شرح الشمائل المحمدية 47

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 47، تابع : باب ما جاء في صفة شراب رسول الله صلى الله عليه وسلم . باب ما جاء في صفة شرْب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

آداب شرب النبي صلى الله عليه وسلم وأنواع شرابه

يتناول المقطع صفة شراب النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته للحلو البارد واللبن، مع بيان هديه في الشرب قاعدًا والنهي عن الشرب قائمًا. كما يذكر آداب السقاية وتقديم الأيمن فالأيمن في الشرب.

أقوال العلماء في الجمع بين أحاديث النهي عن الشرب قائماً وفعل النبي

استعرض المقطع خلاف العلماء في الشرب قائماً بين ناسخ ومنسوخ وكراهة تنزيه، مع ذكر أحاديث شرب النبي من زمزم واقفاً. رجح المحققون حمل النهي على كراهة التنزيه لا التحريم وأن فعله صلى الله عليه وسلم بيان للجواز.

توضيح علي رضي الله عنه لحكم الشرب قائماً وآداب الإنكار

يستعرض المقطع حديث علي بن أبي طالب في شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائماً لبيان الجواز وردع من يظنون التحريم. ويستفيد ابن حجر وجوب بيان العالم للحق وآداب الإنكار بالكنية دون تشهير.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الباب المتقدم، باب ما جاء في صفة شراب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذنا في هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها: «كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد»، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه البداءة باليمين وفضل اليمين. وبقي من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وقال: ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن»، والحديث حسن. وأخذ العلماء من هذا أن اللبن كما كان صلى الله عليه وسلم تارة يشربه خالصًا وتارة يشربه مشوبًا وممزوجًا بالماء، وفي هذا أيضًا فوائد وغذاء للأبدان ودواء كذلك. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وكان يشرب اللبن خالصًا تارة ومشوبًا بالماء أخرى، وفي شرب اللبن الحلو في تلك البلاد الحارة خالصًا ومشوبًا نفع عظيم في حفظ الصحة وترطيب البدن وري الكبد، ولا سيما اللبن الذي ترعى دوابه الشيحة والقيصومة والخزامة» - يعني هذه أسماء أشجار وما أشبهها - «إذا كانت ترعى سواء كانت غنمًا أو إبلًا ترعى، فإن لبنها يكون طيبًا ونافعًا». قال: «فإن لبنها غذاء مع الأغذية، وشراب مع الأشربة، ودواء مع الأدوية». ولكن في هذا الزمان لقلة الأمطار، وأيضًا شغل الناس عن هذا الأمر، استعاضوا عنه بالحليب، حليب العلب، ومن حليب الأبقار وهو مصنع، لكن ليس فيه نفع مثل ما يكون طازجًا من الإبل النوق، وكذلك من الغنم، فهذا هو الأفضل وهو الأنفع أيضًا للبدن، والله المستعان. هذا خلاصة ما جاء في هذا الباب: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعجبه من الشراب الحلو البارد، وكان أيضًا عليه الصلاة والسلام يشرب اللبن تارة خالصًا وتارة مشوبًا بالماء، أن يضع له ما يخففه أو يبرده بذلك الماء. هذا ما جاء في شراب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقلنا: إن البداءة باليمين في حديث ابن عباس عند الجمهور أنه مستحب، وعند ابن حزم الوجوب، يعني قال بوجوب البدء باليمين ابن حزم، وهو الأظهر والله أعلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه لابن عباس وأعطاه للأعرابي، وكانا عن يمينه، ولم يعطه أبا بكر مع فضله وسابقته وشرفه، وإنما أعطاه من على يمينه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كبر كبر». وهذا لا يعارض حديث «الأيمن فالأيمن» أو «الأيمنون في الأيمنون»، لا يعارضه كما قال أهل العلم. التكبير يعني في المجلس عندما يكون هناك رجل كبير السن، كبير السن يعطى إذا لم يكن... إذا كان عن الأيمن، ويعطى إذا كذلك كان مثلًا كل الجالسين بين يدي ذلك الشخص، يعني ليس أحدهم عن يمينه، أو أن يكونوا جميعًا عن يساره أو من خلفه، كما قال الحافظ رحمه الله تعالى. وبهذا تتجه الأحاديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كبر كبر»، وقال في الشرب: «يعطى الأكبر، يعطى الأكبر». فمتى يعطى الأكبر؟ يعطى الأكبر إذا لم يكن عن الساقي أحد عن يمينه، وإلا فإن أبا بكر وهو الأكبر كان في المجلس، لكن كان عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أعرابي عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاه الأعرابي. وهكذا أيضًا في حديث ابن عباس، كان ابن عباس عن اليمين، وكان الأشياخ عن اليسار، فلم يعطيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أعطى ابن عباس مع أنهم أكبر منه سنًا. لكن إن كانوا مع بعض جميعًا بين يدي الساقي، فإن هنا يبدأ بالأكبر، ويكون الأكبر هو الأولى لكبر سنه، وأيضًا لاحترام ذلك الكبير. قال الترمذي رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم»، يعني كيف كان عليه الصلاة والسلام يشرب؟ يشرب عليه الصلاة والسلام قاعدًا وهو الأكثر وهو هديه، وأيضًا جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه شرب قائمًا كما سيذكره الترمذي رحمه الله تعالى في هذا الباب، وذكره مجموعة من الأحاديث. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «وكان من هديه الشرب قاعدًا، وكان من هديه الشرب قاعدًا» - هذا كان هديه المعتاد، هذا كان هديه المعتاد - «وصح عنه أنه نهى عن الشرب قائمًا، وصح عنه أنه أمر الذي شرب قائمًا أن يستقي»، وهذا حديث حسن: «أنه شرب معه الهر، قال: تدري من شرب معك؟ شرب معك من هو شر من الهر، أو قال: تحب أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: فقد شرب معك من هو شر منه، شرب معك الشيطان». قال: «وصح عنه أنه أمر الذي شرب قائمًا أن يستقي، وصح عنه أنه شرب قائمًا». قال الطائفة: «هذا ناسخ للنهي»، لنهي صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائمًا، يعني أحاديث الشرب قائمًا. وقال الطائفة: «بل مبين أن النهي ليس للتحريم بل للإرشاد وترك الأولى». وقال الطائفة: «لا تعارض بينهما أصلًا، فإنه إنما شرب قائمًا للحاجة، فإنه جاء إلى زمزم وهم يستقون منها، فاستقى فناولوه الدلو فشرب وهو قائم، وهذا كان موضع حاجة». انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى من الزاد. إذن ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يشرب قاعدًا، هذا هديه المعتاد، ونهى أيضًا عن الشرب قائمًا، وهناك حديث صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر ذلك الذي شرب قائمًا أن يستقي، ولكنه عليه الصلاة والسلام شرب قائمًا. فهل هناك تعارض؟ لا ليس هناك تعارض، العلماء سلكوا في ذلك مسالك، سنذكرها إن شاء الله تعالى. قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع، وهو ثقة حافظ، قال: حدثنا هشيم، وهو ثقة ثبت، قال: أنبأنا عاصم الأحول، وهو ثقة، ومغيرة، وهو ثقة متقن، عن الشعبي، واسمه عامر بن شراحيل، ثقة فقيه فاضل، وكان من العلماء الفقهاء، عامر بن شراحيل الشعبي. قال: «ما كتبت سوداء على بيضاء»، معنى كلامه أنه ما كان يكتب، بل كان يحفظ، كان يحفظ من أول مرة، رحمه الله تعالى، حتى يقول: «أنني إذا سمعت الحديث مرة واحدة وددت أنه لم يعد علي، وددت أنهم لم يعد علي». فعامر الشعبي كان من الفقهاء، وعمر كثيرًا، عمر نحو تسعين سنة، وكان مولده على اختلاف: قيل سنة تسع عشرة، وقيل سنة عشرين للهجرة، ولد في بعد خلافة عمر، فهو لم يسمع من عمر رضي الله تعالى عنه، وسمع من نحو ثمانية وأربعين صحابيًا، وقيل أنه أدرك خمسمائة من الصحابة. ولكن زلت قدمه في وقت الحجاج، في وقت الحجاج حيث خرج مع من خرج، والحجاج كان معروفًا في ذلك الوقت أن من خرج عليه يقتله. وكان الشعبي رحمه الله تعالى خرج مع المختار بن أبي عبيد الثقفي، وذهبوا إلى مكان وهربوا من الحجاج. الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى لما ذكر ترجمة الشعبي قال: «لهذه زلة عالم، هذه زلة عالم، فليس أحد بمعصوم». زلة عالم لأنه خرج على ولي الأمر في بلده، ولم يستسغ ذلك العلماء منه، وربما كان له عذر في ذلك يراه هو رحمه الله تعالى، لكن ذلك لا ينقص من قدره، عامر بن شراحيل الشعبي لا ينقص من قدره، وأنه من العلماء الكبار ومن الفقهاء، ومذكور كثيرًا في كتب الفقه، رحمه الله، وأنه حافظ أيضًا من الحفاظ الكبار الذين يؤخذ عنهم العلم النافع. وقال رحمه الله تعالى: عن الشعبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من زمزم وهو قائم. عليه الصلاة والسلام شرب من زمزم وهو قائم. هذا الحديث في ظاهره أنه يبين أنه... يبين جواز الشرب قائمًا، جواز الشرب قائم، يعني هل يشرب الإنسان قائمًا؟ يجوز لهذا الحديث. لكن بعضهم علل هذا الحديث وقال: إنما شرب من زمزم وهو قائم لحاجة، يعني لأنه هناك زحام كي شديد للناس، فما استطاع أن يشرب قاعدًا. وقال بعضهم: أنه كان على بعيره، وأنه كان على بعيره. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وسلك العلماء في ذلك مسالك، يعني حديث الجواز من فعله صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام نهى عن الشرب قائمًا من قوله، والنهي الأصل أنه لماذا؟ للتحريم. فكيف؟ هل هناك تعارض؟ العلماء سلكوا في ذلك مسالك في توجيه فعله مع نهيه صلى الله عليه وسلم. أحد هذه المسالك التي ذكرها الحافظ رحمه الله: الترجيح، وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم من أصحاب أحمد رحمه الله. هذه الطريقة سلكها بعض المحدثين، يقولون: أحاديث الجواز أثبت؛ لأنه فعل ورآه كثير من الناس وهو قائم يشرب أمام أعينهم، فتكون أثبت من أحاديث النهي. والمسلك الثاني الذي سلكه العلماء في هذا: دعوى النسخ، وإليها جنح ابن شاهين والأثرم، فقررا على أن أحاديث النهي على تقدير ثبوتها منسوخة بأحاديث الجواز، بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز، حتى قال أنس رضي الله تعالى عنه، أو ابن عمر، أحدهما يقول: «كنا نشرب ونحن وقوفًا، كنا نشرب ونحن وقوفًا، ونأكل ونحن نمشي»، يأكلون وهم يمشون، ويشربون وهم واقفون. يعني بعض الصحابة فعل هذا، ولا شك أنه ماذا؟ إما أخذه من فعل النبي عليه الصلاة والسلام في الشرب قائمًا، في الشرب قائمًا. فعلى هذا معظم الصحابة والتابعين قالوا بماذا؟ بالجواز. لكن النسخ لا يثبت كما يقول. وقد عكس ذلك ابن حزم، فادعى نسخ أحاديث النهي، أحاديث الجواز بأحاديث النهي. ابن حزم خالف العلماء، فقال العكس. أولئك قالوا: أحاديث الجواز ناسخة لأنها متأخرة على أحاديث النهي، على نقول على ماذا؟ على أنها إذا كانت صحيحة على ثبوتها، أما إذا لم تكن صحيحة فانتهى الأمر، لأن أحاديث الجواز أثبت وأقوى من أحاديث النهي، يكون فيه الصحيح وغيره. وابن حزم قال: أحاديث النهي هي الأثبت، ومنسوخة وناسخة لأحاديث الجواز، فيكون النهي للتحريم، فما يجوز أن تشرب قائمًا عند ابن حزم، ومحرم؛ لأن أحاديث النهي هي الأثبت عنده من أحاديث الجواز، وأنها ناسخة له. قال الحافظ متمسكًا بأن الجواز على وفق الأصل: قال: «الجواز هذا لما يشرب الإنسان هديًا على وفق العادة ووفق ماذا الأصل؟ لكن لما يجلس هذا ليس على وفق العادة ووفق ماذا الأصل؟ قال: وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع»، يعني يقول: كأن الشرع الآن جاء بنسخ هذه العادة، وهي أن الإنسان يشرب قائمًا، فعليه أن يشرب قاعدًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الشرب قائمًا، وهذا هو حكم الشرع. هذا كلام ابن حزم. قال: «فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال». إذن هناك خلاف بين ابن حزم وجماعة من العلماء. المسلك الثالث الذي سلكه العلماء في الأحاديث، أحاديث ماذا؟ الشرب قائمًا، وأحاديث ماذا؟ الشرب قاعدًا. قال: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل. قال بعضهم: بدل ما نقول هذا منسوخ أو هذه أحاديث ضعيفة، نقول: نجمع بين الأمرين، نجمع بين الخبرين. عندنا أحاديث فيها نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائمًا، وعندنا أحاديث فيها تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا، وكذلك فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. قال: فسلك آخرون في الجمع حمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وهذا الذي قاله النووي رحمه الله تعالى كما في شرحه لمسلم. يقول النووي: «أن النهي للتنزيه، ما هو للتحريم». ليش للتنزيه؟ قال: «لأن جاءت أحاديث تبين الجواز من فعله صلى الله عليه وسلم». فإذا جاءت أحاديث تبين أنه شرب قائمًا، فمعنى أن الأفضل أن تشرب قاعدًا، وأنك إن شربت قائمًا فهذا مكروه كراهة تنزيه، وليس بحرام، وليس بحرام. هذا جمع بين الأحاديث، ما نقول أن أحاديث النهي منسوخة، ولا نقول أن أحاديث النهي ضعيفة، نقول: هي ثابتة وهي باقية، لكن نقول: أن من شرب قائمًا فهذا مكروه كراهة تنزيه، كراهة ماذا؟ تنزيه، وأن من شرب قاعدًا فهو على ماذا؟ على السنة، ويثاب على ذلك. قال: «وأحاديث الجواز على بيانه»، وهي طريقة الخطاب وابن بطال في آخرين، وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها عن الاعتراض. إذن الحافظ كأنه ماذا؟ يميل إلى هذا القول، وهو يقول: ماذا؟ كراهة التنزيه، وقد قال به النووي، رحم الله دم، طريقة المحدثين مثل الخطاب وابن بطال، هؤلاء قالوا: ماذا يقولون؟ أن الشرب قائمًا مكروه كراهة تنزيه. ولهذا قال ابن أبي جمرة: «إذا ما شربت فاجلس تفز بسنة صفوة أهل الحجاز، وقد بيّنوا شربه قائمًا وذلك لبيان الجواز». يعني: إذا ما شربت فاجلس تفز بالسنة، وإذا ما شربت قائمًا فقد جاءت الأحاديث فيها بجواز ماذا؟ الشرب قائمًا. يعني بيّنها العلماء. وقال الحافظ أيضًا: «وقيل إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطب». بعضهم قال: لماذا مكروه كراهة التنزيه؟ مكروه أن يشرب الإنسان وهو قائم؟ قال: من جهة الطب، ما هو من جهة الطب؟ قال: «مخافة وقوع ضرر به، فإن الشرب قاعدًا أمكن وأبعد من الشرق، لأن إذا شرب قائمًا فقد يشرب، وإذا شرب قاعدًا فلا يدخله شيء من الشرق، وحصول الوجع في الكبد أو الحلق، وكل ذلك قد لا يأمن منه من شرب قائمًا». إذن الشرب قاعدًا هو الأفضل وهو السنة، ومن شرب قائمًا فهو ماذا؟ جائز لكنه ليس بالأفضل وليس بالسنة؛ لأن عندنا حديث ماذا؟ فيها نهي، وأيضًا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما هو فعله المعتاد، فعله المعتاد هو أن يشرب عليه الصلاة والسلام قاعدًا، وإنما هذه الأحاديث جاءت لبيان الجواز. وإن رأيتها فستراها في أماكن ومواضع معدودة، كشربه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من زمزم، وهذا ماذا؟ وهذا قال بعض العلماء فيه: إنه إنما شرب ضرورة وحاجة، يعني ما استطاع أن يجلس، إما لزحام، وإما أنه ناول عليه الصلاة والسلام وهو بعيد، ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، وهو غندر، محمد بن جعفر ربيب شعبة، ولقب بغندر، ولقبه بذلك ابن جريج، قال: عن حسين المعلم، وهو حسين بن ذكوان، ووثقه، ربما وهم، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عمر بن شعيب صدوق، وأبوه شعيب صدوق كما قال الحافظ، لكن اختلف في جده: من هو جده؟ فقيل هو عبد الله بن عمر بن العاص، وهو صحابي، وقيل المراد بجده في الإسناد هو عمرو بن العاص. إذن على كلا القولين هما صحابيان، لا يضر ذلك، وأيضًا ثبت سماع شعيب من جده. لو قيل أن جده عمرو بن العاص، فسيكون الإسناد أن شعيب روى عن من؟ عن جده عمرو بن العاص، وليس عن أبيه عبد الله بن عمر بن العاص، فهو سمع من أبيه بلا شك، لكن الخلاف: هل سمع من جده عمرو بن العاص؟ إذا كان المراد في هذا الإسناد هو عمرو بن العاص، الجواب: نعم، أثبت سماعه جماعة من العلماء. قال: عن جده، سواء قلنا عبد الله بن عمر بن العاص وهو الأقرب، أو عمرو بن العاص، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائمًا وقاعدًا»، يشرب قائمًا وقاعدًا، فهذا ببيان جواز الشرب قائمًا، وأن السنة هي الشرب قاعدًا. قال: حدثنا علي بن حجر، وهو السعدي، قال: حدثنا بن المبارك، ما اسمه يا محمد؟ بن المبارك مشهور، عبد الله بن المبارك، ووثقه، ثبت، فقيه. انظروا الألقاب التي أعطاها أيها العلماء: ثقة، ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاهد، يستحقها ولا ما يستحقها؟ بن المبارك، آخر شيء قال: «جمعت فيه خصائل الخير»، هكذا قال الحافظ رحمه الله، يستحقها ولا ما يستحقها؟ عالم، فقيه، مجاهد، جواد، محدث، ثقة، ثبت، وقل ما شئت من ذلك من الألقاب. هذا من عبد الله بن المبارك، عالم خراسان ومفتيها، عالم خراسان ومفتيها، حتى قال القائل وقد ذكرناه لكم: «خلفت عرسي يوم السير باكية، يبنى المبارك تبكيني برناتي». يعني ذاك الذي ترك زوجته وأهله من أجل أن يرحل إلى ابن المبارك رحمه الله تعالى، لأنه عالم كبير، جمعت فيه خصال الخير، وكان ينفق على طلبة العلم، وكان يحج عامًا ويرابط عامًا، يعني سنة للحج والسنة الأخرى في الرباط في الثغور في سبيل الله، جمعت فيه خصال الخير. شيخنا مقبل رحمه الله تعالى يقول: «لم يسبقه أحد من الصحابة في الفضل إلا بماذا؟ بسبقيتهم مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». يعني جمعت فيه خصال الخير، كلمة جامعة: رجل مجاهد، رجل جواد، رجل ورع، رجل زاهد، حتى له كتاب اسمه الزهد، الزهد لابن المبارك، منفق... يعني جاء في العبادة، فهو من أقدمهم وأسبقهم في زمانه، رحمه الله تعالى. لكن الصحابة يفوقونه شرفًا، ولا يعادلهم أحد مهما أنفق الإنسان بعدهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم يكفيهم شرفًا أن الله سبحانه وتعالى قد رضي عنهم ورضوا عنه. قال: حدثنا بن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم، فشرب وهو قائم». وهذا استدل به على جواز الشرب للقائم، كما قال الحافظ رحمه الله تعالى، وأيضًا النبي... رحمه الله ذكر هذا في شرحه لمسلم، فقال: «اعلم أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالًا باطلة، والصواب فيها أن النهي فيها محمول على الكراهة، يعني ليس للتحريم، على كراهة التنزيه، وأما شربه صلى الله عليه وسلم قائمًا فبيان الجواز، فلا إشكال ولا تعارض، وهذا الذي ذكرناه يتعين المصير إليه، وأما من زعم نسخًا أو غيره، يعني كابن حزم وغيره من العلماء، فقد غلط غلطًا فاحشًا، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث؟ لو ثبت التاريخ، يعني لو ثبت أن هذا متقدم وهذا متأخر، أما ما عندنا ثبوت للتاريخ أن هذا الحديث متقدم على هذا الحديث، فطريقة العلماء المحدثين أنهم يوفقون ويجمعون بين الأحاديث، فلا تعارض بين أحاديث النهي وأحاديث ماذا؟ الجواز، وأن النهي محمول على كراهة التنزيه لما ذكر، إما من جهة الطب أو غير ذلك». قال: «وأن له بذلك والله أعلم». انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى من شرحه لمسلم. قال الترمذي رحمه الله: وحدثنا أبو كريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني، ثقة حافظ، قاله محمد بن طريف الكوفي، قالا: أنبأنا ابن الفضيل، واسمه محمد بن فضيل، وهو صدوق عارف، قال: عن الأعمش، ووثقه، حافظ. الأعمش لقب بالمصحف، قيل لصدقه، وقيل لأنه كان لا يغلط فيه الحديث، زي المصحف، كأنه مصحف بين يديه يقرأ منه، وكان أيضًا عالم بالقراءات، كان يقرأ عليه القرآن، فهو ليس محدثًا فقط، بل هو أيضًا من قراء القرآن في الكوفة، وهو عالم جليل. ومع فقره كان صبورًا، رحمه الله، وكان أبعد الناس عن التجار، وكذلك عن الأمراء، حتى قال بعضهم: «ما رأيت التجار والأمراء أحقر عند أحد كما رأيتهم عند الأعمش». يعني ما كان يبالي بهم، ولا يلقي لهم ماذا؟ شأنًا، وإنما كان العلم، علم الحديث، كان يحفظه رحمه الله تعالى في صدره، فكان هذا الأعمش من العلماء الذين يرحل إليهم، حتى كانوا يزدحمون على بيته، وكان رحمه الله فقيرًا ليس عنده شيء، وكان ماذا؟ صبورًا، حتى أن ابن معين كان يقدمه على الزهري، مع أن الزهري أيضًا كما تقدم في ترجمته أنه كان من العلماء الحفاظ، ومع ذلك يقدم الزهري... أي يقدم الأعمش على الزهري. ابن معين يقول: «برئت من الأعمش، من الأعمش، إن فضلت الزهري عليه، إن فضلت الزهري عليه». قال: الأعمش فقير صبور، والزهري يدخل ماذا؟ علاء مرى بني أمية، أو كما قال رحمه الله تعالى. ومن كثرة الازدحام على بابه وبيته، حتى أنه شغل رحمه الله تعالى، جعل له حارسًا، وحارس هذا كلب، يعني من أجل أنه إذا جاء ينبح هذا الكلب، ولا يستطيع أحد الدخول عليه. الأعمش ينبح وينبه الأعمش أن هناك من سيأتي إليه. وذات مرة مات هذا الكلب، فحزن عليه الأعمش، وقال: «مات الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر»، لأنه كان يمنع كثير من الناس يدخل إلى بيته. وأيضًا كان فيه دعابة، وقصصه كثيرة مذكورة في سيرة أعلام النبلاء في دعابته، رحمه الله تعالى، حتى تكاد لما تقرأ دعابة الأعمش مع أصحابه، مع المحدثين، يدخلك ماذا؟ شيء من الضحك، من أجل أنه رحمه الله تعالى كان ينفس عن أصحابه، وكان رحمه الله تعالى يحب المزاح كثيرًا. قال: عن عبد الملك بن ميسرة، عن الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، وهو الهلالي، ثقة، عن النزال بن ثبرة، ثقة أيضًا، وقيل له صحبة. قال: «أتي علي رضي الله عنه بكوز من ماء، وهو في الرحبة، فأخذ منه كفا فغسل يديه ومضمض واستنشق ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثم شرب منه وهو قائم، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث». هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل. والحديث أصله في البخاري، وفيه زيادة لم يذكرها الترمذي رحمه الله تعالى، وهي قول علي: «إن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت». إذن عندنا في هذا الباب الآن ثلاثة أحاديث: حديث ابن عباس، وحديث عبد الله بن عمر بن العاص، وحديث كذلك علي بن أبي طالب، وكلها في بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا، صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث أصله في البخاري، وفيه فوائد جمة، وإنما ذكره الترمذي من أجل هذه اللفظة، ما هي؟ وهي أن النبي عليه الصلاة والسلام شرب قائمًا، فطبقه علي أمام الناس، حيث رفع الكوز ليبين أن الشرب قائمًا ليس فقط ليكون لضرورة وحاجة، يعني كان يكون فيه ازدحام، أو ليس هناك مكان للجلوس مثلًا، يعني قد تجد في بعض الأماكن هذه الحنفيات ما يكون هناك مكان للجلوس بحيث تتصخ ثيابك أو نحو ذلك، ما تستطيع الجلوس. علي رضي الله تعالى عنه أراد أن يري الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا، وقال: «إن الناس يكرهون هذا الفعل». لماذا يكرهون هذا الفعل؟ وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت. أخذ الكوز وشرب أمامهم، الكوز هذا الصغير فيه الماء، قال: «فشرب وهو قائم، ثم قال: إن أناسًا...» يريد يبين أن هذا لا يصح أن تنكر أو تكره شيئًا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير الناس، شرب عليه الصلاة والسلام وهو قائم، قال: «صنع مثل ما صنعته». قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي حديث علي من الفوائد: أن على العالم إذا رأى الناس اجتنبوا شيئًا وهو يعلم جوازه أن يوضح لهم وجه الصواب فيه، خشية أن يطول الأمر فيظن تحريمه. لو لم يبين هؤلاء الصحابة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكروه، لربما أناس صاروا ماذا؟ على التحريم، وأن من شرب قائمًا قالوا له: حرام عليك تشرب قائمًا، وأنت قد ارتكبت ذنبًا عظيمًا. وعلي رضي الله عنه بين لهم فعله صلى الله عليه وسلم، وقال: «إن أناسًا يكرهون»، فلهذا يقول الحافظ: العالم لابد أن يبين ماذا للناس حتى ما يطول الأمر. قال: «وأنه متى خفي ذلك فعليه أن يبادر للإعلام بالحكم، ولو لم يسأل». ما سئل: عليك كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب؟ وإنما فعله ابتداء من أجل أن يعلم الناس. قال: «فإن سئل تأكد الأمر به، وأنه إذا كره من أحد شيئًا لا يشهره باسمه لغير غرض، بل يكني عنه، كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل في مثل ذلك». وهذا الأمر الذي قاله الحافظ أمر طيب، وهو أن الغالب على المنكر إذا كان هناك أناس، لا يشهرهم، ما يقول: فلان فعل كذا، وفلان فعل كذا، ويسميه باسمه، بل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه أنه يقول: «ما بال أقوام يصنعون كذا وكذا»، مع علمه صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الأقوام، فما كان يقول: فلان فعل كذا وكذا، ويشهره أمام الناس، من على المنابر. فإذا هجه عليه الصلاة والسلام عدم الإشهار، فكيف إذا كان هذا من له حقوق على الرعية، مثل ولي الأمر، فيشهرونه من على منابرهم؟ والله المستعان. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وتوب... استغفرك وتوب... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.