شرح الشمائل المحمدية 63

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 63، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

شرح حديث أم زرع وتشبيه النبي ﷺ بأبي زرع

يواصل الشيخ شرح حديث أم زرع من الشمائل المحمدية، مستعرضًا قصة طلاق أبي زرع لها وزواجها بآخر أغناها لكنها تحسرت على نعيمها مع أبي زرع، فقال لها النبي ﷺ: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع"، مشبهًا حسن عشرته لها في الدين بحسن عشرة أبي زرع لأم زرع في الدنيا، ومستدلًا بذلك على فضل عائشة رضي الله عنها وحسن معاشرة الأهل.

فوائد وأحكام مستنبطة من حديث أم زرع (القسم الأول)

يستعرض المقطع إحدى عشرة فائدة فقهية وتربوية مستخلصة من الحديث، منها: جواز المزاح والمداعبة بين الزوجين ما لم تفضِ إلى مفسدة، ومنع الفخر بالمال والحث على ذكر فضائل الدين، ووجوب شكر المرأة لإحسان زوجها وإظهاره لأهلها، وجواز إكرام الرجل بعض زوجاته بحضور الأخريات بشرط عدم الجور، والاعتبار بأحوال الأمم السابقة، ووجوب الوفاء للزوج وقصر الطرف عليه، وجواز وصف الزوجة لزوجها بالسوء عند الحاجة كالمشكلة أمام الحاكم، والنهي عن إفشاء أسرار الزوج أو عيوبه لغير ضرورة، وكراهة نكاح ذات الزوج السابق مخافة المقارنة، وأن الحب يستر الإساءة، وجواز وصف النساء المجهولات بمحاسنهن دون المعينات.

فوائد فقهية واجتماعية من حديث أم زرع (القسم الثاني)

يواصل الشيخ ذكر إحدى عشرة فائدة إضافية من الحديث، منها: النهي عن وصف المرأة محاسن غيرها لزوجها، وأن التشبيه لا يستلزم المساواة من كل وجه، وأن الطلاق لا يقع باللفظ دون النية، والاعتراض على التأسي بغير النبي ﷺ، وجواز قول "بأبي وأمي"، وآداب المدح في الوجه، وضعف دعاء "بالرفاء والبنين"، واختلاف أحاديث النساء عن الرجال في السياق، وجواز السجع غير المتكلف في الكلام.

خاتمة شرح حديث أبي زرع وأم زرع

يختتم الشارح شرح حديث أبي زرع مع أم زرع مؤكدًا على جواز السجع في الكلام إذا لم يكن متكلفًا، ويختم المجلس بالدعاء المعتاد: "سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخذنا في الدرس الماضي في كتاب الشمائل للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، في باب ما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمر، حديث عائشة وهو قولها: «جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدنا وتعاقدنا أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا». وذكرنا هذه الأقوال في هذا الحديث، وذكرناه بتمامه، وبقيت منه فقرة وهي قول أم زرع: «خرج أبو زرع والأوطاب تمخضوا» أو «تمخضوا»، والمراد بأسقية اللبن والزبد، يعني: وكانت الأمور عندهم في أحسن ما يكون. ولما خرج أبو زرع لقي امرأة ومعها ولدان لها كالفهدين، تشبههما بالفهدين، أنهما ولدان صغيران، وكان يلعبان من تحت خصرها، وهذا محل الولدين دائمًا، أو الولد يكون عند أمه ما بين نحرها وخصرها. لكن قال: «برمانتين»، فشراحوا الحديث اختلفوا في المراد بالرمانتين. فمن العلماء من فسر الرمانتين بأنهما كناية عن كبر أليتيها، وأنها إذا استلقت فإنه يكون هناك فجوة ما بين عجزها وظهرها حتى كأنه تمر الرمانة من تحتها. والمراد بالرمانة هنا الرمانة الحقيقية وهي الفاكهة المعروفة، أنهما كان يلعبان برمانتين، والرمان يتدحرج حتى يمر من تحت خصرها وهي مستلقية على ظهرها. هكذا فسره بعض العلماء. وبعضهم قال: إن المراد بالرمانتين كناية عن الثديين، كناية عن الثديين، وكنا بهما لصغر سن هذه المرأة مع أن معها ولدين، ولكن أيضًا هي صغيرة في السن. فأعجب بها أبو زرع، أعجب بهذه المرأة، فطلق أم زرع ونكح تلك المرأة. ولكن أم زرع كذلك لم تبقى مطلقة، وإنما تزوجت بعده برجل آخر. وهذا الرجل الآخر أيضًا هو عنده مال وغني، لكنه قال لها: «كلي وميري أهلك»، يعني: أطعمي أهلك، وخذِي ما شئتِ من الطعام. ولكن مع ذلك كله، المرأة أم زرع لم تنسَ أبا زرع، وما كانت فيه من النعمة عند أبي زرع، وما الحب إلا للحبيب الأول. هكذا قال أهل العلم: «وما الحب إلا للحبيب الأول». جعلت تذكر أيام أبي زرع، قالت: «هذا كله مع ما فيها من النعمة، والرجل الثاني ما قصر معها في شيء، هي مرتاحة وعندها مال وفير، بل قال: لا، خذي لأهلك». لكن تتذكر أيام أبي زرع وما كانت فيه من النعمة، قالت: «كل ما عطاها ما جاء مثل أصغر آنية أبي زرع». يعني: كل هذه الأموال التي عندها، ومع ذلك تقول: كل أمواله ما جاءت مثل أصغر آنية أبي زرع. وهذا كناية على أنها كانت تتألم وتتحسر على تلك الأيام الجميلة التي عاشتها مع زوجها الأول. تقول أم زرع: «فلو جمعت كل شيء أعطانيه» -أي زوجها الثاني- «ما بلغ أصغر آنية أبي زرع». فكان أبو زرع هو المقدم عند هذه المرأة، وهي أم زرع، لما أغدق عليها من الأموال والنعم الوفيرة، والراحة التي عاشتها معه، فلم يكدر لها أحد بالها ولا حالها. قالت عائشة: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع». يعني: النبي عليه الصلاة والسلام يقول لها: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع». أبو زرع لأم زرع في ماذا كان لها؟ في الدنيا، يعني في الأمور الدنيوية. والنبي عليه الصلاة والسلام في الأمور الأخروية الدينية، يعني: ما أحد أفضل منه عليه الصلاة والسلام في تعليم الأمة، وأيضًا هو عليه الصلاة والسلام رؤوف رحيم كما وصفه الله عز وجل، وهو كذلك يعين أهله ويقوم في خدمتهم، يخصف نعله، ويحلب شاته، ويفلي ثوبه، يعني: يصلح ثوبه عليه الصلاة والسلام، ويكون في خدمة أهله. وما أعطاه الله عز وجل لا يقصر عليه الصلاة والسلام مع أهله، لكن النفع الحقيقي هو النفع الأخروي، هو النفع الديني. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كنت لك كأبي زرع» من باب التشبيه، من باب التشبيه. والله، هو عليه الصلاة والسلام أفضل من أبي زرع وأمثال أبي زرع، إذ لا يدانيه ولا يضاهيه أحد من خلق الله جل وعلا. فهو عليه الصلاة والسلام قد أوتي من الصفات العظيمة والجليلة في مقام النبوة، وكذلك البشرية، مختصه الله سبحانه وتعالى به: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. تكفي شهادة ربنا سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام أنه على خلق عظيم، وكان خلقه القرآن العظيم. «فكنت لك كأبي زرع لأم زرع»: هو أعطاها من نعم الدنيا ما أتاه الله سبحانه وتعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام أعطاها من النفع الأخروي ما آتاه الله سبحانه وتعالى من هذا الدين العظيم، فعلم عائشة، فكانت عائشة أعلم النساء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل كبار الصحابة كانوا يأتون يسألونها عن أمور النبي عليه الصلاة والسلام. ففضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، كما قال صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث فوائد ذكرها الحافظ رحمه الله تعالى، وهي قرابة عشرين فائدة، نذكرها على اختصار إن شاء الله: الأول: فيه حسن عشرة المرء أهله بالتأنيس والمحادثة بالأمور المباحة، ما لم يفضِ ذلك إلى ما يمنع. وهذا ظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم واستماعه أيضًا لعائشة حتى أكملت الحديث. وهكذا الرجل مع أهله يؤانسهم ويجلس معهم ويستمع لهم الحديث. الثاني: فيه المزح أحيانًا وبسط النفس به، ومداعبة الرجل أهله وإعلامه بمحبته لها، ما لم يؤدِّ ذلك إلى مفسدة تترتب على ذلك من تجنيها عليه وإعراضها عنهم. أيضًا مأخوذ من هذا الحديث: المزح أحيانًا وبسط النفس، ومداعبة الرجل مع أهله، ويعلمهم أنه يحبهم، ما لم يؤدِّ إلى مفسدة. يعني: المزاح أو المداعبة، ما هي المفسدة؟ أن تتجبر وتتكبر المرأة على ذلك الرجل وتجني عليه. الثالث: فيه منع الفخر بالمال، وبيان ذكر الفضل بأمور الدين، وإخبار الرجل أهله بصورة حاله معهم وتذكيرهم بذلك. يقول لها: هي تتذكر هذه حال النسوة وتخبر النبي عليه الصلاة والسلام، يقول لها: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع». في ماذا؟ في أمور الدين، حتى تتذكر الفضل بعد الله سبحانه وتعالى أن يكون للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا بأس أن الرجل يخبر أهله بحاله معهم وما أتاه الله عز وجل من الفضل وما أنعم به أو بها بذلك الرجل. الرابع: فيه ذكر المرأة إحسان زوجها أيضًا. في هذا أن أم زرع ذكرت إحسان زوجها، والمرأة كذلك لا تخفي إحسان زوجها، بل عليها أن تظهر إحسان زوجها لذويها خاصة من أبيها وأمها وإخوتها وعشيرتها، تظهره لهم، وهذا من باب إحسان العشرة أيضًا للزوج. الخامس: فيه كرام الرجل بعض نسائه بحضور ضرائرها بما يخصها به من قول أو فعل، ومحله عند السلامة من الميل المفضي إلى الجور. يعني: النبي عليه الصلاة والسلام جلس يستمع لحديث عائشة، مع أنه كما قال بعض العلماء أنه لم يكن في ليلة عائشة، وإنما هذا من باب إكرام عليه الصلاة والسلام بعض نسائه. ومحله أن لا يكون هناك ضرر على الزوجات الأخريات إذا كن له زوجات، وأن لا يجور في ذلك. السادس: فيه جواز تحدث الرجل مع زوجته في غير نوبتها، وهذا في هذا الحديث. السابع: فيه الحديث عن الأمم الخالية وضرب الأمثال بهم اعتبارًا. فهذا الحديث فيه ضرب الأمثال، فكل امرأة حكت عن زوجها ما كان يصنع معها أو من صفته في بيته. الثامن: فيه حض النساء على الوفاء لبعولتهن وقصر الطرف عليهم، والشكر لجميلهم. وهذا واجب على المرأة، تشكر جميلة وصنيعة زوجها، وإلا كانت ناكرة وكافرة بالنعمة. والنبي عليه الصلاة والسلام حذر النساء من كفران العشير، وقال: «رأيتكن أكثر أهل النار». فقالت امرأة: «وماذاك يا رسول الله؟» قال: «تكثرن اللعن وتكفرن العشير». العشير هو الزوج. فالمرأة تشكر لزوجها الجميل والمعروف الذي يصنعه معها، وأن تغض الطرف عن جميع الرجال، بل تذكر محاسن زوجها وأنه هو الرجل الذي في قلبها ولا سواه من الآخرين. قال السادس -وفيه وصف المرأة زوجها بما تعرفه من حسن وسوء بما لا يفضي إلى حزم المروءة-: أيضًا يجوز أن تصف المرأة بما تعرفه عن زوجها، ومحله عند الحاجة إذا أفضت إلى ذلك أن تذكر فيه بعض خصال السوء. لكن إذا أفضت الحاجة... إذا ذلك شكت هند رضي الله عنها زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالت: «يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وهل لي أن آخذ من ماله ما يكفيني وولدي؟» فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، خذي من ماله ما يكفيك وولدك». فإذا كان من باب الحاجة فليس بذلك بأس. قال: وفيه العاشر: فيه أن ذكر المرأة بما فيه من العيب جائز إذا قصد التنفير عن ذلك الفعل، ولا يكون ذلك غيبة. ذكره الخطابي، وفيه نظر؛ لأنه من باب الحكاية عن من ليس بحاضر. لأن عائشة حكت قصة عن نساء مجهولات غائبات. ولو أن امرأة وصفت زوجها بما يكرهه لكان غيبة محرمة على من يقوله ويسمعه، إلا إن كانت في مقام الشكوى منه عند الحاكم. والأمر كما قال الحافظ رحمه الله تعالى: عائشة أخبرت عن نساء مجهولات، ما قالت: فلانة وفلانة. قالوا: اجتمعت إحدى عشرة امرأة في الجاهلية، يعني قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، فقصت هذه القصة وهذا الخبر للنبي عليه الصلاة والسلام. أما أنها تقص شيئًا لغرض التنفير، فلا. وإنما مراد ذلك أنها قصت عن نساء مجهولات. والمرأة لا ينبغي لها أن تفشي سر زوجها أو معايبها لأحد من الناس، إلا إن تضررت وكان ذلك للحاكم، أي القاضي، في مقام الشكوى. الفائدة الحادي عشر: في هذا الحديث فيه تقوية لمن كره نكاح من كان لها زوج، لما ظهر من اعتراف أم زرع بزوجها الثاني بإكرامه لها، ومع ذلك حقرته وصغرته من نسبة إلى الزوج الأول. بعض العلماء أخذ من هذا أنه يكره تزوج المرأة التي لها زوج سابق، لألا تذكر محاسن الزوج السابق عند زوجها الثاني، خاصة إذا كان الزوج الثاني لا يداني ولا يساوي الزوج الأول، لا في حسن العشرة مثلًا أو في الإنفاق أو في نحو ذلك من الأمور التي ترغب فيها المرأة. فبعض العلماء يقول: لا تنكح المرأة لهذا الغرض. قال: وفيه أن الحب يستر الإساءة. لأن أبا زرع أساء إليها بتطليقها، ومع ذلك تصفه وتبالغ فيه لأنها أحبت أبا زرع زوجها الأول، ومع ذلك هو طلقها، والطلاق يعتبر إساءة للمرأة، ومع ذلك لم تنسَ أبا زرع، وبالغت في وصفه عندما ذهب زوجها الأول. قال الثالث عشر: فيه جواز وصف النساء ومحاسنهن للرجل، لكن محله إذا كن مجهولات. والممنوع من وصف المرأة المعينة: لا يجوز وصف المرأة ومحاسنها إلى الرجل. المرأة لا تصف محاسن المرأة إلى زوجها، فلعله يذهب ويطلقها ثم يتزوج تلك المرأة الأخرى. لهذا ينبغي على المرأة أن لا تصف محاسن النساء إلى الرجل، وخاصة المرأة المعينة. لكن بعضهم قال: يجوز إذا كانت امرأة مجهولة لا تعرف، لا يعني لا يعرف عينها ولا اسمها من بلد أخرى. الرابع عشر: فيه أن التشبه لا يستلزم سواة المشبه بالمشبه به من كل جهة، لقوله: «كنت لك كأبي زرع»، أي في الألفة، وليس في كل شيء. «كنت لك كأبي زرع في الألفة». يعني: يقول هنا الحافظ: لا يلزم التشبيه أن يكون المشبه به من كل جوانبه، وإنما قد يكون في بعضها دون بعض. وهنا خص فقط الألفة، أي: «كنت لك كأبي زرع في الألفة». فما دام هو أليف مع زوجته ومحسن له، فأنا كذلك. قال الخامس عشر: فيه أن كناية الطلاق لا توقعه إلا مع مصاحبة النية. فإنه صلى الله عليه وسلم تشبه بأبي زرع، وأبو زرع قد طلق، فلم يستلزم ذلك وقوع الطلاق لكونه لم يقصد إليه. وهذا معروف عند العلماء: أن الطلاق لا يقع إلا بالنية، التلفظ مع النية. السادس عشر: فيه جواز التأسي بأهل الفضل من كل أمة. قاله المهلب، واعترضه عياض، وهو أنه ليس فيه ما يقتضي أنه تأسى به، بل فيه أنه أخبر أن حاله معها مثل حال أم زرع. وفي شرعنا غنية، والإنسان إذا تأسى يتأسي بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. والحديث كله هو فقط من باب الإخبار، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر عائشة أن حاله معها كحال أبي زرع مع أم زرع، لا أنه تأسى بأبي زرع. السابع عشر: فيه جواز قول: «بأبي وأمي». يعني: في هذا الحديث بعض الروايات جاءت فيه «بأبي وأمي»، قول عائشة رضي الله تعالى عنها. الثامن عشر: فيه مدح الرجل في وجهه إذا علم أن ذلك لا يفسده. يعني: يجوز أن تثني عليه خيرًا في وجهه إذا علمت أنه لا يفسده، أو لا تترك ذلك لما قد يؤول إلى المفسدة، وهو إعجاب الشخص بنفسه. والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب». فلهذا نهينا عن المدح. فإن كنت لا بد فاعلًا فقل: «أحسب فلانًا كذا وكذا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا». هكذا علم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه أن يقولوا عند المدح: «أحسب فلانًا كذا وكذا على حسن ما ظهر لك، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا». واحذر من المدح في الوجوه. والنبي عليه الصلاة والسلام قد سمع رجلًا يمدح أخاه، فقال له: «قطعت عنق صاحبك». قال التاسع عشر: فيه جواز القول للمتزوج: «بالرفاء والبنين»، إن ثبتت اللفظة الزائدة أخيرًا. يعني: في هذا الحديث فيه قول الرجل للرجل: «بالرفاء والبنين» إذا تزوج. لكن هذه اللفظة «بالرفاء والبنين» قد ثبت أنها ضعيفة، وقد ضعفها العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في آداب الزفاف. فلا تثبت قول الرجل للرجل: «بالرفاء والبنين» أنه إذا تزوج تقول له ذلك. بل هناك دعاء آخر تقول له: «بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير»، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه. الفائدة الأخيرة في هذا الحديث: فيه أن من شأن النساء -وهي الفائدة العشرون- فيه أن من شأن النساء إذا تحدثن أن لا يكون حديثهن غالبًا إلا في الرجال. هذه فائدة قوية جدًا من الحافظ رحمه الله تعالى، وهذا تقريبًا يشهد به الواقع، أن النساء إذا اجتمعن أكثر حديثهن عن من؟ أكثر حديثهن عن الرجال. هذا في الغالب، والواقع يشهد بذلك. يقول: فيه أن من شأن النساء إذا تحدثن أن لا يكون حديثهن غالبًا إلا في الرجال، إلا في الرجال وأمر الرجال. قال: وهذا بخلاف الرجال. هذا واقع ولا ما هو واقع؟ هل إذا اجتمع الرجال يتكلمون في أمور النساء؟ وما النساء؟ ما يتكلمون في أمور النساء غالبًا، يكون حديثهم في ماذا؟ من يقول: ها، ها، أيه، في الأعمال، في أعمالهم وما يقتص بها، شؤون حياتهم، تدبير المنزل ونحو ذلك. هذا هو الذي غالب حديثه الرجال. نادرًا ما يذكرون شأن النساء. فإنهم يتحرزون من ذلك. لكن النساء إذا جلسن فإنهن يتكلمن في ماذا؟ أمور الرجال. ولهذا قال الحافظ: وهذا بخلاف الرجال، فإن غالب حديثهم إنما هو يتعلق في أمور المعاش، تعلق بأمور المعاش من الرزق ونحوه، تجارة وعمل وتدبير أمور منزل. المهم في أمور معاشه وأولاده وغير ذلك. الفائدة الأخيرة: فيه جواز الكلام بالألفاظ الغريبة واستعمال السجع في الكلام إذا لم يكن متكلفًا. لأنها ورد في هذا الحديث سجع، مثل: «عياياءه وطباقاءه، واندخل فهد وانخرج أسد». وهكذا فيه لا بأس بالسجع غير متكلف. يعني: لا يتكلف الإنسان في الكلام أنه يأتي بكلام يكون مسجوعًا، آخر الكلمة الأولى دال ثم الكلمة الثانية اللي بعدها الجملة الأخيرة دال، وهكذا، أو ألف ونحو ذلك. فإن وقع اتفاقًا من دون قصد فذاك، وإلا فإنه لا يتكلف الإنسان للألفاظ الغريبة، ولا يأتي بالألفاظ الغريبة عند عوام الناس، ولا يكون متكلفًا. والنبي عليه الصلاة والسلام قد ماذا؟ حذر من هؤلاء المتفيقهين والمتشدقين، يعني: الذين يتشدقون بالكلام ويأتون بكلام غريب لا يفهمه الناس، وليبين للناس أنه فصيح وأنه عالم بالعربية أو نحو ذلك. فهذا لا ينبغي، بل على الإنسان أن يقتصد في قوله. فإن وقع في قوله شيئًا من السجع فلا بأس بذلك. نكتفي بهذا إلى هنا. نكون قد انتهينا من حديث أبي زرع مع أم زرع. إلى هنا: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.