الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع اسم الله "الوهاب" الوارد في ثلاثة مواضع قرآنية، مبينًا أن صيغة "فعال" تفيد المبالغة في الكثرة، فالله كثير الهبة والعطية. وتتنوع هباته سبحانه بين النعم الدنيوية كالمال والولد والصحة، والنعم الدينية كالهدي والعلم والفقه والطاعة.
يشرح المقطع صفة الله "الوهاب" الدالة على كثرة عطاءه وتواليه، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن يد الله الملأى، وبأمثلة من القرآن كهبة الولد لزكريا والملك لسليمان. مؤكداً أن الله مالك خزائن السماوات والأرض يتصرف فيها كيف يشاء.
يبيّن المقطع أن الله مالك السماوات والأرض يخلق ما يشاء ويمنح الذرية بحكمته؛ إناثًا أو ذكورًا أو يجمع بينهما أو يجعل من يشاء عقيماً. ويؤكد على دعاء الله باسمه "الوهاب" لطلب الهبات من رزق وولد وعلم، مستشهداً بدعاء عباد الرحمن في القرآن.
يختتم المتحدث كلامه بالحمد لله والشكر له على النعم، ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه. ويختم بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف - فقه الله - في رسالته "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال الوهاب: وهو اسم تكرر في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع. قال الله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾. وقال تعالى: ﴿ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴾. وقال تعالى في ذكر دعاء نبي الله سليمان عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾. والوهاب: هو كثير الهبة والمنة والعطية، و"فعال" في كلام العرب للمبالغة، أي هذا الوزن وزن "فعال" يدل على المبالغة والكثرة، مثل "رزاق" يدل على كثرة رزقه سبحانه وتعالى، و"غفار" يدل على كثرة المغفرة، ونحو ذلك. فهذه الصيغة تدل على الكثرة والمبالغة. فالله جل وعلا الوهاب هو كثير الهبة، يهب لعباده النعم والعطايا الدنيوية والدينية: الدنيوية ك الزوجة والولد والصحة والعافية والمال، والدينية ك الهداية والعلم والفقه والحفظ والطاعة والعبادة. وهكذا أيضًا يمتنّ على عباده بهذه العطايا والهبات. قال: فالله جل وعلا وهاب، يهب لعباده من فضله العظيم، ويوالي عليهم النعم، ويوسع لهم في العطاء، ويجزل لهم في النوال. فجاءت الصفة على "فعال" لكثرة ذلك وتواليه، يعني تتابعه وتنوعه وسعته. وهو سبحانه بيده خزائن كل شيء، وملكوت السماء والأرض، ومقاليد الأمور، يتصرف في ملكه كيف شاء. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه». أي ما نقص شيء مما عند الله سبحانه وتعالى مما أنفق ومما أعطى منذ أن خلق السماوات والأرض. سبحانه وتعالى فهو جل وعلا الغني عز وجل الذي بيده خزائن السماوات والأرض. وقد ذكر الله عز وجل في القرآن الكريم أنواعًا من هباته، وذكر توجه أنبيائه والصالحين من عباده إليه في طلبها ونيلها، كمن سأل الله جل وعلا أن يهب له الولد بعد كبر السن وكذلك حصول العقر عن الولادة، فوهبهم الله جل وعلا ذلك: زكريا عليه السلام. وهكذا سؤال سليمان لربه جل وعلا أن يهبه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فآتاه الله جل وعلا ذلك الملك. وهكذا غير ذلك مما سأل العباد ربهم جل وعلا أن يهبه لهم. قالوا: هذه الهبات المتنوعة بيده سبحانه، فهو المالك لهذا الكون المتصرف فيه سبحانه كما شاء. قال تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾. فالخلق خلقه، والملك ملكه سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا قد يهب لمن يشاء إناثًا فيجعل ذريته الإناث ولا يرزق بشيء من الذكور، وقد يهب لمن يشاء ذكورًا فتكون ذريته الذكور ولا يرزق بشيء من الإناث، أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا يعني يقسم لهم في الذرية ذكورًا وإناثًا، ويجعل من يشاء عقيما أي لا يولد له. وهذه حكمة الله سبحانه وتعالى، وبيان كمال حكمته وكمال قدرته جل وعلا. فالمسلم يسأل الله جل وعلا ويتوسل إليه بهذا الدعاء أو بهذا الاسم "الوهاب"، فيقول: يا وهاب، هب لي كذا وكذا، هب لي رزقًا، هب لي ولدًا، هب لي علمًا، هب لي فقهًا، هب لي فهمًا. كما قال الله جل وعلا في مدح عباد الرحمن: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾. فهم سألوا الوهاب أن يهب لهم من أزواجهم وذريتهم أن يكونوا قرة أعين في صلاح استقامتهم وفي طاعتهم لله سبحانه وتعالى. فهكذا المسلم يسأل الوهاب ما يطلب من الهبات وما يطلب من العطايا والمنن. فهو جل وعلا الوهاب سبحانه وتعالى. فاللهم لك الحمد شكرًا، ولك المِنّ فضلًا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والله تعالى أعلم.