الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الحديث النبوي الذي رواه الترمذي والنسائي، ويبين أهمية ترك الأمور المثيرة للشك والريب والتوجه إلى الأمور الواضحة. يُفسر الريب باضطراب النفس في الأمور المشتبهة.
يناقش كيفية التعامل مع الأمور التي تسبب الشك، حيث ينصح بتركها والابتعاد عنها والتوجه إلى الأمور الواضحة. كما يحذر من إثارة الشكوك في أحكام الشريعة الواضحة.
يُبيّن أهمية اجتناب الشبهات لحماية الدين والعرض، ويوضح أن الوقوع في الشبهات قد يؤدي إلى الحرام. كما يُميز بين الشك والوسوسة ويشرح تأثير الكذب في إثارة الريبة والقلق.
يشرح الوسوسة كأسلوب للشيطان لتلاعب بالإنسان وإبعاده عن الطاعات ومخالفة الشرع، خاصة في العبادات.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه الأربعين النووية، الحديث الحادي عشر: عن أبي محمد حسن بن علي بن أبي طالب، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته، رضي الله عنهما، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال الشارح: فقه الله هذا الحديث، أخرجه الترمذي في الجامع، أي في جامع الكبير الذي هو معروف بسنن الترمذي. قال: والنسائي في المجتبى من السنن المسندة، المعروف شهرة بسنن النسائي الصغرى؛ لأن الإمام النسائي له كتابان: السنن الكبرى والسنن الصغرى، وأيضا يشتهر بالمجتبى. قال: واللفظ المذكور هو لفظ الترمذي، وزاد: «فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة». واطمأنينة بزيادة همزة في أوله، هكذا في أكثر نسخ الترمذي - يعني المخطوطة - وفي بعضها طمأنينة، وكلاهما لغة صحيحة - يعني في بعضها بغير همزة أو في بعضها بإثبات الهمزة. قالوا: في الحديث تقسيم الواردات القلبية إلى قسمين: الأول الوارد الذي يريبك، وهو ما ولد الريب في النفس - يعني ما ولد الارتياب والشك وعدم الاطمئنان. قال: الثاني الوارد الذي لا يريبك، وهو ما لا يتولد منه الريب في النفس - يعني الشيء الذي لا ارتياب فيه، لا يتردد فيه الإنسان، ولا في نفسه شيء من الحرج منه أو نحو ذلك، بل نفسه مطمئنة به. قال: والريب قلق النفس واضطرابها، ذكره ابن تيمية الحفيد وتلميذه أبو عبد الله ابن القيم، وحفيده بالتلمذة أبو الفرج ابن رجب رحمه الله. ابن تيمية الحفيد يعني شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحفيد وعبد السلام، وهو حفيد عبد السلام بن تيمية صاحب المنطقة. وقوله: وحفيده بالتلمذة أبو الفرج ابن رجب، يعني أن ابن رجب رحمه الله هو على طريقة شيخ الإسلام رحمه الله في باب العلم والتأليف والترجيحات ونحو ذلك، فهو حفيده بالتلمذة. فيقول: إن الريب فسره هؤلاء العلماء بقلق النفس واضطرابها - أن يكون الإنسان عنده قلق واضطراب، عدم اطمئنان، وعدم انشراح، يكون في قلبه هذا المعنى من الريب، هذا هو معنى الريب: قلق النفس واضطرابها. قال: وتفسيره بالشك هو تفسيره ببعض أفراده؛ فإن الشك مبتدأه - يعني أول ما يقع الإنسان الشك، ثم يتوصل به الأمر إلى أن يقع في الريب - فالشك ابتداء الريب. قال: ووروده - ورود الريب - يكون في الأمور المشتبهة - يعني التي ليس فيها وضوح، أمور تحتمل أن تكون حلالا أو تكون حراما، فحينئذ يقع في قلب الإنسان شيء من الارتياب وعدم الاطمئنان، وكذلك الاضطراب في هذا الأمر: هل يقدم عليه أو لا يقدم؟ هل يفعل أو لا يفعل؟ بسبب هذا الاشتباه في هذا الأمر. قال: أما الأمور البيّنة من حلال أو حرام، فلا يريد فيها الريب عند من صح دينه وقوي يقينه. يا مسلمون، الأمور البيّنة - أي بيّن حلها، والبيّن تحريمها. الشيء البيّن أنه حلال، فالإنسان لا يرتاب في فعله والإقدام عليه. وكذلك أيضا الشيء الذي هو بيّن تحريمه، فإنه لا يرتاب في اجتنابه وتركه والابتعاد عنه. هذا في حق من صح دينه، صحة استقامته، وقوي يقينه، ما عنده شك ولا ارتياب أن ما أحله الشرع فهو حلال، وما حرمه الشرع فهو حرام. بخلاف من كان في دينه ضعف، وفي يقينه خلل، فقد يشك في أحكام الشريعة، كحال بعض العقلانيين، وكذلك المدسوسين الذين يريدون أن يشككوا المسلمين في دينهم، فربما يشككونهم في الأشياء الثابتة، الأشياء الواضحة البينة، إما - يعني - فيما يتعلق بالحلال الذي هو واضح بين، فيشككونهم في حله، أو الشيء الحرام فيشككونهم في تحريمه. كمن يدعو اليوم إلى أن تنزع المرأة الحجاب، وأن الحجاب - يعني - ليس بأمر واجب، وإنما هو - يعني - ظلم للمرأة وتضييق عليها، وإلى آخره من مثل هذا الكلام. هذا الآن - يعني - تشكيك في أمر واضح بين أنه واجب من الواجبات، فيشككون ماذا؟ المسلمين أو المسلمات في ثبوت هذا الحكم، أو كذلك أيضا ما كان متعلقا بالأمور الحلال. فقال: والمأمور به شرعا في القسم الأول أن تدعه. القسم الأول الذي هو: أيش الذي فيه ريب؟ الشيء الذي فيه ارتياب، أنت متردد، قلق النفس، غير مطمئن. الذي يجب عليك أن تدعه: «دع ما يريبك». الشيء فيه ريب اتركه. تريد أن تقدم على عمل، أن تقدم على معاملة، لكن أنت مرتاب غير مطمئن لهذه المعاملة، أتراها حلالا أو حراما؟ ترى فيه شيء من الاشتباه؟ دعه، اجتنبه. الواجب عليك أن تتركه: «دع ما يريبك»، اتركه واجتنبه وابتعد عنه، هذا أسلم لقلبك. إذا أردت أن يسلم قلبك، وأن تسلم من الوقوع في الحرام وفي الإثم، عليك أن تدع ما فيه ريب: «دع ما يريبك». إذا القسم الأول المأمور به أن تدعه، أن تتركه. قال: في القسم الثاني أن تأتيه: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». الشيء الذي ليس فيه ريب افعله، واقدم عليه، ولا ترتاب - يعني - من فعله والإقدام عليه. قال: فما ولد الريب في نفسك فدعه مجتنبا له، هذا حتى تسلم من الوقوع في الإثم. وفي حديث النعمان بن بشير قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». الشيء فيه اشتباه فالمسلم يجتنبه، إذا اتقاه، وإذا اجتنبه وابتعد عنه، فقد استبرأ لدينه وعرضه - أي برأ دينه وعرضه من أن يقع في شيء يكون سببا لوقوعه في الإثم والمؤاخذة. ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام - يعني أن الوقوع في الشبهات ذريعة إلى الوقوع في الحرام لاحتمال أن يكون هذا الشيء المشتبه محرما. أو كذلك أيضا أن الوقوع في المشتبهات يدل على عدم المبالاة، على عدم المبالاة. فإذا وقعت في هذا المشتبه، ثم وقعت في أمر آخر، ثم وقعت في أمر آخر، تتدرج في التساهل حتى تقع في الحرام حقيقة. إذن أسلم لقلبك ودينك أن تجتنب ما فيه شبهة وما فيه ريب، أنك تتركه وتدعه. قال: وما لم يولد الريب في نفسك فأتيه وأقبل عليه، فأتيه وأقبل عليه؛ فإن فعله ولا شيء عليك؛ لأنه لا ريب في هذا الأمر، فليس عليك شيء أن تفعله. قال: هنا في لفظ الترمذي: «فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة». نعم، الصدق طمأنينة؛ إذا صدق الإنسان في قوله وفي فعله، فإن قلبه يطمئن، يطمئن ولا يجد في قلبه شيء من الحرج أو الضيق أو الظن. بخلاف الكذب، الكذب فيه ريب، فيه قلق للنفس واضطراب. تجد الإنسان إذا كذب - سواء كذب على والديه أو كذب على صديقه أو كذب على مدرسه أو كذب على أي أحد من الناس، فضلا وأعظم من ذلك أن يكون الكذب على الله - فهذا مما يوقع المرء في ضيق الصدر وقلق النفس. نعم، والوقوع في الريب: «فإن الكذب ريبة». فالمسلم يلزم الصدق ما استطاع. يقول: ما الفرق بين الشك والوسوسة؟ الشك كما سمعنا هو أول الريب، أول الارتياب. الإنسان يشك في أمر من الأمور في ثبوته أو عدم ثبوته، في حله أو عدم حله، ثم يقع بعد ذلك في الريب والارتياب والقلق وعدم الاطمئنان إلى آخره. وأما الوسوسة فهي - يعني - من تلبيس الشيطان على الإنسان بأنه لم يفعل الشيء الذي فعله على وجهه الصحيح. فيقول له: لا، أنت ما فعلت - يعني - مثلا في باب الوضوء، تجد الموسوس يتوضأ المرة الأولى والثانية والثالثة، كلما توضأ يقول الشيطان: لا، ما توضأت. إذا غسل يده مرة يقول: لا، بقي اغسل، اغسل الثانية، الثالثة، الرابعة، يقول: زد، ما غسلتها، انظر يدك ما غسلتها، اغسلها، اغسلها جيدا حتى يتوضأ. وهكذا يتلاعب الشيطان بالإنسان. فالوسوسة فيها تلاعب - يعني - من الشيطان بالإنسان بأن يجعله يفعل الشيء على غير وجهه الصحيح، يبالغ - يعني - في فعل الأشياء وهو قد فعلها وقد أداها - يعني - وحصل منه المقصود، ومع ذلك يرى أنه لم يفعل هذا الشيء. فالوسوسة فيها شيء من تلاعب - يعني - الشيطان بالإنسان، في تلاعب الشيطان بالإنسان بمخالفة الشرع في العبادات وفي الطاعات التي أمره الشرع بها. والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.