الدرس في الاقبال على الله 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل خطة الشيطان لإغواء الإنسان كما ورد في القرآن الكريم، حيث يحاول الشيطان أن يقعد لابن آدم في طريقه إلى الله عز وجل ويزين له الأعمال السيئة. يبدأ الشيطان محاربته لآدم عليه السلام في الجنة ويوسوس له حتى يأكل من الشجرة المحرمة.
يشرح هذا الفصل كيف يزين الشيطان المعاصي والبدع للإنسان، مما يؤدي إلى إغوائه وفعله للمعاصي دون ندم. كما يبين أن الشيطان يستخدم طرقًا مختلفة لتزيين الأعمال السيئة، ويذكر أن المؤمن يختلف عن غيره في أنه يتوب ويستغفر عند فعل المعصية.
يختتم هذا الفصل الدرس بما تم ذكره ويشير إلى درس قادم سيتناول ما فعله الشيطان ببني آدم، ويطلب التيسير من الله عز وجل. كما يلخص ما سبق من دروس حول خطة الشيطان لإغواء بني آدم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أخذنا بالعمس شيئا مما يكون تعريفا بالشيطان، وبخلقه، وبداية الأمر أيضا ما حصل، وبداية عداوته، وقلنا اليوم إن شاء الله نأخذ هذه الخطة التي رسمها الشيطان لأجل معاداته ومحاربته لبني آدم. فمعلوم أن ربنا جل وعلا ذكر عن الشيطان أنه ذكر خطة يعاد بها الإنسان، وحلف بعزة الله: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾، وقال أيضا: ﴿ولأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾. فهذه الخطة التي وضعها الشيطان أنه أولا سيقعد على طريق بني آدم، أنه سيقطع طريق بني آدم بشتى الوسائل، فإذا أراد الإنسان المسلم الذي هو مقبل على الله أراد أن يمشي إلى الله عز وجل، سيقعد في طريقه. لهذا جاء في الحديث الذي عند أحمد والنسائي «أن الشيطان قال للنبي عليه الصلاة والسلام: أن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه»، أو قال: «يقعد الشيطان لابن آدم في طرقه». فلما أراد أن يسلم، قال: «تسلم وتدع دين آبائك؟» قال: «فعصاه فأسلم». ثم قعد له في الهجرة، فقال له: «أتهاجر وتدع بلدك ووطنك الذي خلقت فيه؟» قال: «فعصاه فهاجر». ثم يأتيه في الجهاد، فيقول: «أتتلف نفسك ومالك وتتزوج أو وتنكح زوجتك ويأخذ ميراثك؟» قال: «فعصاه فجاهد». فهذا الحديث دلنا على الخطة التي وضعها هذا الشيطان الرجيم، أنه يقعد لابن آدم في طرقه، معنى الطريقة التي ستوصله إلى الله، الشيطان قاعد فيها. بل ليس كذلك فقط، بل أنه يحاول أنه يمنع ابن آدم من المروق من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، على أنه سيحيط ببني آدم، يأتيه من هنا ويأتيه من هنا ويأتيه من هنا. وقد ذكر له طريقان هي التي تجعل هذا ابن آدم يذهب عن هذه الطريق ويضل، وهو التزين والإغواء: ﴿ولأزينن لهم ولأغوينهم أجمعين﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل﴾. فإذا كانوا في الطريق، لكن زين لهم أعمالهم وأعمالهم السيئة الباطلة، زينها لهم، زين لهم أن هذا العمل هو الحق، وأن هذه الطريق هي الحق، سواء كان عن طريقة المجموعات أو الأفراد. كذلك أيضا زين لهم المعاصي، زين لهم البدع، فزين السوء، بل أنه يزين الشرك وأنه هو دين الله، وهؤلاء عباد الله لابد أننا نكرمهم ونفعل ونفعل. ﴿فزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل﴾. فإذا حصل التزين حصل بعد ذلك الإغواء. وأيضا ذكر أنه سيمنيهم، يعيدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، يعطيهم أماني ويعطيهم أشياء وأوامر، بعد ذلك هذا إذا تسلط عليهم، إذا تسلط عليهم صار يأمرهم وينهاهم، كما قال الله عز وجل عن الشيطان لعنه الله: ﴿وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا﴾. فبعد أن أخذ نصيبا من عباد الله عز وجل، فإنه سيطر عليهم، فكان يأمرهم وينهاهم، فلهذا فهذه خطته تزيين وإغواء، تزيين وإغواء. ويأتي هذا التزيين على أشكال، يأتي بطريق الوسوسة، ويأتي بطريق الهمز الخنق، ويأتي أيضا بطريق الهمزات كما ذكر الله عز وجل، وهي الأشياء التي وضعها في قلب بني آدم، وغيرها من الطرق التي يسلكها الشيطان لأجل إغواء بني آدم وتزيين له أعماله. لأنه إذا زين له عمله، فإنه لا يلتفت بعد ذلك إلى شيء. أما إذا كان مثلا يكره هذا العمل، وأيضا يجد أن هذا العمل قبيح الذي يفعله، فإنه سيرجع إلى الله ويتوب إلى الله عز وجل. لهذا المؤمن وإن حصل له إغواء من الشيطان رجع واستغفر، رجع واستغفر وتاب. ولهذا الله عز وجل ذكر أهل الإيمان، وذكر من صفاتهم: ﴿وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. فلهذا الذي يستولي عليه الشيطان، تجد أنه يعمل العمل وهو هذا العمل مزين في قلبه، فأصبح هذا العمل عنده لا شيء، هذا سهل عليه. تجد الآن الإنسان المؤمن الذي عنده إيمان قوي، يستغرب كيف هؤلاء أهل المعاصي يتجرؤون على المعاصي، يتجرؤون على المعاصي الكبيرة من الزنا ومن غيره. لكن تجد مثلا لو ضل المؤمن أو ضل هذا الشخص، تجد أنه أيضا لا يبالي بالمعاصي الذي يأتي بها. وهذا كله من تزيين الشيطان، فيزين لهم المعصية ويزخرفها لهم حتى يحبها القلب، ثم يفعل ما يشاء من هذه المعاصي. فلهذا كانت خطة هذا اللعين بهذه الخطة، أنه يقف في كل طرق بني آدم التي توصله إلى الله، ثم يجعل هذا العمر محاربة يحارب بني آدم، فيأتيه من كل الطرق ويأتيه من كل الاتجاهات حتى يأسه من هذه الطريق. ثم بعد ذلك أيضا يزين له ما يعطيه من الأعمال وغيرها. لكن القوي الذي قوي بإيمان لا يلتفت إلى هذا، ولا أيضا يضره كيد الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفا. ولهذا جاء الاستثناء بعد ذلك في كلامه، كلام الشيطان: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾. وأيضا جاء في كلام الله عز وجل: ﴿إلا عبادي منهم المخلصون﴾. فلهذا ربنا جل وعلا أعطى الشيطان هذه القدرة في خلق هذه الأمور، وفي أيضا الغواية، ابتلاء لبني آدم، ابتلاء لبني آدم. فبدأ الشيطان أول محاربته لآدم، لأبينا آدم عليه السلام، وأول محاربته عندما دخل الجنة، أدخله الله عز وجل الجنة وهي جنة الخلد على الصحيح، كما قال إمام القيم: هي جنة الخلد، وهذا يدل على أنها مخلوقة أنها قد خلقت. فأدخل الله عز وجل آدم جنة الخلد، وجاءه الشيطان. لكن قالوا: كيف دخل الشيطان الجنة؟ ما الذي أدخله؟ هل أذن الله عز وجل له؟ فجاءت قصص كثيرة أن الحية هي التي أدخلته في جوفها، ومنهم من قال معنى جاءت آثار بهذا، لم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا تجد أكثر المفسرين لما قال الله عز وجل: ﴿اهبطوا منها جميعا﴾، تجد كثيرا من المفسرين يقول: آدم وحواء والشيطان والحية، يذكرون الحية معهم. لكن هذا لم يأت بشيء يتمسك به عن النبي عليه الصلاة والسلام، لأن هذه أمور غيب تحتاج إلى وحي من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. فلهذا نقول: كيف دخل؟ ممكن أن الله عز وجل قد أذن له الدخول لأنه كان يعيش مع الملائكة، فدخل لأجل أن يغوي بني آدم. فلهذا أول محاربة لبني آدم عندما دخل آدم الجنة مع زوجته، وأكل من ثمار الجنة، فالله عز وجل حذرهم أن يأكلوا من هذه الشجرة، فجاء ووسوس لهم حتى يأكلوا من هذه الشجرة، كما جاء ذلك في كتاب الله جل وعلا. فهذا كما قلنا خطة هذا الشيطان الرجيم على بني آدم، وأنه توعد أنه سيغوي بني آدم جميعا إلا عباد الله عز وجل المخلصين. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر، وإن شاء الله تعالى في درس اللاحق نذكر ما أيضا ما يبين ما كاد الشيطان به بني آدم. فنسأل الله عز وجل التيسير. الحمد لله رب العالمين.