الدرس في آداب المزاح 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن ضوابط المزاح في الإسلام، مشددًا على عدم جواز الكذب وعدم تقليد غير المسلمين. يشير إلى أهمية أن يكون المزاح قليلًا وفي الوقت المناسب.
يشرح آداب المزاح الشرعي، ويشدد على ضرورة احترام الآخرين واختيار الشخص المناسب للمزاح. يحذر من المزاح الذي يصل إلى حد الصفاقة أو قلة الأدب.
يؤكد على ضرورة الالتزام بضوابط المزاح، مثل عدم المزاح في أمور خطيرة وعدم إخراج الريح بقصد الضحك، مع التأكيد على الأدب والاحترام في المزاح.
يختتم بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر التأكيد على الطاعة والاعتراف بعلم الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذه السلسلة، في سلسلة الآداب، ولازلنا في ذكر آداب المزاح، وبذكر ضوابطه وقيوده وشروطه. وكان مما مر معنى أن يكون المزاح حقًا، فلا يكون كذبًا، وما يسمى بالنكت التي يختلقها المرء من نفسه ثم يضحك بها غيره، هذا لا يجوز. ومما أشير إليه كذلك في هذا المقام ما يسمى «كذبة إبريل»، هي كذبة تكون في هذا الشهر، اعتاد عليها اليهود والنصارى بأن يكذب بعضهم على سبيل المزاح والتنكيت، لكن البلية تجد أن هذه العادة وصلت إلى بلاد المسلمين، وهذا لا يجوز لوجهين: أنه كذب، وزد على ذلك أن فيه تشبه باليهود والنصارى. وكان من القيود في هذا الباب أيضًا أن يكون المزاح قليلًا، وكان هذا من هديه ومن سمته عليه الصلاة والسلام. وكذلك من شرط المزاح اختيار الوقت المناسب والمكان المناسب، وكذلك أن لا يكون فيه استهزاء بآيات الله ورسوله، وكذلك أن لا يكون فيه ترويع وتخويف. وأذكر معنى نماذج من صور التخويف التي يفعلها بعض الناس لأجل جلب الضحك، مثل رفع السلاح على الآخرين، وكذلك ما يكون من استغلال الليل ومسألة الفجاءة، أو ما يكون بخطف الأشياء من مفاتيح وغيرها. وكذلك مما أذكر في هذا المقام من أمر الفجأة ما يكون من أمر مسألة القفز، هذه أحيانًا تحدث في حق من ذهب إلى البحار أو المسابح أو الأحواض، فتجد أنه يستغفل إخوانه فيرمي بهم في أحواض المياه، كل ذلك من أجل أن يضحك، وكم جرت هذه المزحة الثقيلة الويلات على أصحابها، منهم من غرق، ومنهم من كاد أن يغرق، ومنهم إن سلم من الغرق لم تسلم أشياؤه ولا ثيابه من البلل، ناهيك عن أمواله وعن جواله وعن أشياء عدة. وهذه مسألة إخواني في الله هي ترويع، ليس هذا من باب التنكيت أو المزاح الشرعي. كذلك مما يذكر ذلك عدم الاستهزاء بالناس، فإن هذا لا يجوز. وأيضًا مما يذكر ويختم به هذه السلسلة في آداب المزاح أن نختم بآدابين اثنين، وهما من القيود التي أشار إليها العلماء في باب ضبط مسألة المزاح حتى يكون شرعيًا: أن يكون الأدب ليس فيه إخلال، أن يكون المزاح ليس فيه إخلال للأدب، المزاح الشرعي لا يخرج عن نطاق الاحترام والإجلال. فإن عثر على أن المزاح وصل إلى هذا الحد إلى الصفاقة وإلى قلة الأدب، فهذا يكون مزاحًا ممنوعًا لا يجوز. والإخلال بالأدب إما أن يكون إخلال الأدب مع نفسك، أو الإخلال الأدب مع غيرك، هذا لا يجوز، وهذا لا يجوز؛ لأنه كله إخلال الأدب. فمثال الإخلال بالأدب مع غيرك كونك يا عبد الله تمازح من لا ينبغي أن تمازحه. مر معنى أن المزاح لابد أن تراعي فيه الوقت المناسب والمكان المناسب، كذلك في المزاح ينبغي أن تختار الشخص المناسب، فليس كل شخص يصلح للمزاحة. مازحة وأنت تطاول عليه بالضحك ونحو ذلك، فمن أولئك من كان من كبار السن، ومن كان من أهل العلم، ما ينبغي يا عبد الله أن تجعل هؤلاء مضحكة تضحك عليهم كل ساعة. يقول عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا قدره». فالكبير كبير السن مقامه الإكرام والإجلال، والعالم مقامه الاحترام والإعظام، فهؤلاء هذه منزلة في شرع الله. «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه»، فما ينبغي يا عبد الله أنك إن دخلت على من هو من أهل العلم من أهل الدين أنك تنقص من هيئته بكثرة التطاول عليه بالمزاح. قال عبد الله بن مبارك رحمه الله تعالى: «من استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالإخوان ذهبت مرؤته». فهذا مما ينبغي أن يفهم أن المزاح لابد أن يكون فيه شيء من الأدب، وذلك بأن تختار الذي ينبغي أن تمازحه. وكذلك ما يكون من أدبك مع نفسه، لا تجعل الضحك وسيلة لأن توقعك أنت فيما هو طعن في مرؤتك وطعن في رجولتك من أفعال مشينة أو أقوال مشينة. مثلًا بعض الناس إذا أراد أن يضحك أو يضحك غيرهم دخل في ألفاظ شنيعة بذكر قصص ماجنة وحكايات فاجرة، فيذكر مسألة العورات ويذكر مسألة الوقاع والجماع، كل ذلك في سبيل التنكيد. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فيمن تعمد إخراج الريح في مجلس ليضحك الناس: «فإنه يعزر ويضرب وترد شهادته». فقد ذكر العلماء أن هذا من عمل قوم لوط، ومن لا يستحي من الناس لا يستحي من الله. فانتهى كلامه رحمه الله. كذلك مما يذكر في هذا الباب النهي عن الضحك مما يخرج من الأنفس، كما جاء في صحيح مسلم أن النبي نهى عن الضحك مما يخرج من الأنفس. فما ظنك بالذي يتعمد الفعل حتى يجلب ضحك الناس؟ فهذا يا عبد الله كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن هذا يعزر. إذن إخواني في الله، المزاح الذي ينبغي أن يقع بين الناس أن يقيد بهذا الضابط: أن يكون مشوبًا بالأدب والاحترام، وعدم الخروج عن أدب الشخص مع غيره أو مع أدب المرء مع نفسه. وأخيرًا إخواني في الله، مما أختم به مقام المزاح في ذكر ضوابطه وقيوده: ما ينبغي أن يمنع منعًا باتًا من المزاح فيه. هناك أشياء ابتعد يا عبد الله عن المزاح فيها. قد مر معنا ما يتعلق بالاستهزاء بآيات الله ورسوله. هنا أود أن أشير إلى ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام حيث قال: «ثلاث جدهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة»، وفي رواية: «والعتاق». قول هذا الحديث معنى: ثلاث جدهن جد، أي إذا قلته وأنت ناوي وقاصد وجاد، فهذه الأمور الثلاثة تقع. جدهن جد وهزلهن جد، وما هن؟ الطلاق والنكاح والرجعة. وهذا الحديث جاء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، رواه الإمام أبو داود والترمذي وابن ماجة، واختلف العلماء في تصحيحه وفي العمل به، وجمهور العلماء على تحسينه. فالشاهد إخواني في الله، هذه المسائل لا تقبل المزاح، لا تقبل المزاح. وكما قلنا هناك من أهل علم من خالف في هذه المسألة، لكن أود أن أشير إلى عظيم الخلاف، وهذا مذهب جمهور العلماء: من طلق مازحًا يقع، ومن أنكح مازحًا يقع، وهكذا من أعتق أو من أرجع فإن هذا يقع. فالخاص إخواني في الله بهذه الآداب والضوابط والقيود التي سمعتموها في الدروس السابقة وفي هذا الدرس يكتمل عندنا الباب الذي ينبغي أن نتعامل به بيننا في مزاحنا: أن يتقيد بمثل هذه الشروط. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.