شرح الأصول الستة 25

شرح الأصول الستة 25

الدرس في شرح الأصول الستة 25، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الولاية والكرامة

الولاية تكون لأهل الإيمان الذين يتقون الله، وتنقسم إلى مقتصدين وسابقين بالخيرات. الكرامة ليست شرطًا للولاية، ولها شروط خاصة.

شروط الكرامة عند أولياء الله

الكرامة عند أولياء الله لها شروط، منها أن تكون لحاجة وتقوية الإيمان أو إقامة الحجة، وألا تخالف دين الله أو تشكك في معالمه.

الكرامات والتشريع في الإسلام

الكرامة في الإسلام منحة إلهية للعباد الصالحين، ولا تعتبر مصدرًا للتشريع، بل مصادر التشريع هي الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

ختام الكلام عن الكرامات والولاية

الكرامات باب يؤتى به ولا يستدل به، ويختم بالتضرع إلى الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في الأصل الخامس من هذه الرسالة، وكان الكلام حول مسألة الولاية، وذكرنا ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى من التفريق بين أولياء الله حقًا وصدقًا وبين المتشبهين بهم. وكان في هذا المبحث العروج على كثير من المسائل وذكر مباحثها، وآخر مبحث كان معنا حول ما يتعلق بتلك الشبهة التي لطالما يستدل بها أهل أهواء في غير محلها، وهي ما يتعلق بقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، وبينا حقيقة هذه القصة وأنها حق وأنها صدق، إلى أن من تمسك بها وتشبث بها وأراد أن يحملها على غير محملها، فهذا من فعل أهل الدجل ومن أهل الباطل. ومتابعةً كذلك، قد أطلنا النفس في هذه المسألة متابعةً حول مسألة ما يتعلق بالأولياء وما يتعلق بالكرامة، وهذه مسألة مهمة إخواني في الله لكثرة جهل الناس بها وعدم التفريق بين مباحثها، بل عموم الجهل الذي حل في الناس، وخاصة أن نرى أن أهل أهواء يرتكزون على هذه المسألة كطريقة في استحداث البدع وإدخال المضلات من حيث أنهم يعظمون أنفسهم ويعظمون رؤساءهم بكونهم من أولياء الله جل وعلا. من المسائل إخواني التي تذكر في هذا الباب متعلقة بالولاية، أن الولاية من أمورها تقع لأهل الإيمان الذين آمنوا وكانوا يتقون. وقال العلماء إن أهل الإيمان الذين يدخلون تحت غطاء الولاية هم على قسمين اثنين: إما أنهم من المقتصدين، وإما أنهم من السابقين بالخيرات، فهؤلاء يدخلون ضمن أولياء الله جل وعلا، ويدل على ذلك ما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الحديث المشهور، قال عليه الصلاة والسلام: قال الله تعالى «من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب»، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. ففي قوله عليه الصلاة والسلام، أو في قول الله عز وجل في الحديث القدسي «وما تقرب عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وهذه في رتبة أهلها الاقتصاد، وهو المقتصد. فإن ضابط المقتصد هو الذي يقف عند الواجبات ولا يقع في المحرمات، هذا المقتصد الذي يحافظ على الواجبات لا يفرط فيها، لا يضيعها هذا المقتصد. وأعلى منه رتبة وهو السابق بالخيرات، وهو الذي بعدما حافظ على الواجبات أقبل على النوافل والسنن. فالرتب الأولى المقتصد هم مقتصدون، والثاني هم السابقون بالخيرات، وهؤلاء وهؤلاء يدخلون في ولاية الله جل وعلا لقوله عليه الصلاة والسلام «من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب». ثم ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام من صفات أهل ولاية أنهم إما يكتفون بما فرض الله عليهم، وهؤلاء أصحاب الاقتصاد، وإما أنهم يزيدون على هذه الواجبات بالدخول في السنن والنوافل وما زاد عن الواجبات، وهؤلاء هم السابقون بالخيرات. فإذا فهؤلاء يدخلون في ولاية الله جل وعلا. وهنا تأتي مسألة وهي ليس معنى أن العبد إذا لم تخرج أو تصدر منه كرامة أنه لا يكون وليًا، وهذا بعض الناس يجعلها معيارًا. وهنا قد ذكرنا هذه المسألة، وهي مسألة عكسية، أن بعض الناس يرى أن من شرط الولي أن تصدر منه كرامة، وهذا غلط، ليس هذا شرطًا. ثم يعكسون فيقولون الذي ما تصدر منه كرامة إذن هذا ليس بولي وليس بقوي الإيمان، بل هذا ضعيف الإيمان، وهذا موجود عند كثير من الناس يظنون أن الله جل وعلا في هذه الدنيا إذا ما حباهم بآية ولا حباهم بكرامة هذا دليل نقصان إيمانهم، وهذا ليس بصحيح. فالكثير والكثير من الأخيار ومن أهل الصلاح بل من الأولياء حقن الصدقة ما كانت لهم كرامة، ما كانت لهم كرامة. وهذا يجرنا كذلك إلى مسألة مهمة متعلقة بالأولياء، وهي ما هي شروط الكرامة؟ اشترط العلماء في هذا الباب مسائل ثلاثة نذكرها بعجالة. الأمر الأول يقول العلماء من شرط الكرامة أنها تصدر من حي، فلا سبيل لأن يأتي أحد من الناس ويدعي كرامة ثم تجد أن مخرج هذه الكرامة صدر من ميت. كما نسمعه من بعض الدعاة ممن يدندن حول الكرامات، وهكذا ما يسطر في كتب القوم أن كان هناك ميت فتكلم في قبره أو كنا في حضرة القبر الفلاني أو الضريح الفلاني، فإذا بيد خرجت من القبر وسلمت علينا، هذه كرامة أو رأينا شيء مثل الظل يخرج من القبر، هذه الأشياء ليست كرامة أصلا لأن من شرط الكرامة أنها تصدر من حي. أما ما يصدر من الأموات ومن المقبورين فهذا إما خيال وإما من تلاعب الشيطان. وقد مر معنا أن شيطان عندهم من القوة أنه يفعل أشياء بحيث لا نراه، وهذا مصدق القرآن أنه يرانا من حيث لا نراه، فهو بإمكان التخفي أن يفعل لنا هذه الأفاعيل بأن يصدر أصوات، وكذلك يفعل حركات أو يتشكل بأشكال فيوهم أن هذا له تعلق بالميت. الأمر الثاني من شرط الكرامة يقول العلماء أنها تكون لحاجة، ينبه العلماء في مسألة الكرامات التي تخرج من أولياء الله جل وعلا أن هذه الكرامة ينبغي أن تكون لسبب، يقولون هي ليست من لازم أن الكرامة تصدر على قدر إيمان وتقى العبد، ليس هذا لازمًا. يعني بعض الناس يقول إذا كان الولي له منزلة صدق وقدم صدق عند الله جل وعلا، كلما زاد لإيمانه وكلما قوي تقواه فإنه تتنزل عليه كرامة بمقدار إيمانه، وكلما قل الإيمان والتقوى كلما قلت الكرامة، وهكذا إلى أن تختفي الكرامة على قدر الإيمان، هذا ليس بصحيح. يقول العلماء بل إن الكرامة يجعلها ربنا جل وعلا لأسباب ولحاجة. ومن تأمل في الكرامات يعني في الموجودة في الكتاب وفي السنة وتناقلها العلماء بالقبول، تجد أن كرامات جاءت لحاجة من هذه الحاجات. يقول العلماء إما أنها لتقوية الإيمان، تجد أن رجلًا من عباد الله الصالحين يبتلى ببلاء يأتيه موقف يتزعزع إيمانه، يتضعف إيمانه أو يكون في بيئة تضعف الإيمان، فيأتيه كرامة تقوي إيمانه، فهذه من صور الكرامة. ومن فوائد الكرامة أنها تأتي لتقوية إيمان العبد. ومن نظر إلى الكرامات الموجودة للصالحين تجد أنها تأتيهم في منازل وفي مواقف تقوي إيمانهم، ليست هكذا جاءت عبثًا لا تأتي لتقوية الإيمان. ومن هنا استدل العلماء من هذه المسألة على أنك لو نظرت في حق الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الكرامة قلت فيهم، هل هذا لضعف إيمانهم حاشاهم؟ بل لقوة إيمانهم، أنهم ليسوا محتاجين إلى كرامة تقوي إيمانهم، لأن إيمانهم قد قوي بما رأوا من البصائر، وبما قذف الله في قلوبهم من الإيمان ومن الإقبال ومن اليقين العظيم، فما احتاجوا إلى كرامة لأنها ما ستزيد شيئًا في إيمانهم. فمن هنا يقول العلماء فإن من فوائد الكرامة أنها تأتي لحاجة، وفي ضمن ذلك أنها تأتي تقوية لإيمان العبد. وكذلك من الحاجات التي من أجلها تتنزل الكرامة أنها فيها وضع ما يسمى بالحجة على الخصم، إقامة الحجة على الخصم. يأتي هذا من باب الكرامة لربما عدو من أعداء الدين أراد أن يذل الإسلام والمسلمين يذلهم في موطن في موقف، فينزل ربنا جل وعلا كرامة في هذا المقام لحاجة، ما هي الحاجة؟ إلقام العدو حجة من الحجج الربانية. مثال ذاك ما مر معنا في بعض الغزوات التي غزاها الصحابة، أن ألقي ببعضهم ومسك ببعض الصحابة كما نقل هذا في كتب التاريخ، جاء بصحابي فربط فأدخل في النار أمام الأعداء، فخرج منها سالمًا، هذه كرامة من الله جل وعلا، هل جاءت هكذا عبثًا؟ لا، لأمر عظيم. ما هي الفائدة من إقامة الكرامة هاهنا؟ إلقام الحجة على الخصوم وإكباتهم وتكبيتهم وإذلالهم. وهكذا ما ذكر في قصة خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه عندما كان في أحد المعارك مع الكفار، جاء قائد من قواد الكفار وأراد أن يستهين بقدرة خالد، فكان من تحدي هذا الملك الكافر أنه أسقى خالد السم، قال: أنت تزعم أنك على دين أنك تزعم معك من يحميك وهو رب العالمين، وأنت عندكم قوة، فإما أن تقيم بربكم هذا السم تحساه إن كنت مؤمنًا نجاك الله. فجاءت الرواية أن خالد بن الوليد تحسى هذا السم أمام الملك الكافر وما أصابه شيء، كرامة من الله جل وعلا، كرامة سم وما أذى، لماذا؟ لفائدة، ما هذه الفائدة؟ تكبيت العدو، تذليل العدو. ومن هذا الشاهد يقول العلماء إذن تأتي الكرامة إما لتثبيت مؤمن على إيمانه، أو كذلك لتكبيت عدو من أعداء الدين. فخلص العلماء إلى أن الكرامة تأتي لحاجة، تأتي لحاجة. فينبغي أن نفهم هذا المسألة إخواني في الله، ولهذا جعل العلماء أن هذا الشرط من شروط الكرامة. الشرط الثالث يقول العلماء يشترط في هذه الكرامة أن لا تخالف شيئًا من دين الله جل وعلا، لا تخالف شيئًا من العقائد الراسخة، لا تخالف الثوابت والأصول في دين الله جل وعلا، أو أنها تشكك في معالم الدين وفي واجبات الدين، هذه ليست بكرامة. كما نسمعه من بعض الناس ممن يأتون بكرامات فيها ضرب لعقيدة الإسلام والمسلمين، إما فيها التنقيص بحق الأنبياء، وإما فيها التنقيص بأسماء الله وصفاته، أو كذلك تضيع لأمر الدين، كأن يبقى أحد منهم لا يصلي لله صلاة، أو أنه يذهب إلى الحج والعمرة وكما يقال وبدنه يذهب إلى ميقات ونحو ذلك، يدعون كرامات وتجد أن هذه الكرامات لو وضعت في ميزان الشرع ما تتوافق، بل تتصادم، فهذه ليست بكرامة. إن وجدنا كرامة تتصادم مع دين الله فهذه ليست بكرامة أبدًا، لأن الكرامة إنما تعطى لعباد الله الصالحين، فكيف لعبد صالح يفعل شيئًا في مخالفة للدين؟ هذا لا يمكن. وهنا ذكر العلماء تلك القصة المعروفة حكيت لبعض الصالحين، قيل لعبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى أنه كان في ممشاه وكان معه من أحبابه وأتباعه، فإذا به يسمع صوتًا في السماء فرفع رأسه فإذا بغمامة يقول فيها «يا عبد القادر أنت كذا وأنت كذا لعظم مقامك عندي، فإني قد أحللت لك الحرام وحرمت لك الحلال، افعل ما شئت». فلما سمع هذا العبد الصالح هذه العبارة قال «اخسأ عدو الله»، قال «اخسأ عدو الله»، فانقشعت الغمامة والسحابة. فقيل له كيف عرفت؟ قال: «علمت لما قال لما علمت أن الله جل وعلا ما جعل ذلك لأنبيائه ولا لرسله، فكيف يجعلها لي؟ إذا كان هذا المقام وأن الله جل وعلا يبيح المحرمات ما أعطي هذا ولا مكن لنبينا، بل نبينا أمر بالعبادة حتى يلقى ربه «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»، وهو نبينا، ومع قوة مقامه وعلو مقامه عند ربه جل وعلا، ومع ذلك أمره ربنا مع ذلك بالعبودية، وما أباح له ربنا محرمًا، المحرمات، فيقول هذا العابد: «إذا كان ربنا جل وعلا ما أباح المحرمات لنبيه، فكيف به؟» إذا علم أن هذا لا يتأتى. ومنه أن نعلم أن الكرامة لا ينبغي أن تتصادم شيئًا من دين الله، فإذا بلغك يا عبد الله شيء من الكرامات المزعومة أو المدعاة فقيسها، فإن رأيت أن هذه الكرامة تصادمت مع الشريعة فإنها ليست بكرامة. وكذلك يدخل من هذا الباب أن الكرامة أيضًا لا يؤخذ منها حكم شرعي. وكذلك هذا مما يذكر بهذا، كما أن الكرامة لا تعود على الشريعة بالنقد والتصادم، كذلك فإن الكرامة لا تعتبر مصدرًا من مصادر التشريع. وهذا كذلك مما يمتلي به القوم، تجد أن بعض الناس إذا وقعت كرامة ونكرر نحن باب الكرامات لا ننكره، الكرامات من الأبواب التي جاءت الشريعة بتقريرها، بل في القرآن والسنة من هذه الكرامات أشياء كثيرة. ربنا حكى عن قصة مريم «كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا، قال يا مريم أنى لك هذا، قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب»، يأتيها الفاكهة في غير موسمها، هذه كرامة من عند الله عز وجل. وأصحاب الكهف الذين جلسوا في الغار طيلة هذه المئات الثلاث مئات السنين مرت عليهم ثم بعثوا أحياء، هذه كرامة. فالكرامات موجودة في القرآن والسنة لا ننكرها، لكن نقول إذا رأيت من بعض الكرامات المدعاة يذكرها الناس في أنديتهم في مجالسهم، أو تقرر في معاهدهم ومدارسهم وفي مقراتهم، تنظر إلى هذه الكرامة هل هذه الكرامة تتناقض مع الشريعة؟ فرمي بها، أو رأيت أن هذه الكرامة يستخلص منها دليل شرعي، فاعلم أن هذا ليس من مصادر التشريع. فإن مصادر التشريع إما الكتاب وإما السنة وإما إجماع الأمة، هذه فقط عندنا مصادر التشريع. وهناك ما يختلف العلماء فيه، كالقياس والاستحسان، لكن هذه لها وجهات نظر عند العلماء. أما أنك تجعل من مصادر التشريع كرامة تفعل فعلًا من الأفعال، ثم تسأل: يا أخي ما دليلك على هذا الفعل؟ يقول: كيف أنت ما سمعت بكرامة فلان وفلان؟ كيف كان فلان يفعل كذا؟ هذا ما يمكن. إن صحت الكرامة إن صحت، فهذا يحث على عين ملابسات لأمر أراده الله لهذا العبد. مثاله مثل قصة خالد بن الوليد تحسى السم، فهل لو أن أحدًا أراد أن يريح نفسه من الدنيا، جاءته الهموم والغموم والديون وتكالبت عليه الأمور، وأراد أن ينزح من الدنيا فآراد أن يتحس سمًا، يقول: يا أخي ما يجوز، يقول: يا أخي كيف خالد بن الوليد يتحس سمًا؟ يقول: هذا ليس دليلًا شرعيًا، لا يمكن أن تأخذ من الكرامة دليلًا شرعيًا تستدل به على بعض الأمور، لأن هذا مخالفة للشريعة. الشريعة جاءت قد أمنت من تحس سمًا فماذا؟ فهو يترد به إلى يوم القيامة. فباب الكرامات كما يقول علماؤنا هو باب يؤتى به وينزّه ربنا به على بعض عباده لحاجة، فلا يستدل به، ولا يكون مصدرًا من مصادر التشريع. فهذه إخواني مسائل سريعة متعلقة بأمر الولاية، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.