القرآن تدبر وعظات 3

الدرس في القرآن تدبر وعظات 3، تفاوت الناس تجاه القرآن العظيم ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

أصناف الناس في تعاملهم مع القرآن الكريم

استعرض الشيخ تقسيم الناس تجاه القرآن إلى أربعة أصناف: المعرض الممتنع عن السماع، والسامع دون فقه، والسامع الفاهم الرافض للقبول، والسامع الفاهم القابل وهو الواجب. واستدل على ذلك بآيات من سورة فصلت والأنفال، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في تشبيه المؤمن والمنافق بالأترجة والتمرة والريحانة والحنظلة.

مثل قارئ القرآن وتأثر القلوب بالوحي كالأرض مع المطر

ساق المقطع حديثين نبويين: الأول في فضل قارئ القرآن الحافظ والمتعاهد له، والثاني يشبه الهدى والعلم بالمطر النازل على أرض مختلفة الطيب والخُبث، مبيناً تفاوت القلوب في قبول القرآن وانتفاعها به، فمن كان قلبه طيباً انتفع، ومن كان خبيثاً كان القرآن حجة عليه.

تقديم كتاب تدبر القرآن للشيخ أبي عبد الرحمن العامري

تناول المقطع تعريفاً بكتاب (تدبر القرآن وعظات) للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر، موضحاً أن الكتاب يركز على تدبر آيات القرآن الكريم واستخراج العظات منها لتحقيق مقصد التنزيل المبارك في تذكر أولي الألباب.

التفريغ النصي الكامل

كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات الشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المستمعون الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج «القرآن تدبر وعظات». في هذه الحلقة إن شاء الله تعالى سنتكلم عن تفاوت الناس تجاه القرآن العظيم. فاعلم أخي المسلم وأختي المسلمة أن الناس متفاوتون تفاوتا كبيرا تجاه القرآن الكريم، وقد قسم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الناس بالنسبة إلى القرآن أربعة أصناف كما ورد ذلك في كتاب الله عز وجل، فقال رحمه الله: صنف، وهو الصنف الأول: صنف معرض ممتنع عن سماعه، كالذين قال فيهم: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ [فصلت: 26]. فهذا هو الصنف الأول، الصنف المعرض الممتنع عن سماع القرآن العظيم. وأما الصنف الثاني، فقال: وصنف سمع الصوت ولم يفقه المعنى، كالذين قال فيهم: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ [الأنفال: 22-23]. قال ذلك بعد قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الأنفال: 20-22]. وهذا نظير ما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وهذه الآية والحديث يدلان على أن من لم يحصل له السماع الذي يفقه معه القول فإن الله لم يعلم فيه خيرا ولم يرد به خيرا، وأن من علم الله فيه خيرا أو أراد به خيرا فلابد أن يسمعه ويفقهه. ودلت الآية أيضا على أنه ليس لكل من سمع وفقها يكون فيه خير، بل قد يفقه ولا يعمل بعلمه فلا ينتفع به، فلا يكون فيه خير. هذا هو الصنف الثاني، وهو من سمع الصوت ولم يفقه المعنى. وأما الصنف الثالث فهو من سمع الكلام وفقهه لكنه لم يقبله ولم يطع أمره، كاليهود الذين قال الله فيهم: ﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ ﴾ [النساء: 46]. الآية. وقال تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 75]، إلى أن قال سبحانه: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ [البقرة: 78]، أماني أي تلاوة. فهذا هو الصنف الثالث، وهم الذين علموا ولكنهم لا يعملون. وأما الصنف الرابع فهم الذين سمعوا سماع فقه وقبول، فهذا هو السماع المأمور به، كما قال سبحانه: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾ [الجن: 1-2]. وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [التوبة: 124]. جعلنا الله وإياكم منهم بمنه وكرمه. انتهى كلام شيخ الإسلام. فالأصناف أربعة، وأفضلهم وأكملهم هم الصنف الرابع، بل هو الواجب على المسلم أن يسمع سماع فقه وقبول. وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم حال الناس مع القرآن أروع تمثيل، فقال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» متفق عليه. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ [الأعراف: 58]. قال ابن القيم رحمه الله في الزاد في معرض ذكره لمنافع الأترج: «وحقيق بشيء هذه منافعه أن يشبه به خلاصة الوجود وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن، وكان بعض السلف يحب النظر إليه أي إلى الأترج لما في منظره من التفريح». انتهى كلامه رحمه الله. وهذا يا عباد الله مثل آخر وهو مثل لقارئ القرآن، قال: فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران». أخرجه البخاري بلفظه وأصله في صحيح مسلم. فتأملوا يا رعاكم الله إلى هذا المثل لقارئ القرآن. وهذا أيضا مثل آخر لما بعثه الله عليه نبيه صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم، وتشبيه القلوب بالأرض على اختلاف صفاتها، فأرض طيبة وأرض خبيثة. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن مثل ما بعثني الله عز وجل به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلا والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به من العلم فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». متفق عليه. فتأمل أخي الكريم في هذا المثل العظيم الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم، مشبها هذا الوحي النازل من السماء على قلبه صلى الله عليه وسلم بالماء النازل على هذه الأرض. فالماء النازل واحد ولكن الأرض مختلفة اختلافا كثيرا، فبحسب طيبها ولينها تنتفع بالماء، فإن كانت طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلا والعشب الكثير، وإن كانت خبيثة ونزل عليها الماء فلن تستفيد منه شيئا، فلا تنبت كلأ ولا تمسك ماء. كذلك القرآن مع القلوب، فمن كان له قلب طيب منفتح على القرآن انتفع بهذا القرآن، ومن كان قلبه خبيثا مغلقا لم ينتفع به، بل يكون حجة عليه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «والقرآن حجة لك أو عليك» رواه مسلم. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ [فصلت: 44]. وقال سبحانه: ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 124-125]. اللهم افتح قلوبنا بالقرآن واعمرها بالإيمان، وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله. كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات