شرح رسالة فضل الإسلام 66

شرح رسالة فضل الإسلام 66

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 66، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معنى الفطرة في حديث "كل مولود يولد على الفطرة"

يشرح معنى حديث "كل مولود يولد على الفطرة" بأن المقصود بالفطرة هو الإسلام، مستندًا إلى أقوال السلف وأدلة من القرآن والسنة. يُفسر الحديث بأن كل إنسان يولد على الإسلام.

تأثير الأبوين على انحراف المولود عن الفطرة

يشرح كيف يمكن أن ينحرف المولود عن الفطرة بسبب عوامل خارجية، خاصة الأبوين، حيث يؤثران على انحرافه عن الإسلام باتباع ديانات أخرى. يُفهم من الحديث أن الأبوين يغيرون هذه الفطرة بتربيتهم له.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بقدرة الله تعالى. يُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.

  • 26 جمادى الأولى 1442هـ - 09/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال إمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قال ولهما، أي البخاري ومسلم، عنه مرفوعا، أي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها»، ثم قرأ أبو هريرة قول الله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾. هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة في بيان فضل الإسلام، احتوت على معنى عظيم من المعاني التي تدل على عظمة هذا الدين، إذ أنه من الأديان التي جُبلت عليها النفوس، كما سيأتي ذكره. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من مولود»، الصيغة عامة، الصيغة هنا عامة، «ما من مولود»، والمراد هنا أي من بني آدم؛ لأن هناك مولودات قد ولدت من كائنات من حيوانات، هل هذه المقصودة في هذا الحديث؟ الجواب: لا، المقصود هو هذا الجنس البشري، بدليل ما جاء في بعض روايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل إنسان تلده أمه على الفطرة»، «كل إنسان»، وجاء في رواية كذلك قال عليه الصلاة والسلام: «كل بني آدم يولد على الفطرة»، إذن فهذا الحديث وإن كان بعمومه «ما من مولود» إلا أنه يخص بالبشر وبالإنسان، إذ أنه هو الكائن الحي الذي كرمه الله على سائر المخلوقات. فما هناك مخلوق قط يداني أو يساوي أو يوازي الآدمي في فضله وفي شرفه، ولقد كرمنا بني آدم، ومن إكرام الله للآدمي أن منّ عليه بالهداية وبالرسالة، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة»، ما المقصود بالفطرة هنا؟ اختلف العلماء في معنى الفطرة على عدة أقوال، قيل: بأنها المآل في علم الله، وقيل: بأنها ما كان من الميثاق الذي أخذ على ذرية آدم وهم في أصلاب أبيهم، وقيل -وهذا هو الصحيح والذي عليه تدور الأدلة- على أن الفطرة بمعنى الإسلام، فيكون المعنى لهذا الحديث: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» بمعنى «ما من مولود إلا يولد على الإسلام»، وهذا هو القول الصحيح. لهذا يقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى معلقا على هذا المعنى، قال: وهو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله: «فطرة الله التي فطر الناس عليها» أنها الإسلام، فهذا الذي عليه عامة السلف في معنى الفطرة أنها الإسلام، وأيضا يدل على ذلك زيادة على ما ذهب إليه فهم السلف، الأدلة العامة تدل على أن الفطرة بمعنى الإسلام، منها ما جاء في سياق هذا الحديث، إذ أن النبي قال: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، هل قال: «أو يسلمانه»؟ ما ذكر الإسلام، لماذا؟ لأنها هي الفطرة، ولأنها هي الفطرة، وأن هذه الأديان هي انشقت عن دين الإسلام. كذلك ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام، كما في الحديث القدسي: «قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم»، فقوله: «إني خلقت عبادي حنفاء» بمعنى على الفطرة، «فجاءت الشياطين فاجتالتهم عن دينهم»، أي دين كانت عليه البشرية؟ دين الفطرة التي خلق الله الخلق عليها ألا وهي الإسلام، فأخرجتهم عن ذلك، قال: «فاجتالتهم الشياطين وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا»، فهذه الأدلة وهي أدلة كثيرة تدل على أن المعنى والمقصود بالفطرة هنا هي الإسلام. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» أي على الإسلام، فقوله عليه الصلاة والسلام: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، اليهودية معروفة، النصرانية معروفة، المجوسية هم فرقة المجوس، جاء رواية بدل «يمجسانه» «أو يشركانه» بدل «يمجسانه»، جاء بمعنى «أو يشركانه» أي بجعله مشركا، فاليهودية هم أتباع التوراة، وهم ممن عبدوا عزيرا، والنصارى عباد الصليب، والمجوس عباد النار، وأهل الشرك هم عباد الأصنام. قال عليه الصلاة والسلام: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه»، فيه بيان على أن الوالدين من أسباب انحراف الابن، إما بتربيته على العقيدة التي هم عليها، بتعليمه، بتلقينه، بحثه، بدفعه، لكن قد يقول قائل: وهل فقط الأبوان هما مصدر الانحراف لا غير؟ الجواب: لا، هناك عدة عوامل تجعل المرء ينحرف عن الجادة ويخرج عن الفطرة، أشياء كثيرة: من الصحبة والرفقة وهكذا، اتباع الهوى والشياطين، لكن هنا ذكر الأبوان؛ لأنهم الأغلب، أغلب ما ينحرف المسلم أو قل الصبي أو الصغير عن الفطرة يكون بسبب أبويه؛ لأنه من ألصق الناس به، يخرج على وجه الأرض ما يعرف إلا هذا أب وأم، فهو يسير على غرزهم، فهما يحرفان فطرته. ولهذا هنا الحديث جاء أغلبي، وإلا هناك عوامل عدة تخرج المرأة عن فطرته، «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، قد يقول قائل: مسألة هنا إشكال، الحديث جاء عامل فيه أنه «ما من مولود» ما هناك أحد مولود إلا ويولد على الفطرة، «فأبواه يهودانه أو ينصران»، قد يقول قائل: طيب نحن ولدنا وما تعرضنا إلى التمجيس ولا إلى التهويد ولا إلى التنصير، فالنبي يقول: «ما من مولود إلا وسيقع له هذا»، «ما من مولود إلا وسيقع له هذه الفتنة»، ستجد أن أبويك إما يهودانك أو ينصرانك أو يمجسانك، قد يقول قائل: هذا ما صار لي، ولا صار إليكم، ولا صار لأحد من المسلمين ممن يعيش بين كنفي أبوين مسلمين. فالجواب قال العلماء: هذا الحديث فيه تقدير، وتقديره يعرف من خلال السياق، وهو تقدير الحديث: «ما من مولود إن لا يولد على الفطرة، فإن حصل لها تهويد تهود، وإن حصل له تنصير تنصر، وإن حصل له إشراك أشرك»، هنا تقدير يفهم من السياق: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فإن حصل له تهويد تهود» إلى آخر الحديث، فهذا المقصود من هذا البيان، وفيه بيان إخواني في الله على أن الإنسان يخرج بفطرته، ما هناك أحد أبدا يخرج من بطن أمه يهوديا، ما هناك أحد، بل يخرج على الفطرة، فتأتي العوامل الخارجية كالأبوين وغيرهما، هما اللذان يغيران في ملته وفي دينه، ويعدلان في فطرته إلى الأسوأ. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟»، «تنتج» بمعنى تلد، بمعنى تضع، «كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء»، والبهيمة الجمعاء هي التي تخرج من بطن أمها كاملة الأعضاء، تخرج كاملة الأعضاء، ليس هناك فيها بتر، ليس هناك فيها قطر، هذا الأصل في الكائنات تخرج من بطون أمهاتها كاملة الخلقة. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟»، ما معنى «جدعاء»؟ «الجدعاء» هي البهيمة مقطوعة الأذن، مقطوعة الأذن، هل هذا تجدون؟ هنا «هل تحسون؟» ليس سؤالا بل هنا سؤال استنكاري، أي لا، هناك شيء ما تجد أبدا بهيمة تخرج من بطن أمها وهي مقطوعة الأذن. فقال عليه الصلاة والسلام: «هل تحسون فيها من جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها»، حتى يكون الجدع من قبلكم أنتم، وليس من خلقة الله، فما الذي أراده نبينا؟ أراد نبينا بهذا المثال البديع أن يصور للناس هذا الأمر المحسوس، أمر الفطرة، كما ترون بأعينكم أن البهيمة تخرج من بطن أمها كاملة الأعضاء، ما هناك قطع ولا بتر. قال: وهكذا الجنين يخرج من بطن أمه على الفطرة السليمة السوية، يخرج على الإسلام، لكن ماذا؟ «فأبواه يهودانه ويمجسانه»، فهم الذين يجدعونه، يخطئون هذه الفطرة الذي خلق عليها، فيحوّلونه إلى ملة أخرى. فالشاهد من هذا الحديث كله إخواني في الله: بيان على أن الإنسان يولد على الفطرة، بحيث لو ترك من غير عوامل خارجية، فتجد أن قلبه قد شرئب بمحبة الله، بتعظيم الله، بمحبة الإسلام، وأنه ينجذب إلى دين الله جل وعلا. ولهذا ها نحن في الزمن المعاصر، في الزمن المعاصر، نجد أن الإسلام كدين شوه، أي ما تشويه، عبر وسائل الكفار المرئية والمسموعة، ببث الشبهات، ببث الافتراءات الباطلة، بالضحك والتضاحك والسخرية والازدراء، بل بالمحاربة والمقاتلة والعولمة إلى غير ذلك، ومع ذلك تجد أفواج الناس يدخلون في دين الله أفواجا، مع ضعف أهل الإسلام في الدعاية لهذا الدين، وقلة دعاة، ولقلة حملة، لكن تجد الناس حتى أصبح جرس الإنذار يضرب في هذه الدول، في أوروبا، في استراليا، في اليابان، بكثرة من يدخل في الإسلام. من أين دخلوا؟ هؤلاء الفطرة، الفطرة، يبقى الواحد منهم في اليوم والليلة يتعارك مع فطرته، هو يريد الشهوة والإهانة، إهانة النفس، على الانحراف والشرك والكفر، والنفس تأبى، تريد أنها تلتحق بدين الله؛ لأنها جبلت على دين الله سبحانه وتعالى، ولهذا بعضهم من يدخل، وكثير ما هم يدخلون في دين الله؛ لأن الإسلام هو دين الفطرة، فالقلوب تنجذب إليه، إلا أن هذه العوامل ماذا تمنعه؟ بقي أمر: هل الفطرة كافية لأن الإنسان يتعرف على دين الله الذي أراد؟ لا، ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى فائدة عظيمة، قال: ومعنى الفطرة هو الانجذاب، وليس معناه العلم، ليس معناه العلم، بدليل قال: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾، وإنما الفطرة هو الانجذاب، إقبال النفس، عندها رغبة في الإسلام، لكن ما يتعلق أنها عندها علم بدين الله، ليس عندها علم، ولهذا بعث الله الرسل وأنزل الكتب لتعليم الناس حقيقة الفطرة، ووضع النقاط على الحروف لمعرفة الدين عقيدة وشريعة ومنهجا متكاملا. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.