شرح العقيدة الواسطية 23

شرح العقيدة الواسطية 23

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 23، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في صفات المقابلة

صفات المقابلة هي الصفات التي تظهر كمالها في مقابلة من يستحقها، مثل المكر والكيد. هذه الصفات تعتبر كمالا في حق الله تعالى إذا كانت في مقابلة من يستحقها.

تفصيل صفات المقابلة لله تعالى

الله تعالى يتصف بصفات المقابلة مثل المكر والكيد والخداع، وهذه الصفات تعتبر كمالا في حقه سبحانه وتعالى. يجب التفريق بين الصفات التي تدل على الكمال في مقابلة من يستحقها وبين صفات النقص.

شرح صفات المقابلة في القرآن والسنة

أهل السنة يثبتون صفات المقابلة لله حقيقة كما وردت في القرآن الكريم، بينما يحاول المبتدعة تأويلها. بعض العلماء فسر مكر الله وكيد الله على أنه استدراج أعدائه بالنعم.

حدود صفة الكرم وتفريقها عن صفات المقابلة

الكرم صفة كمال لمن يستحق المعاملة الحسنة، أما من لا يستحقها فليس كرمًا بل قد يكون ضعفًا أو خطأً. هذا التفريق يحدد من يستحق المعاملة الكريمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وهو شديد المحال﴾، قال: وقوله: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾، وقوله: ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون﴾، قال: وقوله: ﴿إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا﴾. هذه الآيات أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في مسألة صفة المكر والكيد، وهذه الصفات اصطلح العلماء على تسميتها بصفات المقابلة. صفات المقابلة سميت بهذا الاسم؛ لأنها تظهر كمالها في مقابلة من يستحقها. صفات الله جل وعلا تنقسم إلى أقسام من حيث الكمال والنقص. الأولى: صفات كمال لا نقص فيها، كالحياة والعلم والقدرة والرحمة. هذه يوصف بها الرب جل وعلا إطلاقا. ثانيا: صفات نقص لا كمال فيها، وهي التي يعبر عنها بالصفات المنفية، كالموت والعجز والنوم. هذه لا يوصف بها الرب أبدا. ثالثا: صفات مترددة بين الكمال والنقص، مثل المكر والكيد والاستهزاء والخداع. هذه الصفات لا يوصف بها الرب على سبيل الإطلاق؛ لأن فيها نقصا، وبالمقابل لا ننفيها عن الله مطلقا؛. العمل مع هذه الصفات المترددة يكون بتثبيتها لله إذا دلت على الكمال، ونفيها عن الله إذا دلت على نقص. كمالها يظهر في مقابلة من يستحقها، فتكون صفة كمال في هذه الحالة. الضابط هنا: إذا كانت في مقابلة من يستحقها، تكون كمالا لله. أما ابتداء، فلا تعد كمالا. ننظر إلى الآيات الواردة في القرآن، مثل آية المكر: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾. مكر الله كان مقابلة لمكر الكافرين، فكان كمالا لله. وكذلك في مسألة الاستهزاء: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم﴾. استهزاء الله كان مقابلة لاستهزاء الكافرين، فكان كمالا. من تتبع الآيات التي فيها إيراد لهذه الصفات، يجد أن الله يثبتها لنفسه في مقابلة لمن يستحقها. فمن مكر بدين الله وأوليائه، مكر الله به. ومن كاد لدين الله وأوليائه، كاد الله به. ومن استهزأ بدين الله وأوليائه، فالله يستهزئ به. ومن خادع دين الله وأوليائه، فالله يخادعه. الله يقابلهم من جنس أعمالهم، لكن يلاحظ أن الله يعاملهم بالمثل، وهنا يظهر الكمال. العلماء يسمون هذه الصفات بصفات المقابلة؛ لأن الله يقابل من يستحقها بما ذكر. مثال آخر: الحرب خدعة، هل هذه مذمة؟ لا، إذا ابتلينا بحرب مع الكفار، فلا بأس أن نخدعهم كما يخدعون. قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «لست بالخبء ولا الخبء يخدعني». الخبء: اللئيم والماكر المخادع. عمر يقول: أنا لست بخبء، لكن بالمقابل لا أجعل المخادع يخدعني. هذا كمال. الله جل وعلا لا يعامل خلقه بخداع ولا مكر ولا كيد، لكن من عامله بهذه المعاملة، فالله يعامله بنفسها. ﴿يمكرون ويمكر الله﴾، ﴿إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا﴾، ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾، ﴿يستهزئون بالله والله يستهزئ بهم﴾. هنا يظهر الكمال لله سبحانه وتعالى. أولا: هذا الباب لا يقاس. لا تأتي إلى أي صفة فيها نوع نقص وتضيفها إلى الله من باب المقابلة. مثلا: الخيانة، هل يقال بأن الله يستخدم أسلوب الخيانة مع من خان أولياء دينه؟ لا، الخيانة صفة نقص دائما وأبدا. قوله تعالى: ﴿وإن يريد خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم﴾، لم يقل: فخانهم. لو كان المقصود المقابلة، لذكرها الله هنا. ثانيا: من فوائد هذا الباب: أن هذه الصفات هي من الصفات الفعلية، وهي المتعلقة بمشيئة الله سبحانه وتعالى. ثالثا: قال العلماء: لا يشتق من هذه الصفات أسماء، فلا تقول: الله خادع أو ماكر. المبتدعة ينفون هذه الصفات عن الله، ويقولون: إنما هذا مجاز. يقولون: الله يعاقب المستهزئين من جنس فعلهم، فجعل عقوبته مكرا أمام الماكرين. أهل السنة يثبتون هذه الصفات لله حقيقة؛ لأن الله أضافها إلى نفسه. ننتقل إلى شرح الأدلة التي أوردها المؤلف. الآية الأولى: ﴿وهو شديد المحال﴾. قيل: معنى شديد المحال: شديد القوة، وقيل: شديد الأخذ، وقيل: شديد المكر. الآية الثانية: ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون﴾، في قصة بني إسرائيل ومحاولة قتل عيسى عليه السلام. الله عز وجل ألقى شبه عيسى على الواشي، ورفع عيسى إلى السماء. الآية الثالثة: ﴿إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا﴾، في حق الكفار قريش الذين كانوا يكيدون لرسول الله. مسألة الاستدراج بالنعم: بعض العلماء يقولون: مكر الله وكيد الله معناه استدراج الله أعداءه بالنعم. نقول: هذا ليس بتأويل، بل هذا تفسير. نقول: من صور مكر الله استدراج أعدائه بالنعم. لا نؤول صفة المكر بأنها استدراج النعم، وإنما نقول: من صور المكر استدراج النعم. خلاصة المبحث: هذه الآيات تسمى صفات المقابلة، وهي الصفات المترددة بين صفات المدح وصفات النقص. الحق فيها عدم الرد مطلقا وعدم القبول مطلقا، وإنما تقيد. فهي صفة كمال مع من يستحق أن يعامل معه، وأما من غير هذا، فليس صفة كمال. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.