كتاب الطهارة 10

كتاب الطهارة 10

الدرس في كتاب الطهارة 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل الوضوء وأثره يوم القيامة

يُبين فضل الوضوء وأثر المبالغة فيه على المؤمن يوم القيامة، حيث يزيد من حلي المؤمن. يُظهر الحديث أهمية الوضوء في حياة المسلم.

شرح حديث أبي هريرة في فضل إسباغ الوضوء

يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم في فضل إسباغ الوضوء وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ويبين أثر ذلك في محو الخطايا ورفع الدرجات.

أثر انتظار الصلاة وكثرة الخطى إلى المساجد

يُوضح أن المشي إلى المسجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة له أجر عظيم، حيث يرفع الدرجات ويمحو الخطايا، ويعتبر بمنزلة الرباط في سبيل الله.

التفريغ النصي الكامل

السلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام سنن الحجاج أبو الحسين نيس أبو القشير رحمه الله في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو أبو جميل بن طريف أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا خلف، يعني ابن خليفة، وهو ابن صاعد الأشجعي أبو محمد الكوفي الصدوق، اختلط في آخره أو أبو أحمد الكوفي، قال: عن أبي مالك الأشجعي - وما اسمه؟ أبي مالك الأشجعي سعد أو سعيد، سعد بن طارق، سعد بن طارق الأشجعي - عن أبي حازم - وما اسمه؟ أبي حازم ها السلمان الأشجعي، والراوي عن سهل بن سعد أبو حازم، الراوي عن سهل بن سعد اسمه، اسمه، من السلم بن دينار، قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ قال: يا بني فروخ أنتم هاهنا، لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء. سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». في هذا الحديث يقول أبو حازم سلمان الأشجعي رحمه الله: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ، فرآه يمد يده حتى تبلغ إبطه، يعني يغسل يده في الوضوء حتى يبلغ إلى الإبط، فسأله: ما هذا الوضوء يا أبا هريرة؟ ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ - وفروخ ما ذكر الإمام أنه رحمه الله أنه يعني من ولد إبراهيم - وأراد أبو هريرة بذلك الموالي، كما قال القاضي عياض رحمه الله - قال: أنتم هاهنا، لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء. وأراد بهذا رضي الله عنه أن من ربما قد يترخص، يعني إذا رأى مثل هذا الوضوء فقد يصيبه شيء من التشدد في فعله أو تصيبه شيء من الوساوس أو نحو ذلك، فذكر هذا الكلام رضي الله عنه فلئلا يعني يساء الظن بمن فعل ذلك فيقعوا في الخطأ، يعني قوله: «أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء»، يعني أنه ربما يقول: أنتم لا تعلمون مثل هذا العمل، وربما إذا رأيتم ذلك يبالغ أحدكم أو يشدد حينئذ إذا توضأ أو يصيبه شيء من الوساوس بسبب ذلك. كان هذا مراده رضي الله عنه. ثم قال: سمعت خليلي يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». تبلغ الحلية، قيل: المراد بقوله: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء»، يعني أنه يكون على المؤمن أثر الوضوء بقدر الموضع الذي كان يتوضأ به، والمراد بالحلية هو التحجيل الذي يكون للمؤمن يوم القيامة، يعني أثر البياض الذي يكون في قوائمه. وقيل: المراد بالحلية أي مواقع التي تلبس فيها الحلي كالذهب والفضة، ويكون المراد بذلك قول الله جل وعلا: ﴿يحلون فيها أساور﴾، فيكون قوله: «تبلغ الحلية من المؤمن»، يعني في لبسه للأساور من الذهب ونحوها حيث يبلغ الوضوء، حيث يبلغ الوضوء. فهذا الحديث فيه بيان أن المسلم والمؤمن إذا توضأ فإنه يحلى يوم القيامة أو كذلك في الجنة من الحلي بقدر الموضع الذي كان يتوضأ فيه. وأبو هريرة رضي الله عنه فهم من هذا استحباب المبالغة في غسل الأعضاء، حتى كان يغسل يده رضي الله عنه إلى الإبط، يعني يكاد يبلغ المنكب. وهكذا يفعل إذا غسل قدمه، بالغ في رفعها إلى الساق. وهذا لم يفعله كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإنما كانوا يتوضأون فيغسلون اليد إلى يعني أن يدخل فيها المرفق، فيشرع شيئا ما في العرض كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا إذا غسل قدميه رفع شيئا ما حتى يشرع في أول الساق. أما المبالغة في ذلك وإلى أن يغسل يده إلى الإبط، فهذا لم يفعله كثير من الصحابة رضي الله عنهم. وهذا اجتهاد من أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. على أن استحباب يعني غسل اليدين بأن يرفع إلى العضد هذا ثبت كما مر معناه في ذي هريرة، أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام غسل يديه حتى شرع في العضد، معنى أنه تأكد غسل يديه حتى أدخل المرفقين، ويتأكد ذلك بالشروع شيئا ما في العضد، الشروع شيئا ما في العضد. وكذا أيضا غسل القدمين، فإنه يتأكد غسل الكعبين بالشروع شيئا ما في الساق، لكن المبالغة في ذلك هذا الذي هو فيه الخلاف. فأبو هريرة رضي الله عنه كما سمعنا كان يبالغ في ذلك ويغسل يديه إلى إبطيه. وأما غيره من الصحابة رضي الله عنهم فالكثير منهم لم يفعلوا ذلك. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة، وابن حجر جميعا عن إسماعيل بن جعفر، وهو إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري أبو إسحاق القاري، ثقة ثبت، روى له الجماعة. قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني العلاء، وهو ابن عبد الرحمن أبو شبل، صدوق ربما وهما، هذا قال الحافظ في التقريب. ولهذا كانت هذه السلسلة سلسلة العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة من السلاسل الحسنة. ولهذا الإمام البخاري رحمه الله ما أخرج للعلاء عن عبد الرحمن، بخلاف الإمام مسلم، فإنه أكثر من ذكر هذه السلسلة في صحيحه، وإنه أخبره وإنه أخبره. ولهذا كان صحيح الإمام البخاري رحمه الله صحيح من صحيح الإمام مسلم. قال رحمه الله: أخبرنا العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط». في هذا الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام مخاطبا للصحابة رضي الله عنهم، والخطاب لجميع الأمة: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات»، يعني من الأعمال ما يكون سببا في محو الخطايا، يعني في غفرانها، ورفع الدرجات. في مقابل ذلك تمحى الخطايا، تمحى الخطايا وترفع الدرجات. فالصحابة رضي الله عنهم لحرصهم على الخير ومحبتهم لفعل الأعمال الصالحة قالوا: بلى يا رسول الله، يعني نحب ذلك، نحب أن تدلنا على هذا الأمر العظيم، ما تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إسباغ الوضوء على المكاره» من الأمور التي تمحى بها الخطايا وترفع بها الدرجات. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره»، إسباغ الوضوء يعني إتمامه وإكماله، إعطاء كل عضو حقه للغسل مع وجود المكاره، وجود المكاره يعني ما يتكرهه النفوس كشدة البرد أو شدة الحر. فكون المسلم يتوضأ ويسبغ الوضوء ويتحمل البرودة أو يتحمل الحرارة فيكمل الوضوء ويسبغه، هذا من أسباب محو الخطايا ورفع الدرجات. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد»، يعني الذهاب والمشي إلى المساجد، هذا من أسباب محو الخطايا ورفع الدرجات. والنبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة قال: «إذا توضأ العبد المسلم في بيته ثم خرج فأحسن الوضوء ثم خرج لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة». فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مدام في مصلاه الذي صلى فيه، تقول: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه، ما لم يؤذ فيه». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم إذا خرج إلى المسجد متوضيا فإن هذا سبب لمحو الخطايا، لا يرفع إلا يخطو خطوة إلا رفعت له بها درجة، حط عنه بها خطيئة. وهذا معنى قوله: «وكثرة الخطى إلى المساجد»، يعني كثرة المشي والذهاب إليها مشيا. وهكذا في حديث أبي بن كعب في قصة الرجل الذي كان بعيدا مسكنه من المسجد، وكانت لا تخطئه صلاة، كانت لا تخطئه صلاة، يعني مواظبا على صلاة الجماعة، فقال: قلت له أو قيل له: لو اتخذت حمارا تركبه في الظلمة وفي الرمضاء. قال: ما يسرني أن يكون منزلي إلى قرب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إذا مشيت ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، يعني يقول: أريد أن يكتب لي الأجر إذا ذهبت إلى المسجد وإذا رجعت. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لك ما احتسبت». وفي لفظ: «إن الله قد كتب لك ذلك كله». ولما أراد بنو سلمة أن يحولوا منازلهم إلى قرب مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت منازلهم بعيدة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بني سلمة، آثاركم تكتب، آثاركم تكتب»، يعني إلزموا دياركم تكتبوا لكم آثاركم. فآثار المشي الذي يمشيه المسلم من بيته إلى المسجد، وإن بعد المسجد، يكتب له فيها الأجر، وتكتب له هذه الآثار، تكتب له هذه الآثار والخطى التي يمشيها إلى بيوت الله جل وعلا: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾. إذا كثرت الخطى إلى المساجد هذا من أسباب محو الخطايا ورفع الدرجات. إن قال قائل: هل معنى هذا أن المشي أفضل من الركوب؟ الجواب: نعم، المشي أفضل من الركوب، لكن إن احتاج أن يركب في بعض الأحيان فلا بأس، إذا كان مثلا متعبا أو كان متأخرا يخشى إن مشى أن تضيع عليه شيء من الصلاة لكونه متأخرا فيركب. وأما في حال السعة فإن المشي أفضل لما فيه من هذه الأجور. طيب إن كان الرجل يمشي ويذهب دائما مشيا ثم أصيب بمرض أصيب بمرض فصار لا يستطيع أن يذهب إلى المسجد مشيا فصار يذهب راكبا، هل يجد هذا الأجر؟ الجواب: نعم، يجد هذا الأجر لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما». رواه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. قال: «وإنتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط»، هذا الأمر الثالث من الأمور التي تمحى به الخطايا وترفع بها الدرجات، انتظار الصلاة بعد الصلاة، يعني أن يصلي ويجلس في المسجد ينتظر الصلاة التي بعدها، فيصلي مثلا المغرب ويجلس إلى صلاة العشاء، فهذا يكون بمنزلة الرباط، بمنزلة الرباط. وأصله الرباط هو الحبس، ولهذا قيل للمرابط في سبيل الله من يلازمون في الثغور يحمون حدود بلاد المسلمين، يقال: ما هذا مرابط في سبيل الله؟ أي حابس نفسه لحماية حدود المسلمين. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول فيمن فعل ذلك يعني انتظر الصلاة بعد الصلاة: «فذلكم الرباط»، يعني هذه منزلة الرباط في سبيل الله، قد حبس نفسه لطاعة الله سبحانه وتعالى، حبس نفسه لطاعة الله جل وعلا، فإنه ينال هذا الأجر العظيم من محو الخطايا ورفع الدرجات. الشاهد من هذا الحديث في هذا الموضع في كتاب الطهارة هو قول عليه الصلاة والسلام: «إسباغ الوضوء على المكاره»، فإسباغ الوضوء وإتمامه مع وجود المكاره هذا من أسباب مغفرة الذنوب ورفع الدرجات. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.