كتاب الطهارة 11

كتاب الطهارة 11

الدرس في كتاب الطهارة 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

التيسير في الشريعة وأصل الوجوب

يشرح المقطع التيسير في الشريعة الإسلامية وأصل الوجوب مستشهدا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويبين أن الشريعة مبنية على التخفيف والتيسير لتجنب المشقة على المسلمين.

استحباب السواك ومواضعه

يستدل المقطع على استحباب استعمال السواك عند كل صلاة، ويذكر مواضع استحبابه مثل عند الصلاة والوضوء والاستيقاظ من النوم وتغير رائحة الفم وقراءة القرآن.

استعمال النبي للسواك

يشرح المقطع استعمال النبي للسواك في المنزل ولدى استيقاظه للتهجد، ويستشهد بأحاديث رواها أبو موسى وحذيفة رضي الله عنهما.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، وعمر بن ناقد، وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا سفيان عن أبي الزناد، وهو عبد الله ذكوان، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشق على المؤمنين -وفي حديث زهير: على أمتي- لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». هذا الحديث يخبر فيه النبي عليه الصلاة والسلام برفع المشقة على أهل الإيمان بعدم إيجاب السواك عليهم، لأنه لو أوجبه لشق ذلك عليهم أن يستاكوا عند كل صلاة. فقال: «لولا أن أشق على المؤمنين -وفي اللفظ الآخر: على أمتي- لأمرتهم بالسواك»، يعني أمر إيجاب، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. لكن لو فعلت ذلك وأمرتهم لكان في ذلك ما شق عليهم أن يتسوك المسلم عند كل صلاة، ربما ذلك لا يتيسر أن يكون عنده السواك أو يتفطن لذلك، فيكون بذلك مشقة. فلأجل ذلك لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أمته بذلك. فدل هذا الحديث على أن هذه الشريعة العظيمة مبنية على التخفيف والتيسير، كما قال الله عز وجل: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، وقال جل وعلا: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾، وقال جل وعلا: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، وقال جل وعلا: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بعثت بالحنيفية السمحة». فهذا الدين مبني على التيسير والتخفيف، وإذا وجدت المشقة وجد معها التيسير. فلما كان في إيجاب السواك مشقة لم يوجبه النبي صلى الله عليه وسلم خشية المشقة على هذه الأمة. وهكذا أيضا فيه أن الأصل في الأمر أنه للوجوب، كما هو مقرر عند أهل الأصول، بقوله عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بالسواك»، يعني لو أمرتهم لكان واجبا. فدل هذا على أن الأمر الأصل فيه أنه للوجوب، وهو كذلك. الأصل في الأمر أنه للوجوب. ومما يدل على ذلك قول الله جل وعلا، معاتبا إبليس على عدم السجود لآدم: ﴿أفعصيت أمري﴾. وهكذا قول الله جل وعلا: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. فحذر الله جل وعلا من مخالفة أمر نبيه عليه الصلاة والسلام، وأنه من خالف أمره فهو معرض للإصابة بالفتنة، أي في الدنيا، أو العذاب الأليم في الآخرة. وقوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾، أي عن أوامره. فأمره هنا المفرد مضاف، والمفرد إذا أضيف دل على العموم، فيشمل ذلك جميع أوامره عليه الصلاة والسلام. فدل هذا كذلك على أن الأمر للوجوب، إذا كان مخالفة الأمر موعودا بهذا الوعيد، به التعرض للفتنة أو العذاب، دل ذلك على أنه واجب، إلا إذا صرف هذا الأمر بالصارف، ودل على أن هذا الأمر لا يراد به الوجوب، فحينئذ لا يكون واجبا. وفيه كذلك أيضا أن السواك مستحب، أن السواك استعماله مستحب عند كل صلاة. والسواك المراد به العود الذي يتسوك به. وأفضل ما يكون من الأراك. فالاستياك به مستحب، بل استحبابه استحباب مؤكد، استحبابه استحباب مؤكد، لهذا الحديث: «لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، يعني أمر إيجاب، لكن لأجل المشقة لم يأمرهم بذلك. أمر إيجاب. والمعنى أنه يستحب. وهكذا أيضا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ومواظبته على ذلك، استعماله للسواك، وإخباره عليه الصلاة والسلام أن السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، كما جاء عند النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب». أي يطهر الفم وينظفه وينقيه، وهو مرضاة للرب، أي مما يرضي الله سبحانه وتعالى. إذن هو عبادة يحبها الله جل وعلا. وذكر أهل العلم أن الاستياك يتأكد في مواضع، أو في أربعة مواضع: عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند تغير رائحة الفم. وكذلك أيضا عند قراءة القرآن. فهذه المواضع يتأكد فيها استعمال السواك. ومنها عند الصلاة، لهذا الحديث: «لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». لأن المسلم في الصلاة سيقف بين يدي ربه جل وعلا، يناجي الله سبحانه وتعالى، فكونه يستاك ويطهر فمه، لأنه سيقرأ القرآن ويقرأ الأذكار، وربما يدعو، فيكون على أكمل الأحوال وأفضلها. قال رحمه الله: حدثنا أبو كريب، ومحمد بن العلاء، قال: حدثنا ابن بشر عن مصعب بن كدام عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة، قلت: بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك. وفي هذا الحديث سؤال عائشة رضي الله عنها: بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك. كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته بالسواك. وهذا فيه كذلك استحباب استعمال السواك في سائر الأوقات، ومنه عند دخول البيت. ولعل هذا من أجل حسن عشرة النبي عليه الصلاة والسلام مع أهله، والتلطف معهم. فكان إذا دخل منزله بدأ بالسواك، حتى يطيب فمه، لأنه ربما يقابل زوجته فيقبلها ونحو ذلك، فيكون على أكمل الأحوال وأفضلها. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي قال: حدثنا حماد بن زيد -وهو ابن درهم الأزدي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت- قال: عن غيلان، هو ابن جرير المعولي، عن أبي بردة، ومن أبي موسى، عن أبي موسى: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وطرف السواك على لسانه. قال أبو موسى رضي الله عنه: دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام وطرف السواك على لسانه. هذا فيه أولا كثرة استعمال النبي عليه الصلاة والسلام للسواك، فكان يستعمله في المسجد، وإذا دخل منزله. وهو داخل المنزل كذلك. فأبو موسى رضي الله عنه يقول: دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام وطرف السواك على لسانه، يعني أنه واضع للسواك على طرف لسانه. وفي بعض الروايات: وهو يقول كأنه يتهوع، يعني أنه وضع السواك على طرف اللسان، وكأنه كان يعني يتسوك في لسانه، من باب تنظيف اللسان، كما أنه ينظف أسنانه. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة -وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم- قال: حدثنا هشيم -وهو ابن بشير السلمي، وهو ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال- قال: عن حسين، عن أبي وائل -وهو الشقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، ثقة مخضرم- عن حذيفة -وهو صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك. قال حذيفة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام ليتهجد، يعني ليصلي في الليل بعد نومه، يشوص فاه بالسواك. معنى يشوص: يعني يدلك أسنانه بالسواك. وهذا فيه تنقية الفم عند الاستيقاظ من النوم، لأن الغالب أن الإنسان إذا نام واستيقظ من نومه تغير رائحة فمه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك حتى يطيبه وينقيه. وفيه كذلك فائدة أخرى، وهي التنشيط، أن ينشط نفسه عند الاستيقاظ من النوم، وكذلك أيضا يهيئ نفسه فيما سيقوم به من الصلاة وقراءة القرآن، فيكون على أكمل وأفضل الأحوال. وفيه كذلك استحباب السواك عند الاستيقاظ من النوم. قال رحمه الله: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -وهو الحنظلي ابن راهويه- قال: أخبرنا جرير، وعبد الحميد، عن منصور، والمعتمر، قال: عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل بمثله. كم حديثا قرأنا؟ أربعة أحاديث: حديث أبي هريرة، وحديث أبي موسى، وحديث عائشة، وحديث حذيفة. هذه أربعة أحاديث.