، هذا يعني أكمل في الأدب، وكذلك الاحترام للأستاذ، وفيه أيضا من حسن التعامل واللطف ما يورث المحبة والمودة بينك وبين أستاذك. قال: وينبغي له أن يقبل على من يلقنه، على من يلقنه أو يأخذ عليه، ولا يقبل على غيره، يعني لا يلتفت إلى غير الأستاذ في أثناء القراءة والتلقين، لا ينشغل بأحد آخر. قال: فإن شغل الأستاذ عنه بكلام لا بد له من في الوقت من كلامه، قطع القراءة حتى يعود إلى الاستماع إليه، يعني في أثناء القراءة وأنت تقرأ شغل الأستاذ، كلمه أحد في شيء لا بد منه، قطعت القراءة حتى ينتهي مما شغل به، ثم إذا انتهى استمرت في القراءة حتى يستمع لك وينتبه لك. قال: وأحب له إذا انقضت قراءته على الأستاذ وكان في المسجد، فإن أحب أن ينصرف، انصرف وعليه الوقار، يعني ينصرف التلميذ بوقار واحترام، وهذا من تعظيم القرآن، أن يظهر عليه أثره في حامله من الأدب وعدم الطيش، وكذلك ظهور شيء من الإزعاج في الكلام أو في الحركات، هذا لا ينبغي أن يكون عليه طالب القرآن ومتعلم القرآن، بل يكون عليه الوقار في هيئته وفي سكونه وفي تأدبه. قال: ودرس في طريقه ما قد تلقن، يعني يراجع الآيات ويكرر الآيات التي تلقنها على أستاذه، هذا من باب استغلال الوقت والانتفاع وتثبيت ما درسه، فيكرر الآيات التي تلقنها. قال: وإن أحب أن يجلس ليأخذ على غيره، فعل، يعني إذا كان هناك مجالس علم، مجالس علم في ذلك الوقت، من يدرس الفقه أو يدرس العقيدة أو يدرس التفسير، فيقول: إن أحب أن يجلس في إحدى هذه الحلقات، فهذا أمر حسن، يستغل وقته بدل أن يذهب عنه الوقت بلا فائدة، فيستغله بحضور مجالس العلم ويتعلم وينفع نفسه. قال: وإن جلس في المسجد وليس بالحضرة من يأخذ عليه، يعني ليس هناك حلقات علم في ذلك الوقت، وأراد أن يجلس في المسجد، فينبغي أن يستغل وقته. قال: فإما أن يركع فيكتسب خيرا، يعني يقوم يصلي ويركع ويسجد لله. قال: وإما أن يكون ذاكرا لله تعالى، شاكرا له على ما علمه من كتابه، يذكر الله عز وجل بتسبيح أو تحميد أو تكبير أو تهليل أو نحو ذلك من الذكر. والمعنى أنه يستغل وقته، لا يضيع عليه الوقت من غير فائدة، فإما أن يصلي، وإما أن يذكر الله، وإما أن يقرأ القرآن. قال: وإما جالس يحبس نفسه في المسجد، يكره الخروج منه خشية أن يقع بصره على ما لا يحل له، أو معاشرة من لم تحسن معاشرته، فجلس في المسجد، فحكمه أن يأخذ على نفسه أن لا يقوض فيما لا يعنيه، ويحذر الوقيعة في أعراض الناس، يقول: إن لم يقم يصلي أو يذكر الله، فلا أقل إن جلس في المسجد وحبس نفسه فيه، فالأولى أن يجلس أفضل من الخروج من المسجد، فيقع بصره على ما قد يضره، وما قد يعود عليه بالإثم، أو قد يعاشر ويجلس مع من لا تحسن معاشرته من أهل الدنيا الذين هم بعيدون عن ذكر الله وعن طاعة الله سبحانه وتعالى، فخير له أن يجلس في المسجد. قال: ويحذر أن يخوض في حديث الدنيا وفضول الكلام، فإنه ربما استراحت النفوس إلى ما ذكرت، أو إلى ما ذكرت مما لا يعود نفعه، وله عاقبة لا تحمد، الله عز وجل مدح عمار بيوته الذاكرين له والطاعين له سبحانه وتعالى. قال جل وعلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فأنت إذا جلست في المسجد تعمر بيت الله جل وعلا بذكر الله وبطاعة الله، فإذا كنت كذلك من يحرص على ذكر الله ويحفظ لسانه عما حرم الله سبحانه وتعالى، فأنت داخل في هذه الآيات التي مدح الله عز وجل فيها عباده المؤمنين بهذا المدح وهذا الثناء. وينبغي الحذر من الخوض في حديث الدنيا في الكلام في أمور الدنيا كالبيع والشراء وغير ذلك مما يخوض فيه الناس، وفضول الكلام الكلام في الأشياء التي يحسن السكوت عنها وعدم الخوض فيها، وذلك أنه ربما تستريح النفس لما يتكلم الإنسان في أمور الدنيا، يجد راحة في نفسه، وهذا الأمر وإن كان كذلك لا ينبغي أن يكون في بيوت الله، لأن بيوت الله عز وجل إنما بنيت لذكر الله، وللصلاة ولقراءة القرآن، لا للخوض في أمور الدنيا. قال: ربما عاد عليه بما لا يعود نفعه، وله عاقبة لا تحمد، يعني تكون عاقبته على صاحبه بأنه ربما يحرم كثيرا من الخير الذي وفقه الله سبحانه وتعالى له، ويصرف عن الهدى الذي هداه الله عز وجل له، فيحرص طالب العلم على الخوض في أمور الدنيا. ومن ذلك ما نبع عليه بعض أهل العلم كذلك مما يتعلق بالمحادثات الهاتفية أو النظر في الجوال، تصفحه في مواقع التواصل، وربما كذلك ما يحصل من ذلك من نظر إلى الصور، أو كذلك ظهور شيء من الأصوات المحرمة، الموسيقى أو شيء من ذلك، هذا قد يبتلى به كثير من الناس في بيوت الله سبحانه وتعالى مع انتشار الجوالات المحمولة، فيحصل بذلك أذية للجالسين في بيوت الله الذاكرين لله سبحانه وتعالى. فما يدري إلا هو يسمع صوت موسيقى ظهر في جوال الذي بجانبه، أو شيء من ذلك، فيحصل فيه أذية، مثل هذا لا ينبغي أن يفعل في بيوت الله جل وعلا، ولا شك أن فاعل ذلك يأثم لأذيته لإخوانه المسلمين الذاكرين لله جل وعلا، الحابسين أنفسهم في بيوت الله لطاعة الله، وتأتي توذيهم بمثل هذه الأمور. قال: ويستعمل من الأخلاق الشريفة في حضوره وانصرافه ما يشبه أهل القرآن، يعني ما ينبغي أن يتخلق به حملة القرآن من الأدب والوقار، السكينة ونحو ذلك من الأخلاق الفاضلة. قال: والله الموفق لذلك. انتهى هذا الباب، وسيذكر بعد ذلك رحمه الله باب أدب القرآن عند تلاوتهم القرآن مما لا ينبغي لهم جهله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.