كتاب التفسير من صحيح البخاري 190

كتاب التفسير من صحيح البخاري 190

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 190، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مكانة الإمام الحميدي الروائية ومذهبه الفقهي

يبيّن المقطع مكانة الإمام الحميدي كحافظ ثقة من أصحاب سفيان بن عيينة لازمته تسع عشرة سنة، ثم تحوله لمذهب الشافعي ولزومه له بعد إعجابه بفقهه. كما يذكر سياق رواية سفيان عن الزهري بقوله «حدثوني» لسماعه الحديث من غير الزهري مباشرة مع التزامه الرواية عن الثقات فقط.

دور مطعم بن عدي في نقض الصحيفة وإسلام جبير بن مطعم

يتناول المقطع دور مطعم بن عدي في نقض صحيفة المقاطعة الجائرة ضد بني هاشم، وثناء النبي ﷺ عليه يوم بدر. ثم قصة إسلام جبير بن مطعم رضي الله عنه حين سمع النبي ﷺ يقرأ سورة الطور في صلاة المغرب، فتأثر قلبه بآيات التوبيخ للكافرين، مع ذكر اختلاف الرواة في سياق الحديث ومسألة قراءة النبي ﷺ في المغرب.

تنوع قراءة النبي ﷺ في صلاة المغرب بين الطوال والقصار

تضاربت الأحاديث في قدر قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب، فمنها ما يدل على قراءته بالطوال كسورة الأعراف والمرسلات، وأخرى تدل على المواظبة على قصار المفصل لسرعة صلاته. ورجح الجمهور أن الغالب كان يقرأ بقصار المفصل، لكنه كان ينوع فيقرأ أحياناً بالطوال والأوساط، كما أنكر زيد بن ثابت على مروان المداومة على القصار فقط.

قراءة النبي ﷺ في صلاة الفجر من طوال وأوساط وقصار المفصل

يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر بطوال المفصل وأوساطه، وأحياناً بقصاره. ويختتم بالتأكيد على أن هذا ما ورد في الحديث المذكور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا الحميدي، وهو بكر بن الحميد، عبد الله بن الزبير الأسدي القرشي. قال الإمام أحمد رحمه الله: «الحميدي عندنا إمام، ولا يضره عدم معرفة ابن معين له، وهو إمام في الحديث والفقه». قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: «فقهاؤنا ثلاثة: فقهاء الحديث: الشافعي، والحميدي، وأبو ثور». والظاهر أنه يريد أن أحمد يعتبر من أهل الحديث، أي غلب عليه الحديث، مثل سفيان الثوري كان فقيهاً لكن غلب عليه الحديث، تجد أكثر وقته ومجالسه في الحديث، حتى قال زيد بن الحباب: «كنا نجلس إلى سفيان الثوري وكأنه لا يعرف إلا: حدثنا، وأخبرنا». قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة. والإمام البخاري اعتمد الحميدي في كثير من أحاديث سفيان بن عيينة، وهو من ثقات من روى عن سفيان، أي من حفاظ أصحاب سفيان بن عيينة. وقد لازمه تسعة عشر سنة، أن الحميدي جلس عند سفيان تسعة عشر سنة. ثم ذهب إلى الشافعي لما كان في مكة. أنكر الحميدي على أحمد ذهابه إلى الشافعي، فقال: «تذهب إلى هذا وتترك سفيان وحديثه؟» قال: «إن فاتني حديث سفيان بعلو أدركته بنزول، أنا عندي أصحابه سأروي عنهم، لكن إن فاتني عقل هذا الفتى» يريد الشافعي. قال: «قد لا أدركه، أنا قد لا أجد مثله». ثم إن أحمد رحمه الله يقول للحميدي: «تعال معي واسمع ما يقول الشافعي». فجاء معه الحميدي مرة فأعجبه كلام الشافعي، فلزمه بعد ذلك لزوماً أكثر من أحمد، حتى أنه لما ذهب إلى مصر -أي الشافعي- ذهب معه الحميدي فترة ثم رجع. ويعتبر الحميدي من أصحاب الشافعي، من مذهب الشافعي القدماء الذين يرون عنه المذهب القديم، لأنه لم يجلس في مصر إلا قليلاً ثم رجع إلى مكة. قال سفيان: «حدثوني عن الزهري». وإنما قال «حدثوني» لأنه لم يسمع هذا الحديث كله من الزهري، وإنما سمع بعضه. وسفيان بن عيينة لا يحدث إلا عن ثقة، فقول «حدثوني» غالباً إما معمر، وإما محمد بن زياد، وغيره. قال: «حدثوني عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، وهو ابن الصحابي الجليل جبير بن مطعم بن عدي. ومطعم بن عدي هو الذي نقض الصحيفة، الصحيفة الجائرة في مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، فالذي سعى فيها والذي قام بنقضها هو مطعم بن عدي. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لما في أسر بدر -في أسر بدر-: «لو كان مطعم بن عدي حياً لتركت لهم هؤلاء النطع». معناه: لأعطيتهم إياه، حتى لو قال إنه أرادهم، معناه: سيفديهم بهم. وهذا من رد الجميل منه صلى الله عليه وآله وسلم. قال: «عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير بن مطعم، كان من عسر بدر، ثم أسلم رضي الله عنه، قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في المغرب بطور». وهذا عندما كان في العسر، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾، قال: «كاد قلبي أن يطير». أي أنه خاف من هذه الآيات العظيمة، أي كيف أنه لم يتدبر مثل هذا الكلام؟ هذا كلام عظيم، الله عز وجل يخاطب كفار قريش: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. أي هل هم خلقوا أنفسهم؟ من الذي خلقهم؟ وهم يعترفون أن الله عز وجل هو الذي خلقهم. ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله. ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، أيضاً هل هم خلقوا السماوات والأرض؟ فلماذا يتكبرون؟ لماذا أيضاً ينصرفون عن عبادة الله؟ فلهذا قال جبير بن مطعم رضي الله عنه: «كاد قلبي أن يطير». قال سفيان: «فأما أنا فإنما سمعت الزهري يحدث عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في المغرب بطور، لم أسمع: زاد الذين قالوا لي». عن أن الزهري اختصر الحديث في بعض المجالس، فسمعه سفيان على الاختصار، وسمعه الآخرون -معمر وغيره- على هذا التطويل. فهو روى هذا عن بعض أصحاب الزهري، كمعمر وغيره. وهذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في المغرب بطور، يقرأ في المغرب بطور. وقد تقدم معنى أن الصحيح من أقوال أهل العلم -هو قول جمهور أهل العلم- أن الغالب في قراءة المغرب هو قصار المفصل. ورجح بعض المعاصرين، وكذلك رجحه الشيخ محمد بن رزق الطرهوني في كتابه «صحيح السيرة»، رجح أن الغالب في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب طوال المفصل، واستدل بهذا. واستدل أيضاً بحديث الفضل: لما سمعت ابنها يقرأ والمرسلات، قالت: «والله لقد أذكرتني -أو أذكرتني- آخر صلاة سمعت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في صلاة المغرب». أي يقرأ المرسلات في صلاة المغرب، وكان قد اشتكى، كان قد اشتكى في مرض موته عليه الصلاة والسلام، يعني قد بدأ شكواه صلى الله عليه وسلم، فقرأ وهو يشتكي بسورة المرسلات. فاستدل بها بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مع شكواه قرأ بالمرسلات، فهذا يدل على أنه يقرأ بطوال المفصل. لكن الأدلة المتكاثرة التي دلت على سرعة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في بداية المغرب، وكذلك سرعته في القراءة، تدل على أنه كان يقرأ بقصار المفصل. وكذلك أيضاً ما جاء كما ذكرنا في حديث في سنن النسائي عن سليمان بن الأشعث -أو سليمان الأشجعي، وهو أبو حازم الذي يروي عن أبي هريرة- فذكر أن أبا هريرة زارهم إلى منطقتهم أو إلى حيهم، فسمع قراءة الإمام، فقال أبو هريرة: «والله ما رأيت إماماً أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم». فقال سليمان الأشجعي رحمه الله: «فكان يؤمنا بالفجر بطوال المفصل، وفي الظهر والعصر بأوساط المفصل، والعشاء والمغرب بقصارها». فدل هذا الحديث على -وإن لم يكن صريحاً- لكنه يؤيده الأدلة التي جاءت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسرع في قراءة المغرب، حتى أن الرجل يخرج فيرمي بنبله فيرى موضع نبله. وهذا الحديث قد جاء عن جماعة من الصحابة، منهم في الصحيحين، ومنهم خارجها. فلهذا رجح جمهور أهل العلم -أو هو قول جمهور أهل العلم- أن الغالب في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب بقصار المفصل. ولكنه كان يقرأ كثيراً أيضاً بطوالها، فدل على التوسط: أنه لا يقرأ دائماً بقصار المفصل، ولا أيضاً دائماً بطوالها، وإنما ينوع. بل أحياناً يقرأ أيضاً بأكثر من ذلك. ولهذا أنكر زيد بن ثابت كما قلنا على مروان عندما كان دائماً يقرأ بقصار المفصل في المغرب، أنكر عليه زيد بن ثابت وقال: «والله صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة المغرب فقرأ فيها بالطولي، الطولي» -أي سورة الأعراف-. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوع في القراءات. كما قلنا أيضاً: الفجر تقرأ بطوال المفصل، لكن أيضاً قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بأوساط المفصل، بل قرأ أيضاً بقصارها لكن أحياناً. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. شكراً.