رمضان والمقامات الحسان - مقام بذل الندى 12

رمضان والمقامات الحسان - مقام بذل الندى 12

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - مقام بذل الندى 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل الجود والبذل في الإسلام

يُشدد على أهمية بذل الخير والجود في الإسلام، ويُذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، خاصة في رمضان. يُضرب المثل بخصاله الحميدة قبل الإسلام وبعده.

الجود في رمضان وأسبابه وكيفيته

يُشجع على الجود في رمضان اقتداءً برسول الله، ويعدد أسباب التنافس على البذل في هذا الشهر، منها مضاعفة الأجور وسد حاجة الصائمين والقائمين. الجود يشمل بذل المال والعلم.

صور الجود والعطاء في رمضان وتطبيقاته العملية

الجود لا يقتصر على المال فقط، بل يشمل بذل الوقت والجهد في مساعدة الآخرين، وينبغي أن نبدأ بأهلنا وقرابتنا ثم نمتد إلى عامة الناس. الجود ليس حكرًا على الأغنياء بل يمكن للفقير أن يكون جوادًا بما يقدر عليه.

ختام وأهمية تربية النفس على الجود

يؤكد المتحدث على أهمية تربية النفس على بذل الخير للآخرين، ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله، ويختم بالصلاة على النبي محمد. يُبرز أهمية الاستمرار في هذه العادة الحسنة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المقامات الحسان والتي ينبغي على أهل الإسلام أن يعتنوا بها في مثل هذه الأوقات والأزمان ألا وهو مقام بذل الندى، بذل الندى يا عبد الله مقام عظيم وخلق بديع، خلق متى ما اتصف به فرد من الأفراد فلا تسأل حينها عن فلاحه ونجاحه، خلق متى ما انتشر في مجتمع من المجتمعات فلا تسل حينها عن تماسكه وتآلفه. بذل الندى والذي عرفه العلماء بأنه بذل الخير والجود والمعروف، هذا هو بذل الندى، بذل الخير والجود والمعروف، هذا المقام إخواني في الله قد جاءت في حقه الأدلة الكثيرة على التحضيض عليه والترغيب إليه، في أن الإنسان ينبغي أن يعلم أن من أعظم ما يتعبد الله به بعد طاعته لربه أن يوصل خيره لغيره، على أن الإنسان المسلم من أعظم ما يتقرب به إلى الله ما كان بعد طاعته لربه في كيفية إيصال خيره لغيره. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». وقد ضرب نبينا صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في هذا المقام، مقام بذل الندى، فكانت يده مبسوطة، يده مبذولة في فعل الخير، لا يثنيه شيء، لا يثنيه شيء عليه الصلاة والسلام، بل كان هذا خلقه قبل الإسلام، قبل أن ينزل عليه الوحي. ها هي خديجة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين عندما أتاها نبينا وهو خائف مما وجده من نزول الوحي عليه أول ما نزل عليه الوحي خاف، فرجع إلى خديجة، فإذ به تطمئنه، وكان من أوج تطمينها لرسول الله أن تذكره بخصاله وخلاله الذي كان عليها، قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقر الضيف وتعين على نوائب الحق، هذه خصالك. ماذا كان يفعلها قبل أن ينزل عليه الوحي؟ ألهمه الله جل وعلا واصطفى على هذا الخلق منذ شبته، وكان يبذل الخير لمن حوله عليه الصلاة والسلام. ومن هنا إخواني في الله جاءت الأدلة الكثيرة أدلة على فضيلة هذه الصفات العظيمة في أن يكون المسلم في نفسه مفيدًا لغيره في بذله وعطائه وكرمه وسخائه. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم»، هذا الضابط تريد أن تعرف مقامك عند ربك جل وعلا، أنظر في منفعتك لغيرك. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تقضي عنه دينة أو تكشف عنه كربة أو كما قال عليه الصلاة والسلام: تقضي عنه دينة أو تكشف عنه كربة أو تدخل السرور إلى قلبه أو تطرد عنه جوعًا». ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم أربعة صفات وكلها من الأعمال متعدية في غيرك: تدخل السرور إلى قلب مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينة أو تطرد عنه جوعًا، هذه الخصال هذه الأعمال هي من أحب الأعمال إلى الله، أعمال محبوبة محمودة لما فيها من إيصال خيرك إلى غيرك يا عبد الله. إخواني في الله لست في صدد ذكر تتبع فضائل هذه الأعمال، لا، لكن قصدي من ذكر هذه الخلال والخصال أن نعلم أن من أهداف رمضان ومن تشريعات رمضان أنه جاء لينمي، ينمي هذه الخلة والخصلة فينا، في أن تكون أيدينا ممدودة إلى غيرنا. ومن ذلك من خلال النظر إلى هديه صلوات ربي وسلام عليه كيف كان حاله في شهر الصيام، فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل بالقرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة»، هو صلوات ربي وسلام عليه قد بلغ في الجود مبلغًا ما هناك أحد يزاحمه ولا ينافسه، هذا في كل حياته، لكن إذا دخل رمضان فإن جوده يتضاعف عليه الصلاة والسلام. وأجود ما يكون في رمضان، حتى أن ابن عباس وصفه: «أجود من الريح المرسلة»، من شدة كثرة عطائه وسخائه وبذله عليه الصلاة والسلام. وجاء في رواية: «كان رسول الله أجود الناس في رمضان»، أجود الناس في رمضان عليه الصلاة والسلام. إخواني في الله من خلال النظر إلى هذه الحالة التي كان عليها نبينا في رمضان سارع السلف، سارع الأئمة، سارع العلماء، سارع العباد والزهاد إلى بذل الخير في هذا الشهر بالذات، وذلكم لعدة أمور، الأمر الأول امتثالًا واقتداءًا واتصافًا برسول الله عليه الصلاة والسلام، فنحن في رمضان ينبغي أن نسير على ما سار عليه نبينا، نأخذ من سمته ومن هديه، وكان من أمره ما كان من بذله وعطائه، علينا إخواني في الله أن نأخذ شيء من هديه اقتداء برسول الله. الأمر الثاني استغلالًا لمضاعفة الأجور في هذا الزمان، فهذا الزمن شريف منيف، ومن شرفه أن الأجور فيه تتضاعف، ومن تلكم المضاعفة ما يكون في النفقة وما يكون في الصدقة وما يكون في الجود، ولهذا قال بعض السلف: إذا دخل رمضان انبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة، انبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة، يحث طلابه، أتباع وكعامة الناس على البذل، لأن هذا مغنم الذي تبذله في رمضان ليس كالذي تبذله فيما سواه ولا فيما عداه. الأمر الثالث الذي لأجله تنافس الناس على البذل في رمضان لسد حاجة الصائمين والقائمين، كهذه الأزمان يأتي علينا رمضان وكلنا بهجة وفرح وسرور، لكن من الناس من لربما يفرح يظهر الفرح لكن في ظاهره، وفي باطنه عنده من الأسى والحزن لقلة ذات يده ولقلة ما عنده، تراكمت عليه الهموم والغموم والديون. فالناس يتفرغون ظاهرا وباطنا، لكن إن تفرغ ظاهرا فقلبه مشغول بهذا الكرب الذي تحمله في هذا الشهر، ولهذا كان من الحكمة في رمضان أن الناس يعين بعضهم بعضًا، يفتح المجال للصدقات، للبذل والعطاء، يعطى هذا ويعطى هذا ويعطى ذاك، حتى يأخذ المسكين هذه الصدقة فيجتمع معه الفرح برمضان والفرح بصدقته، فيتفرغ بعبادة ربه. ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: «وأحب للرجل الزيادة في الجود في رمضان اقتداءًا برسول الله ولحاجة الناس إلى مصالحهم»، رحمه الله، حاجة الناس الناس في رمضان تأتي عليهم حوائج يحتاجون إلى من يعينهم، ولهذا كان من حكمة الله أن الجود يزداد في رمضان. رابعًا من العلل والحسي والترغيب على الجود في رمضان أن يكون يا عبد الله في حقك أنك استطعت أن تجمع أبواب الخير، إذ أن أبواب الخير تقوم على ثلاثة أعمال: الصيام، وصلاة القيام، والنفقة، هذه أبواب الخير، الصيام والقيام والنفقة، يدل على ذلك ما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن النبي قال له: «ألا أدلك على أبواب الخير؟»، وتأمل لهذه الصفات: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار»، وأما كما تطفئ الماء النار، «وصلاة الرجل في جوف الليل»، فأرشد نبينا معاذًا إلى أبواب الخير الثلاثة: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل. وهذه الأعمال الثلاثة ما تتسنى لك يا عبد الله إلا في مثل هذا الشهر المفضل، فأنت في رمضان صائم، وأنت في رمضان قائم، بقي الخصلة الأخيرة الإنفاق، تنفق يا عبد الله. إخواني في الله بعدما علمنا العلل الذي لأجلها الإنسان يسارع إلى الجود والكرم والعطاء والسخاء وبذل الندى في رمضان، لما سمعنا هنا أحب أن أشير إلى مسألة أشار إليها العلماء، ألا وهي صفة الجود الذي ينبغي أن نتحلى به في رمضان. لا تظن أن الجود عبارة عن حالة واحدة أو صفة واحدة، لا، هو عدة صفات، فمما أشار إليه العلماء من صور الجود ما يكون من الجود بالمال، بأن تخرج من مالك ما يكون فيه التمليك للفقير والمسكين والمحتاج، فيسدد به الدين ويرفع عن حاجته ويشتري ما يتعلق بلوازمه، هذا من الجود العظيم. كذلك من الجود ما يكون بالعلم، بالعلم وذلك بالتدريس والتعليم والتثقيف والتوجيه، فرمضان شهر المسائل والأحكام، شهر للعظة والاتعاظ، شهر المسائل كثيرة مما تخفى على الأنام، فهنا من أعطاه الله علما أعطاه الله فهما، فإن من أعظم الجود أن يبذل هذا الخير لغيره، يعلمهم ويوجههم، فإن ذلك من الجود العظيم. كذلك من صور الجود الجود بالنفس، لا بمالك، لا بعلمك، لكن بنفسك، من أنك تستقطع من وقتك وتفرغ من أجزاء ليلك أو نهارك في مساعدة غيرك، هذا قد تجده في رمضان، لربما الواحد منهم نعم، لربما يقرأ القرآن ثم يجد من بعض إخوانه من يجري من هنا ويجري من هنا، يحمل هذا الشيء وتحرك من هنا ويأتي بهذا، وتظل في نفسك يا عبد الله أن هذا قد ضيع وقته، لا، لا والله ما ضيع وقته، ما دام يسعى في حوائج الناس، فهو في عبادة، وعبادة عظيمة، لأن هذا جاد بوقته، جاد بوقته، جاد ببذره وعطائه. لربما تراه في سيارته، لربما تراه في المستودع، لربما تراه في المطبخ، لربما تراه هنا وهنا يسعى بوقته، يعطي للآخرين ما أعطاهم من ماله، ما أعطاهم من علمه، لكن أعطاهم من وقته، أعان هذا من أنواع الجود، فينبغي إخواني في الله أن نتفطن لمثل هذه المسائل التي يكون فيها البذل والعطاء والجود. إخواني في الله أخطب هذا المقام بتنبيهات في مسألة الجود والعطاء، ونحن نتحدث عن بذل الندى في رمضان، وكيف أن نبينا كان من أجود الناس في هذا الشهر المفضل. إخواني في الله ينبغي أن نعلم أن مسألة الجود والكرم والعطاء لا تتعلق فقط في مسألة الزكاة، بعض الناس إذا سمع مثل هذه الكلمات أو المحاضرات لربما طأطأ برأسه ويقول: الله أنا ما عندي الزكاة، إيش يعطي؟ الله كريم، الله كريم، ويغلق على نفسه باب بذل الندى والجود بحجة أنه ليس ممن يدفع الزكاة، لا يا عبد الله، ومن قال لك أن بذل الندى وأن الجود فقط ينحصر في المال الزكاوي؟ لا يا عبد الله، المال أو باب الجود أعظم من هذا وأوسع. فإنه يدخل في الجود، يدخل في بذل الندى ما يكون من الصدقة والنفقة، هذا من بذل الندى، يدخل في ذلك الهدية والهبة، هذا من بذل الندى، وهو نوع من أنواع الجود، يدخل في ذلك إطعام الطعام، إفطار الصائمين، الضيافة للآخرين، هذا كل وجود، به تزداد تزداد لك الأجور، فلا تغلق على نفسك يا عبد الله باب بذل الندى، بل كل واحد منا له القدرة على أن يطرق هذا الباب، ليس بالمال الزكاوي، بل بما هو أعم من ذلك. التنبيه الثاني أن بذل الجود والعطاء والكرم إخواني في الله ليس شرطه أن يكون بالمال الكثير أو بالمبلغ الثمين، لا يا عبد الله، بما تيسر، بل يمكن حتى الفقير أنه يكون من أهل الجود والكرم والعطاء، وذلك بأن يعطي بما يقدر عليه هو، بما يقدر عليه هو. أما سمعت قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، ليس تمرة، لا شق تمرة، بإمكانك بشق تمرة أن تدفع بها نار جهنم عن نفسك، وهل منا إخواني في الله من لا يقدر على تمرة؟ الحمد لله قد فتح الله على الناس ما هو أعظم من هذا بكثير، لكنه الحرص الحرص منا عدم الإخراج شيء من أموالنا إلى غيرنا، فاخرج عبد الله بما تيسر ولو قل. التنبيه الثالث إخواني في الله ينبغي أن تعلم يا عبد الله وأنت تسير في هذا المضمار في بذل الندى في باب بذل الخير والجود والعطاء، اعلم أن أولى الناس بهذا الباب من كان من أهلك وقرابتك وأرحامك، هم أولى بكل معروف من غيرهم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك، احرص يا عبد الله على الأولوية من أقرب الناس إليك، ثم وأنت تمضي إلى عامة الناس تعينهم بما استطعت من إعانة. إخواني في الله إن بذل الندى من المقامات العزيزة ومن المقامات العظيمة التي ينبغي أن نتحلى بها جميعًا، ولهذا لعظم هذا المقام كان من تشريع الله في رمضان أن ما من أحد يخرج عليه رمضان إلا ويدفع، ويدفع بماذا؟ بزكاة الفطر، لك مهلة من أول رمضان، أعطاك الله الخيار في أنك تسعى تعطي، تعطي، تعطي، فإن لم تعطي تأتيك زكاة الفطر تغصبك، تلزمك بالعطاء، حتى تتربى على أنك ترخي من يدك، إذا متى ماسك مضى عليك شهرًا كاملًا وما أخرجت شيئًا، لا، ما تترك على هذا، فما أن يأتي يخرج عليك رمضان إلا وتأتي زكاة الفطر وتضرب على يد الممسكين بأنهم يخرجوا صاعًا من قوت يومه، شاء أم أبى، شاء أم أبى، كل ذلك تربية وتهذيب لنا إخوان في الله على ضرورة أن نربي أنفسنا على ما يكون من بذل خيرنا إلى غيرنا. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.