شرح أعلام السنة المنشورة  169

شرح أعلام السنة المنشورة 169

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 169، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شروط قبول التوبة ووقتها

التوبة مقبولة عند الله إذا كانت قبل الموت ولم يحضر الإنسان الملائكة، وتعتبر كل معصية جهلاً حتى لو كانت عمدًا. باب التوبة مفتوح حتى قبل الموت مباشرة.

التوبة عند حضور الموت وعدم جدواها

تنقطع فرصة التوبة عند حضور الموت أو معاينة الملائكة، ولا ينفع الندم عندئذ. لا أحد يضمن أن يعيش حتى يتوب، لذا يجب المبادرة بالتوبة.

حكم التوبة عند الموت الوشيك وتفاصيلها

التوبة تنفع حتى عند الموت الوشيك إذا لم تصل مرحلة الغرغرة، وتشترط أن تكون توبة حقيقية مع الندم والعزم على عدم العودة للذنوب. الله يفتح باب التوبة حتى اللحظة الأخيرة.

الإعلان عن محاضرة الليلة والدعاء للقبول

يكرر المتحدث الإعلان عن محاضرة الليلة في المسجد المبارك بين المغرب والعشاء، داعيًا الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه. يدعو الله للقبول والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب «التبصرة» رحمه الله تعالى: متى تنقضي التوبة في حق كل فرد من أفراد الناس؟ لا زال المؤلف رحمه الله تعالى يذكر لنا المسائل المتعلقة بالتوبة، ومن هذه المسائل ما أشار إليه في هذه المسألة: متى تنقضي التوبة في حق كل فرد من أفراد الناس؟ مر معنى أن من شروط التوبة -حتى تكون مقبولة- أن تكون التوبة في وقتها، في زمانها، لأن هناك وقتًا إذا وقعت فيه التوبة فإنها مردودة لا يقبلها الله سبحانه وتعالى. فما هو الوقت الذي إن وقعت فيه التوبة ترد؟ قال رحمه الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة، سواء كان عمدًا أو غيره. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾، ما معنى يعملون السوء بجهالة؟ يعني بمعنى أن شخصًا إذا كان جاهلًا ففعل معصية وسيئة، فإن تاب تاب الله عليه. لكن إن فعلها عمدًا قاصدًا عالمًا عارفًا، فهذا لا توبة له. ليس هذا المراد. لهذا أشار المؤلف إلى فهم السلف لهذا، فقال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة. فكل عاص جاهل، كل عاص جاهل. ودليل أنه جاهل معصيته، فلو أن العبد عرف الله حق معرفته وعلم من آلائه وصفاته جل وعلا، لما كان هذا حاله، لما اقترف ذنبًا، وما وقع في معصية. ومن هنا إذا علم العبد مقدار ربه جل وعلا، فإن خوفه يزداد. ولهذا كان من أخشى الناس ومن أخوف الناس من الله أهل العلم، إنما يخشى الله من عباده العلماء. لماذا كان أهل العلم هم أشد الناس خشية؟ للعلم الذي حوه في صدورهم، فعرفوا مقدار الرب سبحانه وتعالى، وما ينبغي له من حق، فكانت تقواهم لله حق التقوى. ومن هنا قال ابن مسعود: من كان لله أعرف كان منه أخوف، من كان لله أعرف كان منه أخوف. فالمرء كلما ازداد علمًا بالله، كلما ازداد خوفًا، فكان هذا أبعد له من أن يقترف شيئًا فيه الخروج بمقام الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، وأن يقترف الذنوب والسيئات. لكن من لم يعظم الرب، من لم يعلم ويعرف الله حق معرفته، يقع منه التقصير، يقع منه التفريط، يقع منه الجهالة. ولهذا إخواني في الله، ما نرى من أهل الغرب ومن أهل الشرق -وإن كانوا يشار إليهم بالبنان بأنهم من أكمل الناس عقولًا، وأنهم فلاسفة الناس، وأنهم بروفسورات، وأنهم دهاة في العلوم البشرية- لكنهم عند الله جهلة. هذا البروفسور الذي يعبد المسيح جاهل، وهذا الذي يعتبر داهية من دهاة الغرب الذي صنع مثل هذه الإلكترونيات الضخمة وهو نصراني جاهل. فكل مشرك جاهل. قال رحمه الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة، سواء كان عمدًا أو غيره. وأن كل ما كان قبل الموت فهو قريب، وهذا معنى متفق عليه بين العلماء. كل ما كان قبل الموت فهو قريب. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، أن يتوبوا وهم في الحياة الدنيا، يموتون في الحياة الدنيا. ولهذا نقل ذلك عن جماعة من السلف. وهذا الأثر الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في قوله: أجمع أصحاب رسول الله... إلى آخره، هذا الأثر رواه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، عن قتادة بإسناد حسن. فالتوبة محلها في الدنيا، فإذا انقطعت الدنيا فلا توبة. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». والغرغرة في بداية خروج الروح، بداية خروج الروح. بل التغير هنا بدأت الغرغرة، هذا الموطن، هذا المحل تنقطع فيه التوبة، فلا ينفع حينها توبة التائب. قال: ثبت ذلك في أحاديث كثيرة. قال: فأما إذا عاين الملك، ولهذا جاء في بعض الأحاديث: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يعاين، ما لم يغرغر». وجاء في لفظ: «ما لم يرها». قال: يحسن جماعة من أهل العلم ما لم يعاين، يعاين ماذا؟ قال: يعاين الموت. أي: إذا رأى الموت أمامه وعاين الموت. وكيف يعاين الموت؟ يعاين الملائكة، إذا رأى الملائكة أمامه انقطعت التوبة، فلا ينفعه حينها أن يتوب. لكن قبل ذلك له أن يتوب، هو أن يتوب من ماذا؟ يتوب من أي شيء؟ نعم، باب التوبة مفتوح. لو أن هناك نصرانيًا يرى أن اليسوع عيسى هو ربه وهو إلهه، فإن تاب قبل موته تاب الله عليه. عباد الأصنام والأوثان كافر ملحد، فإن أراد أن يتوب قبل موته تاب الله عليه. وهكذا قل في الأمة المغضوب عليها من اليهود ممن طعن في الأنبياء وتطاول على جناب الرب، إن تاب قبل موته قبل الله توبته. فإن باب التوبة مفتوح لكل أحد، ما أغلقه الله، وما ضيق الله على عباده. هذا من سعة رحمة الله، فهو التواب على من تاب جل وعلا. لكن فليكن هذا قبل الموت، قبل المعاينة، قبل أن تظهر علامات الوفاة من الغرغرة ومن معاينة الملائكة. هذا شرطه: ما لم يغرغر، ما لم يعاين. قال: فأما إذا عاين الملك، وحشرجت الروح في الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الحلق، فلا توبة مقبولة حينئذ. لماذا لا؟ لأن الإنسان في هذه المراحل قد انتقل من الدنيا إلى الآخرة، لأن هذه بداية الآخرة قد دخلت عليه. وقد ذكرنا أن التوبة تكون في الدنيا، فإذا دخلت الآخرة أغلقت عليك أبواب الدنيا. فما تأتي الملائكة إلا دخولًا لك في مرحلة أخرى، الآخرة. خروج الروح، دخول في الآخرة. حشرجة الصدر، دخول في الآخرة. قبض الروح، كل ذلك من علامات الآخرة. وأن العبد حينها قد عاين الحق. لأن من يأتي إليك؟ ملك. فإن رأيت ملائكة العذاب علمت أنك هالك لا محالة، واستيقنت المصير. هل ينفعك التوبة؟ لا، ما تنفعك التوبة. قال رحمه الله تعالى: قال: فلا توبة مقبولة حينئذ، ولا فكاك، ولا خلاص. قال: ولا تحين مناص. ولا ت «لات» لها عدة تفاسير عند السلف، ومنها «لات» بمعنى ليس، وهذا كما قال عطاء: لغة من لغات أهل اليمن، «لات» بمعنى ليس. ومعنى «لات حين مناص» أي: ليس الحين حين مناص، ليس الحين حين مناص. والمناص بمعنى الفرار والذهاب والهروب، هذا ليس وقته. قال: وذلك قوله عز وجل عقب هذه الآية: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآية. إذن شرط هذه التوبة أن تكون قبل حضور الموت. ولك العمر كله يا عبد الله، هذا العمر كله محل توبة، فتب يا عبد الله في آجلك وفي عاجلك، ولا تؤخر. وهنا إخواني في الله أختم المقام بمسألتين اثنتين. المسألة الأولى: مسألة من يمني نفسه -وهم أهل التسويف-، بعضهم يقول: ما شاء الله، إذن باب التوبة مفتوح حتى في الرمق الأخير. يقول: حتى في الرمق الأخير، يقول: خلاص، إذا كان أمرك هذلك، دعوني، دعوني أفعل ما أشاء، وإن شاء الله أبشر، إذا كنت في الفراش وأحسست أنه في وقت الضيق، حين أتوب بالتوبة. فنقول: وهل أنت تضمن ذلك؟ هل أحد يضمن أن يعيش ساعة بعد هذا الكلام؟ لا أحد يضمن حتى لحظة. فكم من أناس -نعم- وقعوا في بعض الشبهات، أهل الغرور الذين منوا أنفسهم أنهم إن طالت بهم الأعمار وأصبحوا قاب قوسين من الموت والهلاك، أنهم سيعلنونها مدوية: سنتوب، ونجعل في آخر أعمارنا الاعتكاف في بيوت الله، ومعنى المصحف ومعنى القرآن. خلاص، لكن الآن دعونا. لكن هؤلاء رأينا منهم من ماتوا وهم في ريعان شبابهم، في العشرين من عمرهم، وفي قمة المعاصي والذنوب، قبضت روحهم على سوء خاتمة. هذا أمر. فأنت لا تضمن، الأمر الثاني: حتى لو أن العمر طال بك، طال بك، ما أدراك يا عبد الله بحسن الختام؟ الله أعلم. لا تظن يا عبد الله أنها عبارة عن معادلة سهلة: قبل الممات سأتوب. وما يدريك؟ لعل التوبة تصعب عليك. ما تأتي التوبة في آخر العمر إلا بما كان من رصيد أعمالك. قال ربنا جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. متى يأتي الثبات؟ هذا يأتي الثبات لأهل الإيمان. ومن هذا المؤمن هذا الذي عمر حياته في الأعمال الصالحة، هذا الذي عمر دنياه في الأعمال الصالحة: طاعات، فرائض، واجبات، قرآن، صلة أرحام، طاعة للوالدين، نوافل. فلما عمرها في الدنيا، فإذا جاءت المنية، فإن ذكر «لا إله إلا الله» انطلق بها سريعًا، لأن أعماله تعينه، تعينه، تعينه على الثبات. لكن هات لي شخصًا في دنياه بعيدًا عن الله، لا صلاة، لا قرآن، لا صلة، من عرف إلا بالعهر والفساد والزنا والربا والخنا وإضاعة الأوقات فيما يغضب الله، ثم إذا قربت منيته قال: «لا إله إلا الله»، تمسك عليه اللسان. بعضهم ما تمسك، بل بعضهم يأتي من هو أفحش من هذا، أن يأتي من هو أفحش من السكوت: سب ولعن وشد وضيق، بل يرد: «لا إله»، لا صريحة. بس: كفوا، كفوا عنه، وهو يلقي في الرمق الأخير. هذا الذي يمني نفسه أنه إن حضرته الوفاة سيعلنها مدوية، ما استطاع، ولن يستطيع. هذا ليس لك، الذي يحكم عليك بحسن الختام ما كان من أعمالك. صارح: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الثبات لأهل الإيمان. فافهم هذا يا عبد الله. فمن أراد أن يتوفق فليتب الآن، وفي السعة والأمور بيده زمام قوة، بيده التوبة. الله يعلم. وكف عن هذه الشرور التي أنت مسترسل فيها، فإنها لا تزيدك إلا وهنًا ومن الله بعدًا. الفائدة الثانية: وهي ما حكم التوبة في حق من عرف أنه سيموت؟ هل هذا يمكن؟ نعم، بعض الناس يمكن أن يعرف أنه سيموت في اليوم الفلاني أو القريب. مثاله: من كان مريضًا مرضًا مميتًا، قرر الأطباء أنه ما سيعيش. هل أنت ما ستعيش؟ لك في هذه الدنيا شهر، المرض قد استفحل في جسمك، ما بقي لك شيء. أقر الأطباء كلهم بهذا: ما ستموت، ما ستطول لك المدة. لك بعضهم يختلف: أسابيع، أشهر، أيام، بس تنقضي. هذا موجود. فبعضهم يبقى على فراش الموت منتظر الموت، هذا الآن خلاص، ما بقي إلا بينه وبين موته لحظة. هل تنفعه التوبة؟ الجواب: نعم، تنفعه التوبة، لأن الحديث قال: «ما لم يغرغر»، بما أنك إلى الآن ما دخلت إلى مرحلة الموت، فلا زلت في السعة، ينفعه أن يتوب، ينفعه أن يتوب، يذكر بالله. لو هناك رجل عاص فاسق أو حتى كافر، وهو في فراش الموت، يأتي من يأتي من المصلحين: اتق الله، ما بقي لك إلا يسير، ستنتقل إلى الدار الآخرة، تب إلى الله. ينفعه، نعم ينفعه. مثال آخر: رجل ممن يعرف وقت موته، مثل أصحاب الإعدام، قرر فلان على فلان متهم بقتل، وسيكون القصاص في اليوم الفلاني، بقي أربعة أيام، ثلاثة أيام من موته. هذا لا إشكال فيه، يعرف أنه سيموت. هل ينفعه التوبة؟ تنفعه التوبة، تنفعه التوبة، لا يوجد إشكال في هذه المسألة. هذا بالإجماع. يعني هل ينفع أن يأتي مصلح وينصحه: يا عبد الله، ستفارق الدنيا، أنت قتلت نفسًا، تب إلى الله. من ذلك؟ طبعًا يقول: هل يم... أنا سأموت. ينفعه التوبة إلى الله. ثم يأتي بشرط التوبة: من الندم والعزم على العودة إن تم الإعفاء عنه مثلًا، وأنه نادم على ما جرى منه. إن كان هذا حاصل، ثم أعدم، وعلى هذا الحال مات على حسن خاتمة، لأن الحديث إنما أطلق: «ما لم يغرغر»، بما أنه لم يدخل إلى سك، فإنه يكون في أهل الدنيا. فكل من كان ممن عاين الموت -أعني كأمثال هؤلاء المرضى- أو كان أصحاب الإعدام ممن قدر عليهم القصاص، ولو لم تبق لهم من الدنيا سوى يوم أو ساعة، فهل تنفعه التوبة؟ ينفعه أن يتوب. وأدى من سعة رحمة الله أن الله فتح باب التوبة. فباب التوبة مفتوح يا عبد الله. هذا خلاصة هذه المسائل المتعلقة بما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى حول انقطاع التوبة عن كل فرد من أفراد الناس، وذلك حين الغرغرة. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وأكرر الإعلان عن محاضرة الليلة المقامة في هذا المسجد المبارك بين المغرب والعشاء، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.