الدرس في كتاب الصيام 48، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
أخبر الصحابة برؤياهم ليلة القدر في المنام بأنها في السبع الأواخر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحريها في تلك الليالي. وتؤكد الروايات طلبها في الليالي الوترية من العشر الأواخر من رمضان.
سُميت ليلة القدر لعظم قدرها عند الله أو لتقدير مقادير الخلائق فيها، وهي ثابتة في رمضان لم تُرفع بل رُفع تعيين ليلتها المحددة. لذا شُرع تحريها في العشر الأواخر امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتماسها.
حث النبي ﷺ على طلب ليلة القدر في ليالي العشر الأواخر الوترية مبيناً أنها تتنقل ولا تتعين ليلة واحدة كل سنة. وحكمة إخفائها أن يجتهد المسلم في العبادة طوال العشر، ووضعها في أواخر رمضان لاستمرار النشاط والطاعة حتى نهاية الشهر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله في صحيحه: وحدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، قال: قرأت على مالك، وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، عن نافع، وهو مولى ابن عمر، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت، يعني تتابعت، في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر». قالوا: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن دينار، وهو القرشي، أبو عبد الرحمن، وهو مولى ابن عمر، كذلك، قال: عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر». قالوا: حدثنا عمر الناقد، وهو عمر بن محمد بن بكير الناقد، وزهير بن حرب، هو أبو خيثم النسائي. قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة، وهو أبو محمد الهلالي، عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، عن سالم، وهو ابن عبد الله بن عمر، وكان من العلماء، علماء أهل المدينة وفقهائهم، وكان من أهل الزهد والعبادة، وكان من أشبه أبناء عبد الله بن عمر به، كان يشبه بأبيه عبد الله بن عمر في هديه وسمته، رضي الله عن أبيه، رضي الله عنه، قال: رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها». هذه الأحاديث، وسيأتي أيضا أحاديث أخرى في ليلة القدر. ليلة القدر سُميت بذلك، قيل: لعظم قدرها، لعظم قدرها وعظيم منزلتها عند الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾، أي: ما أدراك ما شأنها وعظيم أمرها، فليلة ذات قدر عظيم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾. وقيل: سُميت بليلة القدر بهذا الاسم لأنه تُقدر فيها أعمال السنة، كما في قوله جل وعلا: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾، فتُقدر فيه مقادير الخلائق السنوية، تُقدر مقادير الخلائق السنوية، فسميت بليلة القدر. وعلى كل، فهي ليلة ذات قدر عظيم وفضل كبير. هذه الليلة هي موجودة في شهر رمضان، موجودة في شهر رمضان، وهي باقية ما زالت موجودة وباقية، ولم ترفع، وإنما رفع تعينها. في حديث عباد بن الصامت، في البخاري، لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يخبر أصحابه بليلة القدر، قال: «فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيرا، فالتمسوها في تاسعة تبقى، أو سابعة تبقى»، الحديث. فقول عامة أهل العلم: أن ليلة القدر باقية، وإنما رفع تعينها، كونها الليلة الفلانية، هذا رفع. أما أصل ليلة القدر فهي موجودة، خلافا لمن قال برفع عينها. ومن هؤلاء الشيعة، الشيعة يعتقدون أن ليلة القدر قد رفعت، ما في ليلة قدر، ويستدلون بهذا الحديث، والمراد بهذا الحديث رفع تعينها. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فالتمسوها». وإذا كان المراد رفع عينها وأصلها، لما قال: «فالتمسوها»، يتمسون ماذا؟ شيئا غير موجود؟ لا، إذن قولوا: «فالتمسوها»، معنى أنها موجودة، لكن رفع تعين هذه الليلة، كونها الليلة الفلانية. فلهذا تتحرى ليلة القدر في الشهر كله، في الشهر كله. وكذلك، وكذلك أيضا يكون التحري أعظم في الأيام والليالي التي يغلب على الظن كون ليلة القدر فيها، وهي العشر الأواخر. وفي هذه الأحاديث، النبي عليه الصلاة والسلام حث أصحابه على تحري ليلة القدر في السبع الأواخر، يعني في آخر سبع ليالي، من ثلاث وعشرين إلى تسع وعشرين. وفي الروايات الأخرى في العشر الأواخر كلها، قال: «فاطلبوها في الوتر منها»، يعني من ليالي العشر. فأحرى ما تكون ليلة القدر في العشر الأواخر، وأحرى هذه العشر الأوتار: أوتار العشر، الحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والخامس والعشرين، والسابع والعشرين، والتاسع والعشرين. فتتحرى، لأن ليلة القدر على الصحيح تتنقل، ليست هي ليلة معينة في كل سنة، بل قد تكون في هذه السنة ليلة سبع وعشرين، وفي سنة أخرى إحدى وعشرين، وفي أخرى ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين. فلهذا حث النبي عليه الصلاة والسلام على استغلال هذه الليالي كلها، وتحري ليلة القدر فيها بالاجتهاد والعبادة في سائر ليالي، ليالي العشر، حتى يدرك المسلم فضل هذه الليلة. إذا قام الليالي كلها، فإنه بهذا لا شك أنه سيدرك ليلة القدر. ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه رفع تعين هذه الليلة، ولو كانت معينة، مثلا ليلة السابع والعشرين، ستجد الناس يكاسلون عن العبادة، وعن الصلاة، وعن القيام، يقولون: لا، سنجتهد إن شاء الله في ليلة القدر، إذا جاءت ليلة السابع والعشرين اجتهد، ويفوت فضل القيام والعبادة في الليالي الأخرى. لكن لما رفع تعين هذه الليلة، فالمسلم يجتهد في كل الليالي، منذ أن تدخل العشر، وهو في اجتهاد، وهو في اجتهاد، حتى يدرك فضلها. ومن حكمة الله أن جعل هذه الليلة في آخر، في آخر رمضان، ما جعله في أول رمضان، لأن الناس في أول رمضان يقبلون على الخير، وعلى الصلاة والقيام، وقراءة القرآن، وفعل البر، ثم يحصل شيء من التكاسل، ويحصل شيء من التقاعس، فكانت هذه الليلة في آخر الشهر، حتى يستمر المسلم على هذا الخير، والجد، والاجتهاد في الطاعة والعبادة، فيكون اجتهاده في الشهر كله، من أوله إلى آخره، ويدرك فضل العبادة في هذا الشهر المبارك. نعم، وسيأتي معنا، كما سمعتم، أحاديث أخر كذلك، في حث النبي عليه الصلاة والسلام على التماس هذه الليلة في العشر الأواخر، وأنها كذلك قد تكون في غير ليلة سبع وعشرين من ليالي العشر. طيب، إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر