الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 37، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول شرح عقيدة البعث بعد الموت وأهميتها، ويبين دلالات الكتاب والسنة والإجماع عليها. يؤكد على أهمية الإيمان بالبعث كجزء من الإيمان باليوم الآخر.
يشرح معنى الموت ومفهوم البعث، ويؤكد أن الأرواح لا تفنى وبعض المخلوقات لا يزول. يبين أهمية الإيمان بالبعث بعد الموت كجزء أساسي من الإيمان.
يتحدث عن مسألة الحشر يوم القيامة حيث يُجمع الناس للحساب والقضاء بينهم. يشرح معنى الحشر لغة وشرعًا ويستدل عليه من الكتاب والسنة.
يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه. يظهر احترام وتقدير النبي والآل و الصحابة ويؤكد أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذه الرسالة في لمعة الاعتقاد، في الباب الذي أعده المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر الغيبيات التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يؤمنوا بها، وعدم إقحام العقول في هذا الباب. وكان مما ذكره رحمه الله تعالى: "وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق، والبعث بعد الموت حق"، وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور، فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. مر معنا، يا إخواني في الله، ما يتعلق بفتنة القبر، وما يتعلق أيضًا بسؤال منكر ونكير، ثم قوله رحمه الله تعالى: "والبعث بعد الموت حق"، أي مما ينبغي أن يؤمن به أهل الإسلام الإيمان بالبعث. والبعث في اللغة يأتي بعدة معان، منها يأتي بمعنى الإرسال، ولقد بعثنا موسى أي أرسلنا موسى، ويأتي كذلك بمعنى النشر. وشرعًا، معنى البعث إحياء الأموات يوم القيامة. عقيدة البعث دل عليها الكتاب والسنة والإجماع. فمن آيات الكتاب، وهي كثيرة، كما في قوله ربي سبحانه وتعالى: ﴿قل وربي لتبعثن﴾ أقسم ربنا سبحانه وتعالى باسمه الأعظم، والمقسم عليه هو البعث. أقسم ربنا على البعث، وقد مر معنا قريبًا فيما يتعلق بأسلوب القسم، وأن المقسم عليه إنما تم القسم عليه من باب أهميته ومن باب توكيده وتحقيقه. ذهب بعض العلماء إلى التفصيل في هذه المسألة، أن المقسم عليه إن كان من الغيبيات فهو بمعنى التحقيق، وإن كان من الشواهد الحاضرة فإنها بمعنى التعظيم. وهنا أقسم ربنا جل وعلا بالبعث، وهي من المسائل الغيبية، إذن ذلك دلالة على تحققه وعلى توكيده. فربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿قل وربي لتبعثن﴾ أقسم ربنا بالبعث دلالة على تحققه وعلى وقوعه. وأيضًا من أدلة السنة كما سيأتي في ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. وأيضًا من الإجماع، فقد قام الإجماع على ذلك. قال ابن حزم رحمه الله تعالى: "واتفقت جميع أهل السنة أو جميع أهل القبلة على القول بالبعث في القيامة، وعلى تكفير من أنكر ذلك". فمن أنكر مسألة البعث وقال: لا بعث، فهذا كافر. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾ فهذا هو زعم الكفار، وهذا هو ظن الكفار أنهم لن يبعثوا. فمن ظن هذا الظن فقد ظن بظن أهل الكفر؛ لأن الإيمان بالبعث أو عقيدة البعث يتنبثق من العقيدة الإيمان باليوم الآخر، واليوم الآخر ركن من أركان الإيمان الستة. فقوله رحمه الله تعالى: "والبعث بعد الموت حق"، إذن نؤمن بأن البعث حق. وقول مؤلف رحمه الله تعالى: "والبعث بعد الموت"، الموت يعرفه العلماء بقولهم: "مفارقة الروح للبدن". هذا معنى الموت، ما هي حقيقة الموت؟ دلالة الموت تكمن في هذه الصورة: مفارقة الأرواح للأبدان، إذن لا حياة، إذن تنقطع الحياة بهذه الصورة. فالبدن لا يعيش إلا على الروح، فإذا عدمت وذهبت وانتقلت الروح انتقالًا أبديًا عن البدن، إذن لا حياة لهذا الجسد. هذا تعريف صحيح عند أهل السنة بأن الموت هي مفارقة الأرواح للأبدان. ومن هنا نعلم خطأ من يعبر عن الموت بأن الموت بمعنى فناء الروح؛ لا، الروح لا تفنى. وذكر العلماء مسألة مهمة في هذا الباب، أن صحيح الكائنات والمخلوقات معرضة للفناء، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، ﴿كل من عليها فان﴾ المخلوقات معرضة للفناء والذهاب والزوال والعدم، لكن هناك مخلوقات خلقها ربنا سبحانه وتعالى وهي غير قابلة للزوال. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى". قال رحمه الله تعالى: "واتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار والعرش وغير ذلك". فهذه إشارة من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على أن هذه من الأقوال التي يتبناها أهل السنة والجماعة. فقوله رحمه الله تعالى: "ذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون". قوله رحمه الله تعالى: "والبعث بعد الموت"، إذا نؤمن بالبعث، وهو أن الله سبحانه وتعالى يعيد إحياء الأموات ويرجع الأرواح إلى أبدانها، فتحيا. متى يكون ذلك؟ قال مؤلف رحمه الله تعالى: "وهذا بعد النفخ، وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام". والنفخ معروف. وقوله رحمه الله تعالى: "ينفخ إسرافيل"، إسرافيل ملك من ملائكة الله العظام. وقوله "الصور"، الصور بمعنى القرن، وهو الذي ينفخ فيه. فهذا الملك العظيم يعطيه ربنا سبحانه وتعالى هذا الصور فينفخ فيه، فإذا نفخ فيه قامت القيامة وأعيدت الأحياء أو الأرواح إلى الأبدان. وقد جاء به أدلة كثيرة، ومنهم جاء كذلك عند ابن أبي عاصم بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه"، يعني إسرافيل عليه السلام، "وصاحب الصور قد التقمه"، أي وضعه في فمه، وهذا معنى أنه قد قرب النفخ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ويُحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً، فيقفون في موقف القيامة". هنا تعرض المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة ثانية من مسائل اليوم الآخر وهي الغيبيات، مسألة الحشر. تكلم عن مسألة البعث وما يتعلق بها بالنفخ، وعرج هنا على مسألة الحشر. قال: "ويُحشر الناس يوم القيامة"، والحشر في لغة العرب بمعنى الجمع، وشرعًا هو جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم. وهذا مما أجمع عليه العلماء ومما أجمع عليه أهل الإسلام. مسألة الحشر دل على ذلك الكتاب والسنة، كما في قوله تعالى: ﴿قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾. وقول مؤلف رحمه الله تعالى: "حفاة عراة غرلاً"، أما حفاة هذا وصف الناس إذا بعثوا من قبورهم يكونوا على حيئتهم كما خلقهم ربنا سبحانه وتعالى كما خرجوا من بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلاً هكذا يُبعثون يوم القيامة. فحفاة جمع حاف وهو الذي لا نعال له، وعراة جمع عار الذي لا كساء عليه، وغرلاً هو الذي لا ختان فيه. وقوله رحمه الله تعالى: "بهماً"، بهماً بمعنى الذي ليس معه شيء. وقد جاء حديث مرفوع عن نبينا عليه الصلاة والسلام أوضح فيه هذا المعنى، وهو ما جاء من حديث جابر رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: "يحشر الله العباد عراة غرلاً بهماً". فقلت: يا رسول الله، ما بهماً؟ قال: "ليس معهم شيء". قال: "فيقفون في موقف القيامة"، وذلك لفصل النزاع ولفصل القضاء بينهم. ثم قال رحمه الله تعالى: "حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويحاسبهم الله تبارك وتعالى، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير الصحائف". هذه مسألة تترك إن شاء الله في درس غد حول مسألة شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام ومسألة الحساب ومسألة الموازين ونشر الدواوين. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.