مسائل رمضانيه 6

مسائل رمضانيه 6

الدرس في مسائل رمضانيه 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرط العقل في وجوب الصيام وحالات فقدانه

يتحدث عن أهمية العقل كشرط لوجوب الصيام واستثناء فاقدي العقل. يشرح حالات مختلفة مثل الجنون والزهايمر.

أحكام خاصة للمصابين بمرض الزهايمر والمسافرين

يفصل أحكام الصيام للمصابين بمرض الزهايمر حسب شدة المرض، ويشرح شروط إفطار المسافر في رمضان.

تفاصيل شروط إفطار المسافر وتوضيحات حولها

يشرح شروط إفطار المسافر في رمضان مثل كون السفر مباحا والخروج عن البلد، ويبين أن للمسافر الخيار بين الصيام والإفطار.

ختام الدرس والإشارة للمواضيع القادمة

يختتم الدرس بشرطي العقل والإقامة ويشير إلى المواضيع القادمة حول شرط القدرة والموانع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فبادئ ذي بدء، إخواني في الله، فهذا إعلان بمناسبة قرب حلول شهر رمضان المبارك علينا، فإنه يسر إخوانكم في دار الحديث بالشحر، في جامع التقوى، الإعلان عن دورة علمية توعوية متعلقة بهذا الشهر الفاضل. وهذه الدورة هي عبارة عن سلسلة محاضرات سيقيمها مشايخ الدار، بدءا من يوم السبت، وهكذا تتوالى الأيام، بين مغرب وعشاء، في هذا المسجد المبارك. وهذه المحاضرات هي عبارة عن توجهات ونصائح، منها ما يتعلق بالأحكام، ومنها ما يتعلق بالأخلاقيات، ومنها ما يتعلق بإرشادات يستفيد منها الصائم والصائمة، المسلم والمسلمة، الصغار والكبار، والذكور والإيناث. وكل ذلك في سبيل تثقيف المسلمين لأهم مسائل هذا الشهر الكريم. وستكون افتتاحية الدورة بإذن الله من يوم غد الجمعة، وذلك بمحاضرة يلقيها ثلة من المشائخ الفضلاء، وستكون هناك مشاركة من شيخنا الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر مرعي عبر الهاتف، بمناسبة افتتاح الدورة. وإن شاء الله ستأتي الإعلانات والمنصوصات التي ستوضح برنامج الدورة، وسيتم نشر ذلك عبر التواصل. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى. وعودا إخواني في الله إلى ما ذكرنا بصدده في دروس الظهر في معرفة شيء من أحكام الصيام. وذكرنا من أوائل هذه المسائل المهمة التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة التعرف عليها: من هم أهل الوجوب؟ فذكرنا أن أهل الوجوب هم من اتصفوا بستة الصفات: أن يكون المطالب بالصيام مسلما، بالغا، عاقلا، مقيما، قادرا، سليما من الموانع. وأشرنا في درس سابق حول شرطي الإسلام والبلوغ، وها نحن نستكمل شيئا من هذه الشروط، وهو الشرط الثالث: أن يكون المخاطب بالصوم عاقلا. فالعقل هو مناط التكليف، فلا تكليف لمن لا عقل له. يؤيد هذا المعنى ما جاء في السنن من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاث، ومنها: وعن المجنون حتى يفيق». فاستفاد العلماء أن من لا عقل له لا خطاب له، فلا صوم عليه. وهنا تأتي مسائل أذكرها سردا: من خرجوا بهذا القيد -المخاطب العاقل- من لا عقل له لا يخاطب. من هؤلاء؟ المجانين، فمن كان مجنونا قد ذهب عقله، ذهب لبه، فهذا لا يخاطب؛ لأنه لا يفهم الخطاب، فضلا عن امتثاله لهذا الأمر. فالمجنون لا يخاطب ولا يطالب. وكذلك يدخل في هذا الباب المخرف، المخرف هو من كبر سنه وطال عمره حتى ضعف عقله، فدخل في دائرة التخريف، فأصبح لا يميز الذي حوله. ومن عاصر وعاشر من أمثال هؤلاء يعرف هذا الكلام، يجد أن الإنسان المخرف خرج عن نطاق العقل، يتكلم بما لا يعرف ولا يفهم. فإذا بلغ الإنسان إلى مرحلة الخرف لكبر السنة، ألحقه العلماء بالمجنون، فهذا لا يطالب بالصوم. طبعا هذا سيكون له بحث آخر فيما يترتب عليه، منهم من يكلف بالقضاء، منهم من يكلف بفدية، منهم من لا يكلف بشيء. هذا سيأتي له فصل آخر. نتحدث الآن فقط عن من لا يطالب ومن يطالب، فالمخرف لا يطالب بالصوم؛ لأنه ممن يدخل في من ذهب عقله. كذلك مما يكون فيه التفصيل: المعتوه. المعتوه وليس مجنونا، المجنون تعرفونه، لربما يخرج بلا ثياب في الشوارع، لا يملك شيئا من ذرة عقل. المعتوه أحسن حالا، لكن العتة كما يقول العلماء هو درجات. فمن كان عتهه لدرجة أنه لا يميز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، لا يميز بين ماله ومال غيره، لا يفرق بين الخطأ والصواب، إذا كان المعتوه بهذه الدرجة من العتة، قال علماء: هذا يلحق بقسم المجانين، فلا نطالبه بالصوم. أما إذا كان معتوه وهو ناقص العقل، لكن يميز، يوجد بعض الرجل معتوه لكن يميز، يعرف أن الله خلقه، يعلم أن الله أمره بالعبادة، يعلم أن هذا موسم رمضان، وأن الله يطالبه بالصيام، يستطيع أن يميز بين ماله ومال غيره، يستطيع أن يميز مع وجود نقص العقل، لكن يميز. فإذا وجد التمييز هذا يلحق بالعقلاء، يؤمر بالصوم. هذا القسم الثالث: أصحاب العتة. الرابع: أصحاب الزهايمر، مرض معروف مشهور ظهر في الآونة الأخيرة وأخذ يستشري، نسأل الله السلامة والعافية. الزهايمر: فقدان الذاكرة، ما حكمه؟ من أصيب بهذا المرض، هل هو يلحق مع قسم المجانين فيؤمر، أو مع قسم العقلاء فيلزم؟ الصحيح في مسألة الزهايمر كما مر في مسألة المعتوه: لا بد من التفصيل. فإن كان هذا المرض -الزهايمر- استحكم بصاحبه، بحيث ينسى، بل ينسى أبجديات الحياة، لربما إن تكلم الآن فقط أدار رأسه ثم رجع، نسي الذي قاله: «إيش الذي قلت؟ أعد». أصبح تصرفاته كتصرفات المجانين، يخبر على أن اليوم رمضان، فقال: «آه رمضان، أنا مفطر، أنا صائم». يصوم، ما إن يدخل إلى بيته يفتح الثلاجة ويشرف، نسي أن اليوم رمضان. فإذا كان الإنسان صاحب الزهايمر بهذه الصورة، سريع النسيان، لا يستحضر الأوامر والنواهي، فهذا قال علماء: يراعى في أمره، فلا يؤمر بالصوم. أما إذا كان مسألة فقد الذاكرة لأشياء يسيرة، بعض الإنسان ينسى، يضع جواله في مكان أو المفاتيح في مكان ثم ينسى أين وضعها، هذا نسيان لكن قليل، فهذا نسيانه لا يضره في إيجاب الصوم والطاعات والعبادات عليه. هذا خلاصة ما يذكره العلماء في هذا المرض في مثل هذه الأزمان. مسألة أخيرة في موضوع زوال العقل: ما حكم من يزول عقله ويرجع؟ يوجد إنسان، الصورة الأولى: المجنون، ومن يسميه العلماء بالجنون المطبق، الجنون المطبق هو الذي يستمر على وتيرة واحدة من زوال العقل، مجنون محكوم عليه بالجنون إلى أن يشاء الله وإنه يتوفاه الله، هذا يسمى مطبقا. لكن هناك جنونا آخر يسمى جنونا منقطعا، قد يظهر كثيرا، مثلا في مسألة الطبقة الثانية: الخرف، تجد الكبير في السن، في يوم من الأيام يتكلم، يهذي بما يعرف وبما لا يعرف، خرج عن نطاق التكليف، لكن في يوم آخر تجده بعقله، ببرزانته، بما نعرفه من حصافته وكلامه. كف وكفلان، كيف حالك؟ طيب. فعقله يأتي ويذهب، يأتي ويذهب. كيف التصرف؟ التصرف مع وجود العقل: إن جاء عقله أمر بالطاعة وألزم بالصيام، وفي اليوم الذي يذهب فيه عقله لا يخاطب بشيء. وهكذا تحسب عليه الأيام، تحسب عليه أيام بذهاب العقل وانصرامه وانصرافه. هذا إخواني في الله ما يتعلق بمسألة شرطية العقل. الشرط الرابع: أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، مقيما. شرط الإقامة شرط من شروط الصيام، فإذا كان الإنسان مقيما مع باقي الشروط، فإنه يطالب بالصوم. والدليل على ذلك ما جاء في قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فمن شهد منكم الشهر، شهد من كلام العلماء في مسألة الشهود، ومن صفات الشهود بمعنى الحضور، أي: من حضر هلال رمضان، هذا وجب عليه الصوم. فبهذا الحضور وبشرط الإقامة، من الذي خرج؟ خرج المسافر، المسافر لا يطالب بالصوم. دليله كما قال سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فأسقط ربنا سبحانه وتعالى المطالبة والخطاب بالصوم في حق المسافر، فالمسافر لا يطالب. لكن المسافر لا يطالب بالصوم إذا توفرت فيه ثلاثة شروط. ثلاثة شروط ينبغي أن يراعيها المسافر حتى يترخص برخصة الفطر في نهار رمضان. الشرط الأول: أن يراعي المسافر ليس كل خروج سفر، واختلف العلماء في ضابط الخروج الذي يعد سفرا، فهم على مذهبين: مذهب من قاسه قياسا بالمسافات، وأقوال المعاصرين تذهب ما بين سبعين كيلو إلى ثمانين كيلو، هذا من بعض أقوال المعاصرين في مثل هذه الأزمان. من ذهب إلى سبعين كيلو، ثمانين كيلو، هذا يعد سفرا. والمذهب الثاني: من لم يراع المسافة، وإنما راع العرف، قال: ما عندنا مسافة، وإنما نراعي العرف، إذا تعرف الناس على أن الانتقال من بلد إلى بلد آخر يعد سفرا، فهو مسافر. قال: وهذا مذهب سهل ميسور، يعود فيه الأمر ليس إلى أهوائنا ولا إلى أذواقنا. نحن مثلا عندنا في بلادنا، عندنا بلدان قريبة، بلدان مثل الحامي قريبة مننا، هل يعد من انتقل من هنا إلى الحامي مسافرا؟ العرف ما تعرف على هذا، ما نسميه سفرا، فهذا إذن لا يعد، إذن ما الذي يعد؟ يعد ما درج عليه العرف واللسان على أن الانتقال من هنا إلى تلك البقاع سفر، فهو سفر، بغض النظر عن المسافة. إذن هذا الشرط الأول: لا بد للمسافر أن يراعي لفظ السفر، وهذا كما يقولون على مذهبين: إما بمسافة، أو بعر. الشرط الثاني: أن المسافر يترخص بفطره بسبب سفره، بشرط أن يخرج من حدود بلده. أراد أن يسافر، أراد أن يعتمر، مثل هذه الأيام في أيام رمضان، مثلا رجل عنده رحلة، موعد السفر بعد صلاة الظهر، سيسافر سفرا إلى المملكة، السفر لا أشك في ذلك ولا ريب، لكن متى التحرك؟ بعد الظهر. أين التحرك من بلادنا؟ هل يجوز الآن -مثل وهو في الباص- أن يتناول الغداء أو يأكل في بيته بحجة أنه مسافر اليوم؟ لا، لا يترخص، متى يترخص؟ إذا خرج عن البنيان، إذا فارقت البلاد وخرجت عن حدود البلاد، حينها وأنت في الطريق ابدأ يكون لك الشروع في الترخص برخصة الفطر. الشرط الثالث: أن لا يكون هذا السفر الذي اتخذته حيلة، حيلة لإسقاط الصوم، وهذا يفعله أهل الحيل. رجل أراد اليوم -اليوم بعينه- أراد أن يفطر، ففكر، فكر، فكر، قال له من يعرف في باب الفتاوى: قال: نعم، إذا أراد أن تفطر ترخص، قال: بيش من رخصة؟ قال: سافر، سافر، يذهب إلى أين؟ مثلا إلى حدود المهرة، بلاد المهرة تعد سفرا، فيحرك سيارة يذهب إلى حدود بلاد المهرة، ساعة زمان، ثم يرجع، يقول: أنا مسافر. فعلى هذا: لماذا هل للحاجة للسفر؟ لا، إنما أراد أن يحتال. والقاعدة عند علمائنا أن الحيلة ما تزيد الفعل إلا حرمة، ما تزيد الفعل إلا حرمة. هذه أشوى الثلاثة ينبغي أن يتأملها كل من أراد أن يترخص بسفره لكي يفطر في نهار رمضان: أن يراعي ضابط السفر، وأن يراعي الخروج من حدود البلد، وأن لا يكون السفر حيلة لإسقاط الصوم. طيب إذا كان المسافر توفرت فيه هذه الشروط الثلاثة، فحينها له أن يفطر، لقول ربنا عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. مسألة: ما لو أن المسافر وهو مسافر أراد أن يصوم، أراد أن يصوم. مثاله كما أسلفنا في قصة من جاءه سفره عمره في نهار رمضان، أراد أن يسافر في الظهر، وهو في الباص، قال: ما سأفطر الآن، ظهر، وأنا صائم، ما هي إلا خمس ساعات وسيؤذن المغرب في الطريق، أنا سأكمل صومي، ما سأفطر، ولا أترخص برخصة السفر، هل له ذلك؟ الجواب: نعم له ذلك، يجوز للصائم في حال سفره أن يصوم إذا أراد. وقد ثبت ذلك في الصحيحين على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في أسفاره. بل ثبت كذلك في الصحيحين من حديث أنس وغيره على أنهم كانوا في سفر مع رسول الله، فمنهم الصائم ومنهم المفطر، فما كان يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، الأمر فيه سعة. فلا إشكال أنك تجد في الباص مثلا الصائم والمفطر، لا أحد يعيب على الثاني، لا: «يا أيها الصائم، لا تعيب على المفطرين»، يقول: «إيش ليش تفطرون؟ ليش تفطرون يا أخوة؟ وما حمد الله». لا أخي، ساعات أخوة، وأنتم في... لا، لا تعيب، ولا أن المفطر يعيب على الصائم، يقول: «إيش الشدة هذه يا أخي؟ ليش الشدة هذه؟ الله الدين رخصة، والدين يسر، لا تشق على الناسك وعلى الناس، لا، لا أحد يعيب، الكل يطبق لسانه في فمه، ودع الناس، والأمر فيه سعة، وفعل كما فعل الصحابة، فما كان يعيب هذا على هذا ولا هذا على هذا، الأمر بالخيار». إلا وانتبه للمسألة الثالثة، وما بعدها مهم لك يا أيها المسافر: أن تصوم في سفرك بشرط أن لا يشق الصوم عليك، فإذا بلغ أن صومك في سفرك أدى إلى الضرر بك، هنا وجب عليك أن تفطر. إذا كان أن بعض الناس يصوم فوجد التعب، وجد الإنهاك، وجده مغمى عليه، ما به؟ قال: عنده هبوط طب، يا أخي، كل، قال: لا، أنا صائم، ما هي أنفع الصوم يا عبد الله؟ نبينا صلى الله عليه وسلم في سفره وجد رجلا قد ظلل عليه -أي: ظلل عليه الناس بالظلال- قال: «ما شأنه؟» قالوا: صائم، قالوا: صائم، لكن انظر أين أوصله صومه؟ إلى التعب، إلى أن انشغل بنفسه وأشغل الناس معه، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في سفر». هذا ليس من البر، وهنا فحول الخطاب في هذه الحادثة المعينة. فمن وجد أن صوما يشق عليه، ينبغي أن يفطر، ينبغي أن يفطر. هذا إخواني في الله خلاصة هذه المسائل التي أذكرها في هذا الشرط. إذن تكلمنا في درس اليوم حول شرطي العقل وشرط الإقامة، وبقي إن شاء الله معنا شرط القدرة، وهكذا السلام من الموانع، يترك هذا في دروس قادمة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.