الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 87، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يشرح المقطع جواز رد القول الخاطئ دون أن يعد غيبة، مستشهداً بتصحيح النبي ﷺ لقول سعد بن عبادة يوم فتح مكة. ويبين الفرق في المنهج: فأهل السنة يُرد خطأهم مع حفظ كرامتهم، بينما أهل البدع لا تُذكر محاسنهم ويُعَاب عليهم بدعهم، محذراً من تطبيق الموازنة بين الحسنات والسيئات على المبتدعين.
يروي المقطع قصة صُبَيْعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر يوماً، فأخطأ الصحابي أبو السنابل في فهمه وقال لها تعتد بأبعد الأجلين، فصحح النبي صلى الله عليه وسلم قوله بأن عدة الحامل وضع حملها فقط. ثم يذكر حديث أنس بن مالك عن الجنازتين التي أثنى الناس على إحداهما خيراً وعلى الأخرى شراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت» لكل منهما، مبيناً أن شهادة الناس على الميت تكون حجة له أو عليه.
يبيّن المقطع أن حديث «المؤمنون شهداء الله في الأرض» عام لجميع المؤمنين، وأن شهادة أربعة أو ثلاثة أو اثنين من المسلمين على متوفى بالخير توجب له الجنة، مع خلاف في اشتراط العدالة في الشهود. كما يستدل بالحديث على جواز ذكر الشخص بما فيه من خير أو شر للحاجة الشرعية، مستعرضاً الستة المواضع التي تجوز فيها الغيبة.
يختتم الشيخ الدرس بالتأكيد على أهمية تحذير المسلمين من خطر المبتدعين وشرهم. ويعلن عن استكمال هذا الباب في الدرس القادم، مختتماً بالتسبيح والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بعد: أخذنا في الباب السابع والثلاثين من "لمعة در المنثور" أنه لا غيبة للمخالفين وأهل الأهواء والبدع. قال المؤلف حفظه الله تعالى: قال صلى الله عليه وسلم: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة». قال: من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنه، وذلك يوم فتح مكة. وعندما كانت الكتائب تمر على أبي سفيان حتى أقبلت كتيبة الأنصار، وعليهم سعد بن عبادة معه الراية، هو الخزرجي سعد بن عبادة، كان كبير الخزرج. وقال سعد بن عبادة: «يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة». فأخبر أبو سفيان الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فذكر الحديث. والحديث في البخاري من حديث عروة، كما قال ابن الزبير. ففيه أن سعدًا رضي الله عنه، وهو من كبار رؤساء الخزرج، من كبار ساداتهم، قال هذا لأبي سفيان: أنه سيكون هناك قتل، يوم ملحمة، ويوم تستحل فيه الكعبة. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كذب سعد»، بمعنى أخطأ سعد في ذلك. فالكذب يراد به هنا الخطأ، وهو خلاف الصواب. قول ليس في محله، فرده النبي عليه الصلاة والسلام. مع حفظ كرامة سعد وإجلال سعد رضي الله عنه، فهو من السابقين أيضًا في الإسلام، له قدم، قد أثنت عليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فلا جدال في فضله، وكذلك في صحبته وسابقيته. فالنبي عليه الصلاة والسلام رد هذه المقالة لأنها مقالة خطأ. ولو كان غائبًا فترد المقالة الخطأ، ويقال: أخطأ فلان، أو كذب فلان في هذا الموضوع، في هذا الكلام، ترده عليه؛ لأن الأصل فيه أنه على الجادة، وعلى الصواب، وعلى الخير، وعلى السنة، وعلى الدين الصحيح، تمسك بالإسلام. هذا هو المراد من هذا. وأما إن كان الرجل مبتدعًا، فإنهم لا يذكرون له محاسن، فيذكرونه بما قال، يذكرونه بما قال، ويعيبون عليه. فانتبه من منهج يسمى منهج الموازنة بين الحسنات والسيئات لأهل الأهواء والبدع. فالأصل فيهم: إذا كان الأصل في الرجل البدعة، إنه لا تذكر له محاسن، فليس هناك فائدة من ذكر محاسنه. خلاف ما كان من أهل السنة، فلا تطبق عليه هذه القاعدة. كان من أهل السنة والجماعة وأخطأ في مسألة أو في أمر ما، فإنه يرد قوله، وتحفظ له كرامته. هذا الذي مشى عليه أهل السنة والجماعة. فقل من يسلم من الخطأ، فينظرون في منهج الرجل وما حواه كلامه وسيرته، فينظرون في هذا كله. فأنت لا بد أن تنظر كما نظر السلف رحمهم الله تعالى. فقد أخطأ أئمة كبار، أخطأ أئمة كبار، ولكن ما شنعوا عليهم، أو بدعوهم، أو ضللوهم، بل حفظوا لهم كرامتهم وإجلالهم وقدرهم بين الناس. فالشاهد من هذا: أنه ذكر الحديث من باب رد القول الخطأ، وأنه لا غيبة في ذلك، وإن ذكرت الرجل الذي أخطأ في تلك المقالة. قال: «كذب سعد»، ولم يكن حاضرًا. «كذب سعد»، أخطأ سعد. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذب أبو السنابل». إذا أتاك أحد ترضينه فأتيني به، أو قال: فأنبئيني. فأخبرها أن عدتها قد انقضت. من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن صُبَيْعَة بنت الحارث، أو الحارث الأسلمية، وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر ليلة. فدَخَلَ عليها أبو السنابل بن بَعْكَرٍ، فقال: «كأنك تحدثين نفسك بالباءة، وبالزواج، ما لك ذلك حتى ينقضي أبعد الأجلين، وهو أربعة أشهر وعشرًا». هذا الذي فهمه رضي الله عنه. لكن جاءت الآية صريحة: أن عدة الحامل وضع الحمل، إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها في المتوفى عنها زوجها. قال: «فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قال»، فأخبرته بما قال أبو السنابل. فذكر الحديث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذب أبو السنابل». أي: أخطأ أبو السنابل. وأبو السنابل صحابي رضي الله عنه وأرضاه، لكن أخطأ في هذه المسألة، في فهمه، بالجمع بين الآيتين. فآية: «وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» [الطلاق: 4]، هذه في المتوفى عنها زوجها كذلك، وفي المطلقة كذلك التي طلقت، فأجلها أن تضع حملها. ليست في المطلقة بحسب، لأن هناك آية في المتوفى عنها زوجها: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» [البقرة: 234]. فهو فهم هذا رضي الله عنه: أنها تعتد بأبعد الأجلين. لأن هنا انقضت بعد ماذا؟ بعد خمسة عشر يومًا وضعت حملها، وضعت حملها بعد وفاة زوجها، فقالت: لا بد أن تجلس بقية المدة، أربعة أشهر وعشرًا، أبعد الأجلين. فهو فهم ذلك رضي الله عنه. لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كذب أبو السنابل» فيما أخبرك به، بأنك تعتدين بأبعد الأجلين، وإنما تعتدين بأقربهما، وهو وضع الحمل. فالشاهد من هذا الحديث: ذكر أبو السنابل، وأنه أخطأ في هذا، والرسول صلى الله عليه وسلم ذكره، وليس ذلك من الغيبة المحرمة؛ لأنه ليس فيه تنقص، ليس فيه تنقص لهذا الصحابي رضي الله تعالى عنه، وإنما المراد من ذلك: أن هذه المقالة خطأ، وأن هذا الفهم خطأ، فيرد القول على قائله، كائنًا من كان. ثم ذكر حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، في الصحيحين: قال: «مروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت. ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت». قال عمر رضي الله عنه: «ما وجبت؟» قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا، فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض». يعني: ذكر الجنازة، هناك جنازتان مرتا على النبي صلى الله عليه وسلم. إحداهما: أثنوا عليه خيرًا، يعني ذكروه بالخير، مدحوه، ذكروه بالخير: هذا فلان كان طيبًا، هذا فلان كان يعمل الصالحات، وكان كذا وكذا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وجبت». فلما مروا بجنازة أخرى، أثنوا عليها شرًا، والعياذ بالله: هذا فلان كان كذا، وكان يفعل ويفعل ويفعل، لأنه كان مظهرًا، كان هذا أمامه مظهرًا بذلك الفعل، فأثنوا عليه شرًا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت»، أي: له النار. «أنتم شهداء الله في الأرض». والظاهر، كما قال النووي رحمهُ الله: أن الذي أثنوا عليه شرًا كان من المنافقين، كان من المنافقين، فأثنوا عليه شرًا، فوجبت له النار. وهذا حق؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الأول: «وجبت له الجنة»، والثاني قال: «وجبت له النار». ثم قال: «أنتم شهداء الله في الأرض». فبعض خص هذا بالصحابة، لأن الخطاب موجه لهم، قال: «أنتم شهداء الله في الأرض». لكن جاءت روايات أخرى: «المؤمنون شهداء الله في الأرض»، فيكون ليس خاصًا بالصحابة، وإنما هو على العموم: المؤمنون شهداء الله في الأرض. والدليل أيضًا ما رواه البخاري من حديث عمر رضي الله عنه: لما مرت على عمر جنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال: «وجبت». ثم مرت جنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال: «وجبت». ثم مرت جنازة، فأثنوا عليها شرًا، فقال: «وجبت». فقال: «يا أمير المؤمنين، ما وجبت؟» فقال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيما مسلم مات، فشهد عليه أربعة من الناس بالخير، وجبت له الجنة». قلنا: يا رسول الله، وثلاثة؟ قال: «وثلاثة». قلنا: واثنان؟ قال: «واثنان». ثم لم نسأله عن الواحد. انظروا هذا: أيما مسلم مات، وشهد عليه أربعة من الناس، هذا في العموم، ليس فقط في الصحابة رضي الله عنهم. فإذا أثنوا عليه خيرًا، أي الناس، وهذا بحكم الظاهر، حكم ماذا؟ الظاهر: أي أنه كان بينهم ظاهرًا يعمل الصالحات. يعني: ومنهم من خصه بأهل الصلاح من العلماء، من قال: ليس كل واحد يحكم، إذ الفجار قد يحكمون، والفساق قد يحكمون على صاحبهم بما هم على شاكلته. لهذا يقول: أهل الصلاح، وأهل الدين، وأهل التقى، هم الذين يشهدون، إذا شاهدوا له وأثنوا عليه خيرًا، وجبت له الجنة. وإذا لم يكن فيهم من أهل الصلاح، ولا التقى، ولا أهل الدين والورع، فإنه لا يحكم له بذلك. هكذا قال بعض العلماء. وبعضهم قال: بحسب عمله، حسب عمله، سواء كان صالحًا أو لم يكن صالحًا. وبعضهم خصه بالعمل الصالح. فالمهم في هذا: هو الثناء. المهم في هذا الحديث: ظاهر أن المؤمنين شهداء الله، ولم يخص منهم أهل التقى، أو كذلك أهل الورع والدين، فهم من باب أولى لا شك، لكن المؤمنون عامة شهداء الله في الأرض. فلا يحكم المؤمنون على شخص فاسق بأنه من أهل الصلاح، ولا العكس. إذن ثبت بهذا: أن هذا الحديث عام في الصحابة وغيرهم، وهكذا يظهر: المؤمنين جميعًا، سواء كانوا من أهل الدين والورع والصلاح، أو من غيرهم من المؤمنين. إذا شهدوا على شخص بأنه من أهل الخير والصلاح، فيرجى له الجنة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: استدل به على ذكر الشخص بما فيه من خير أو شر، وليس ذلك من الغيبة. هنا ذكره المؤلف رحمه الله تعالى؛ لأن يعني هذا الحديث: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وجبت»، فيقول: يذكر الشخص بما فيه من خير أو شر، وليس ذلك من الغيبة. ليس هذا من الغيبة. فهذا الدليل في هذا الباب: في هذا الباب، أن الشخص يذكر بما فيه من خير أو شر، قال: للحاجة، للحاجة، مقيد بالحاجة. يعني: إذا دعت الحاجة لذلك. أما إذا لم تدعُ الحاجة إلى ذلك، فليس من المصلحة ذكره. إذا نذكر الشخص بما فيه من خير وشر، عندما نلجأ إلى الحاجة إلى ذلك، والمصلحة في ذلك، أن تكون مصلحة شرعية. والمصالح الشرعية كثيرة، قد ذكرها النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم، في المقدمة، قال: «والقدح ليس بغيبة فيه ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، ولمظهر فسق، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر». هؤلاء ستة، كررهم، أنه تجوز غيبتهم؛ لأن المصلحة تتحقق بذلك، يعني بذكرهم، تتحقق بذكرهم. فهم ستة. ومنهم من هم في هذا الباب: من هم في هذا الباب، أننا نذكر الشخص ونذكر ما فيه للمصلحة الشرعية، وهؤلاء هم أهل الأهواء والبدع. قال: «ولمظهر فسق، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة المنكر». مقدمة: محذر، لذلك تحذر المسلمين من خطر المبتدع، ومن شر المبتدع، فلا بأس في ذلك. طيب، إن شاء الله تعالى سنكمل هذا الباب في الدرس القادم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. الله رب العالمين.