المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل أبو سالم محمد باعباد، والتي كانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية يوم الجمعة 5 شوال 1443هـ الموافق 6 مايو 2022م ألقاها منوع
يحث الخطيب على مواصلة الطاعات بعد انقضاء رمضان محذراً من التراجع عن صلاة الجماعة وهجر القرآن والعودة للمعاصي. ويؤكد أن عمل المؤمن لا ينقطع إلا بالموت وأن قبول الأعمال مرهون بعدم الرجوع إلى المعصية.
يحذر المقطع من العودة إلى المعاصي بعد رمضان لأنها تمحو أثر العبادة وتعرّض الأعمال للرد. ويبين علامات قبول الطاعات كالتوفيق لعمل صالح بعده ومحبة الطاعة مع التحذير من العجب والغرور.
يحذر من مبطلات خفية للأعمال كالكبر والرياء التي تحبط الأجر يوم القيامة. ويؤكد أهمية الإكثار من الاستغفار بعد العبادات لجبر النقص والتقصير مستدلاً بآيات الحج والصلاة وقيام الليل، ويختم بالدعاء بقبول العمل اقتداءً بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
يختتم المتحدث بالدعاء لله أن ينفع الحاضرين بما سمعوا. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله القائل: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾، والقائل جل وعلا: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾، وأصلي وأسلم على نبينا محمد القائل: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». نحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، الذي هيأ لمثل هذه الاجتماعات واللقاءات، والتي تؤكد وتوثق أواصر المحبة والإخوة بين الإخوة، لا سيما من أهل السنة والجماعة. ونشكر لإخواننا القائمين على إتاحة مثل هذه الاجتماعات في بلادهم، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في جهودهم وأن يوفقهم إلى كل خير. أما نصيحتي فهي استكمالا لما سمعناه من كلمة الشيخ الفاضل عمر باجبير حفظه الله تعالى، فيما يتعلق بالمحافظة على أعمالنا الصالحة، لا سيما وأننا كنا في رمضان قد عملنا أعمالا كثيرة، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبلها. ولهذا ننبه أنه إن انقضى شهر رمضان، فإن عمل المؤمن لا ينقضي ولا ينقطع إلا بالموت. حق الله تبارك وتعالى لا ينقطع إلا بالموت، يقول ربنا جل وعلا: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾. فالواجب علينا أن نحافظ على الأعمال الصالحة، والتي هي رأس مالنا، ولا نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا. وإن الناظر في أحوال الكثير من المسلمين، إلا من رحم الله، يجد مظاهر لنقض العهد، لنقض العهد مع الله تبارك وتعالى، القائل: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا ﴾. فإن من مظاهر نقض العهد ما نراه من بعض المسلمين، هدانا الله وإياهم، من تركهم المحافظة على صلاة الجماعة. فبعد أن كانت هذه المساجد مكتظة ومتلئة بأعداد المصلين، رأينا في هذه الأيام كيف بدأ العدد يتناقص شيئا فشيئا، وكأنهم يعبدون رمضان لا يعبدون الله تبارك وتعالى. ومن مظاهر نقض العهد انشغالهم ورجوعهم مرة أخرى إلى ما كانوا عليه من الأفلام والمسلسلات والمباريات وبرامج التواصل الاجتماعي، مع هجرهم وتركهم لقيام الليل وقراءة القرآن. فما هكذا تشكر النعم، وما هكذا يشكر ربنا تبارك وتعالى الذي وفقنا لصيام شهر رمضان وقيامه. كما سمعتم، كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يدعون الله تبارك وتعالى ويسألونه ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا بلغهم رمضان دعوا ربهم ستة أشهر أن يتقبل منهم. ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أسبابا يجب على العبد أن يأخذ بها، وهي ما تسمى بأسباب قبول الأعمال. من أعظم هذه الأسباب، نظرا لضيق الوقت، عدم الرجوع إلى المعصية مرة أخرى. عدم الرجوع إلى المعصية مرة أخرى، فإن الرجوع إلى المعصية مرة أخرى وقد تركتها في رمضان... قال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: «من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه على أن يرجع إليها ويعود، فإن صيامه مردود، وباب القبول في وجهه مردود». وقال العلامة الفوزان حفظه الله تعالى: «إن الذين يرجعون إلى المعاصي بعد رمضان، كأنهم يريدون أن يمحوا أثر العبادة من قلوبهم. إن الذين يرجعون إلى المعاصي بعد رمضان، فكأنما يريدون أن يمحوا أثر رمضان وأثر العبادات من قلوبهم». وهكذا من هذه الأسباب ما سمعتموه في كلمة الشيخ الفاضل عمر باجبير، وهو الخوف من عدم قبول الأعمال الصالحة. هذه الأعمال التي نقوم بها، ربنا تبارك وتعالى غني عنها، قال جل وعلا: ﴿ إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾، لأنه ﴿ مَن عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾. فنحن نعمل الأعمال الصالحة ونكون خائفين من عدم قبول هذه الأعمال، كما سمعتم في الكلمة المتقدمة. وهكذا من أسباب قبول الأعمال: أن الله تبارك وتعالى يسر لك عبادة أخرى بعد العبادة التي كنت بصددها. فمثلا: إذا صمت رمضان ثم بعد ذلك صمت ستا من شوال، فإن ذلك دليل على أن الله جل وعلا قد قبل منك ذلك العمل. قال العلماء رحمه الله تعالى: إذا قبل ربنا تبارك وتعالى العمل من عبده الصالح، فتح له بابا آخر من الأعمال الصالحة. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾. ومن علامة قبول الأعمال: أنك تحب هذه الطاعة. فإذا رأيت من نفسك حبا لهذه الطاعة، فاعلم أن الله جل وعلا قد قبلها منك. ولهذا كان من دعاء المؤمنين: «حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين». وقال جل وعلا: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾. وهكذا من هذه الأسباب، أسباب قبول الأعمال: عدم العجب والغرور بما قمنا به من أعمال صالحة. ربما يأتي إلينا الشيطان فيزين لنا هذه الأعمال التي قمنا بها، ويقول لأحدنا: معك رصيد من الحسنات، وقد غفر لك في هذا الشهر من الصيام ومن القيام، فلا يزال به الشيطان حتى يترك هذه الطاعة. ربنا جل وعلا يقول لنبيه: ﴿ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾. فاحذر أيها العبد من مبطلات الأعمال الخفية. هناك مبطلات للأعمال، وهذه المبطلات خفية: منها العجب، ومنها الغرور، والرياء. تأتي يوم القيامة كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾. يظهر لك يوم القيامة ما لم يكن في الحسبان، ما لم يكن على البال. أنت عملت أعمالا صالحة ثم أخذت تتمنن على الله تبارك وتعالى فأحبطت هذه الأعمال وأنت لا تشعر. تأتي يوم القيامة، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. وهكذا من هذه الأسباب: كثرة الاستغفار. كثرة الاستغفار، لا شك ولا ريب أن الأعمال الصالحة التي نقوم بها يعتريها ما يعتريها من النقص والتقصير. ولهذا أرشدنا ربنا تبارك وتعالى إلى الاستغفار، إلى الاستغفار، وذلك لتكملة ما كان فيها من نقص. قال ربنا تبارك وتعالى في شأن الحج: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. وهكذا في شأن الصلاة: بعد أن ننتهي من الصلاة مباشرة، بعد التسليمتين، ماذا نقول؟ أرشدنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نقول: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله». لماذا؟ ماذا فعلنا في الصلاة؟ اغتبنا، سبينا، لعن، شتم؟ أبدا. ولكن كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها». قال أهل العلم: لم يقل عليه الصلاة والسلام أن الصلاة ستكتب لك كاملة، معناها فيها ما فيها من النقص، فيجبر ذلك بالاستغفار. وهكذا في شأن قيام الليل: قيام الليل أعظم العبادات فيما يتعلق بالتطوع، أفضل العبادات في التطوع بعد الفرائض. ومع ذلك حثنا ربنا تبارك وتعالى على الاستغفار بعدها مباشرة: ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾. حياة نبينا عليه الصلاة والسلام كانت عامرة ومليئة بالعبادات، ومع ذلك أمر ربنا جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام أن يختمها بالاستغفار: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾. ومن هذه الأسباب، ونختم بها: الدعاء. أن ندعو الله تبارك وتعالى دائما أن يتقبل منا صالح الأعمال. إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، عندما قاما ببناء البيت، وهذا البيت قد أمرهم ربنا تبارك وتعالى ببنائه، ومع ذلك: ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. فعلى إخواني في الله أن نحرص على الأخذ بهذه الأسباب، فإنها أسباب قبول الأعمال. نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين.