الدرس في كتاب الطهارة 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع شرح حديث عمر بن الخطاب مع اليهود حول آية أكملت لكم دينكم، ويبرز تعريف أهل الكتاب وصفات اليهود والنصارى. يشير إلى عداوة اليهود الشديدة للمؤمنين مقارنة بالنصارى الذين يظهرون مودة أكبر.
يفسر المقطع معنى إكمال الدين الإسلامي كما جاء في الآية الكريمة، ويوضح عموم رسالة النبي محمد لجميع الناس. يشير إلى أن الدين لا يحتاج إلى أي إضافة أو تعديل، ويعتبر دليلا على كفر من لم يؤمن به.
يفسر المقطع معنى إتمام نعمة الدين الإسلامي ورضا الله عنه كما جاء في الآية الكريمة. يشير إلى أن الدين الإسلامي هو الدين الذي ارتضاه الله للعباد وأنه لا يقبل غيره.
يشرح المقطع مناسبة نزول الآية في حجة الوداع، حيث نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة. يبرز ربط الإمام البخاري بين نزول الآية وبين حجة الوداع في كتابه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري، رحمه الله، في صحيحه، في كتاب المغازي، في باب حجة الوداع: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان الثوري، وهو ابن سعيد، أبو عبد الله، إمام من أئمة أهل الحديث. قال عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، وهو صحابي، إلا أن روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة، لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام شيئا. هنا سيأتي أن الحديث من حديث عمر، رضي الله عنه، قال: إن الناس من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. فقال عمر: أي آية؟ فقالوا: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا. فقال عمر: إني لأعلم أي مكان أنزلت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة. هذا الأثر أخبر عمر، رضي الله عنه، في بعض الروايات، أن اليهود قالوا له ذلك مباشرة. إن ناسا من اليهود، واليهود أهل كتاب، ممن أنزل عليهم كتابا، وهو التوراة التي أنزلها الله عز وجل على موسى، وكذا مثلهم النصارى، الذين أنزل الله عز وجل عليهم الإنجيل. فإذا أطلق لفظ أهل الكتاب، هم اليهود والنصارى، إلا أنهم قد حرفوها وغيروها وبدلوها. ومن كان منهم صادقا، وهو على بقايا مما كان عليه موسى وعيسى عليه السلام، فإنه مباشرة يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام ويصدقه، لأن هذا مما بشرت به التوراة والإنجيل، كأمثال عبد الله بن سلام، ورقة بن نوفل، وزيد بن عمر بن نفيل، ومن كان مثلهم. وهكذا من التابعين، كعب الأحبار، هؤلاء آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولم يتأخروا في ذلك. منهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يدركه، كـورقة، وزيد بن عمر. إلى أنه يغلب على اليهود المكر، وكذلك أيضا الكذب، وكذلك الخداع. ولهذا ربما لم يسلم منهم إلا قليل، بخلاف النصارى، فمن أسلم من النصارى أكثر ممن أسلم من اليهود. ولهذا الخبث في اليهود أكثر منهم في النصارى، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَتَجِدُونَ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى آخر الآيات. وإن كانت هذه الآيات نزلت في النجاشي، وهو ملك الحبشة، لكنها كذلك تعم من كان مثله، تعم من كان مثله من النصارى. فالمقصود أن اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، لأننا جعلنا هذا اليوم الذي أنزلت فيه هذه الآية عيدا نفرح به ونظهر الشكر في كل سنة يعود علينا هذا اليوم. فسأل عمر، رضي الله عنه: أي آية؟ فذكروا قول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وذلك أن هذه الآية فيها إخبار الله جل وعلا بإكمال الدين، والمراد بهذا الدين دين الإسلام، الذي هو ناسخ لسائر الأديان التي قبله. فمن لم يؤمن بالله جل وعلا وبنبيه محمد عليه الصلاة والسلام فهو كافر، ولو كان يهوديا أو نصرانيا، فإنه يعتبر كافرا ضالا، وكافر بجميع الأنبياء، حتى بنبيه عيسى إن كان من النصارى، أو بنبيه موسى إن كان من اليهود، حتى يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، لأن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام ناسخة للرسائل السابقة، ودينه ناسخ لسائر الأديان، ونبوته ورسالته ناسخة لجميع الرسالات التي قبله. ويجب الإيمان به عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». ورسالة النبي عليه الصلاة والسلام عامة لجميع الثقلين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الثقلين. وفي حديث جابر في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وكان النبي يبعث لقومه خاصة، وأبعث إلى الناس عامة». فالله عز وجل في هذه الآية امتن على نبيه عليه الصلاة والسلام وعلى أهل الإسلام بإتمام هذا الدين وإكماله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. إذن ديننا كامل، ديننا كامل، وديننا هو ما أمرنا الله عز وجل به في كتابه، وشرعه لنا، وما أمرنا به النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، وشرعه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالدين هو ما في الكتاب والسنة، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. والله عز وجل يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ويقول: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. إذن ديننا كامل، لا نحتاج إلى أحد أن يأتي لنا بشيء ليس من دين الله جل وعلا. ولهذا فهذه الآية قاصمة لظهور أهل البدع والأهواء، الذين يعملون ما يعملون من أعمال يجعلون أنها عبادات وطاعات يتقربون بها إلى الله جل وعلا، وليست من دين الله. والدين كما قال إمام مالك، رحمه الله: «ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما لم يكن يومئذ دينا، لا يكون اليوم دينا». ما لم يكن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام دينا، وزمن أصحابه، فإنه لا يكون اليوم دينا. قال: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. كذلك في هذه الآية امتنان من الله جل وعلا بإتمام النعمة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، وقال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. فالله عز وجل امتن علينا بإتمام نعمه، سواء كانت النعمة الدنيوية أو كانت النعمة الدينية، وهي الأعظم. أعظم النعم نعمة الدين والإيمان والهدى والعلم والصلاح والاستقامة. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. رضي الله عز وجل لنا هذا الدين، أي دين الإسلام، ورضيت لكم الإسلام دينا، أي يدان به لله، ويتقرب به إلى الله، ويتعبد به لله سبحانه وتعالى. ومفهوم الآية أن الله عز وجل لا يرضى غير هذا الدين، غير الإسلام. هذا منطوق الآية أن الله رضي لنا الإسلام دينا، ومفهوم المخالفة أن غير هذا الدين لا يرضاه الله. وهذا المفهوم جاء التنصيص عليه في آيات أخرى، كقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فهذه الآية آية عظيمة، تدل على إكمال الله عز وجل لهذا الدين، وإتمام النعمة به وبغيره من النعم، وأنه رضي لنا هذا الدين دينا. ودين الإسلام بمعنى الخاص، لأن الإسلام له معنى عام، وهو معنى التوحيد والإفراد الله جل وعلا بالعبادة، وهذا يشترك فيه جميع الأنبياء والرسل، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وهكذا أيضا في قوله جل وعلا عن موسى عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾، وهكذا قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. هذا الإسلام العام. وأما الإسلام الخاص، فهو ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الدين، بما فيه من شرائع وأحكام وأوامر ونواهي، وهو الذي يجب الإيمان به، وأن يدان به لله جل وعلا. فقال عمر: إني لأعلم أي مكان أنزلت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة. أي في حجة الوداع، كان ذلك في حجة الوداع. وهذا هو الشاهد، كونه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة، أي في حجه، وهي حجة الوداع. فكان من المناسب ذكر هذا الحديث، وهذا الأثر، بهذا الباب، باب حجة الوداع، من حيث المعنى، وذلك أن نزول هذه الآية كان في حجة الوداع، في اليوم الأجل. هذا ذكر الإمام البخاري، رحمه الله.