الدرس في ظاهرة الفتور في رمضان 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الخطيب بالحديث عن أهمية جهاد النفس في شهر رمضان لاستمرار الطاعات والعبادات، حيث إن النفس البشرية تميل إلى الشهوات والملذات. يشير إلى أن جهاد النفس هو الجهاد الأكمل وأول مرتبة من مراتب الجهاد.
النفس تحتاج إلى مجاهدة في رمضان لمواجهة الفتور والوساوس، يجب على الإنسان أن يجاهد نفسه ليلزمها بالطاعات ويبعدها عن المعاصي. هذه المجاهدة مرحلة مؤقتة تعود النفس بعدها على الطاعة.
يتحدث عن أهمية مجاهدة النفس في أداء الطاعات واكتساب العادات الحسنة، ويشير إلى أن النعيم واللذة لا يدركان إلا بالمشقة والتعب. يستشهد بقول ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا السياق.
يُنصح المؤمن بالاستعداد لرمضان بمجاهدة نفسه والاستعانة بالله لزيادة الطاعة والقدرة على العبادة. يُطلب من المؤمن أن لا يُعطي نفسه ما تشتهيه وأن يستعين بالله في ذلك.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فهذا تذكير إخواني في الله بالمجلس الثاني من مجالس بين يدي رمضان، والمقام بعد صلاة المغرب في هذا المسجد المبارك، والتي ستكون بعنوان أخطاؤنا في رمضان. واستئنافًا لما نحن بصدده في مثل هذه الأوقات في ذكر ظاهرة الفتور، والتي تدب خصوصًا في أيام شهر رمضان، حيث نجد أن من الصائمين والصائمات، ومن المسلمين والمسلمات، من لربما في بداية رمضان يشمرون عن ساعد الجد، ثم ما يلبثوا إلا ويدب فيهم الفتور والتقاعس والتخاذل عن الطاعة والعبادة. فالتمسنا هذه الظاهرة فيما نشاهده فيما مضى من سنوات، وما نجده في مساجدنا، فأشرنا إلى بعض الدوافع التي انخرط عليها المسلم، كان ذلك من أعظم الدواعي على الاستمرار في الطاعة والعبادة في أيام رمضان من أوله إلى خاتمته. ومما مضى معنا إخواني في الأول: ما يكون من استشعارنا بعظيم الفضائل والأجور التي أعدها الله في أيام شهر رمضان الكريم. ثانيًا: ما يكون من الاستعانة بالله، فإنه من استعان بالله على طاعاته وعلى مرضاته أعانه الله. ثالثًا: وهما سنقف عندهم في هذا المقام، مما يعين إخواني في الله على استمرارنا على الطاعات والعبادات، ما يكون من مجاهدتنا لأنفسنا. جهاد النفس علينا أن نعلم إخواني في الله أن النفس البشرية، وهي التي بين صدورنا، والتي بين جنوبنا، هي في الحقيقة جُبلت على الدعاة وعلى السكون وعلى الميل إلى الشهوات والملذات، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الآيات. ولهذا يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «النفس مجبولة على حب الهوى». وقد قال بعض السلف رحمه الله: «أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب جل وعلا»، النفس تكون أمارة ضعيفة. فإذا أراد المسلم أن يرتفع عن هذه المنزلة الدنية، فيحتاج إلى جهد ويحتاج إلى مقاومة ويحتاج إلى جهاد مع نفسه لكي ينتشلها من الحضيض، لكي ينتشلها من هذا المقام، وهذا يحتاج إلى جهاد. وأي جهاد؟ يقول عليه الصلاة والسلام: «المجاهد من جاهد نفسه لله»، رواه أحمد في مسنده وأورده الألباني في الصحيحة. «المجاهد من جاهد نفسه لله»، نفسك تحتاج إلى المجاهدة، جاهدها، جاهدها على الطاعة وعلى العبادة ولله. ولهذا علق ابن البطال رحمه الله على هذا الحديث فقال: «وجهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل»، أعظم جهاد أنك تجعل المقاومة فيما بينك وبين نفسك، جاهدها، عدلها، قومها، سددها. قال: «وجهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل». وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في الزاد عندما ذكر مراتب الجهاد، ذكر أول مرتبة: «جهاد المرء نفسه»، هذه أول مرتبة، ومن ثم كل أنواع الجهاد يقوم على هذه المرتبة الأولى، هي اللبنة الأولى أن تجاهد نفسك إخواني في الله. في رمضان النفس تحتاج إلى مجاهدة لا شك ولا ريب، وصحيح أن الشياطين في رمضان قد صُفدت، وقد سلسلت وغلت، لكن المردة منها سلسلوا، لكن بقي من بقي من دونهم، من دونهم لا زالوا، هؤلاء في وفيك يوسوسون ويتلاعبون بعواطفنا، بهواجسنا، يأمروننا بفعل ما لا يرضي ربنا في أيام صومنا. كذلكم هناك النفس الأمارة بالسوء لا زالت باقية طليقة، فلا زالت تجرنا إلى ما لا يرضي ربنا. هناك قرناء السوء هم لا زالوا عن يميننا وعن شمائلنا. وهكذا قس عوامل عدة لا زالت طليقة في رمضان، هؤلاء هم من أسباب الفتور، هؤلاء هم من أسباب الفتور، مما يضعفونك عن سيرك إلى الله جل وعلا، وأنت في رمضان، فلربما تصلي قليلًا ثم تضعف، أو تذكر الله في بداية رمضان ثم تفتر، أو تقرأ القرآن وما تكمل، تأتيك هذه العوامل، ومنها النفس، هنا ما الذي يأتيك؟ ما الذي تحتاجه؟ إلى الجهاد، جاهد نفسك، جاهدها. والجهاد بمعنى الكلمة، إذا رأيت مثلًا أن نفسك تدعوك إلى النوم على حساب أنك لا تصلي التراويح والقيام، جاهدها والزمها بقيام الليل والتراويح إلزامًا. قومي، قومي. وإذا رأيت نفسك مثلًا أنها تدعوك إلى أن تنشغل بالقيل والقال ومتابعة الأخبار والجوال على حساب أنك لا تقرأ القرآن، اعصها، جاهد نفسك والزمها بقراءة القرآن، ورد من القرآن تقرأه في اليوم والليلة في أيام صومك، جاهدها على هذا. وإذا رأيت نفسك مثلًا أنها تجرك إلى الخارج، تقول لك: اخرج مع فلان وفلان إلى الأسواق وإلى الدكاكين وإلى العروضات وإلى ما يذكر في الأسواق من البضائع والسلع التي تعرض فيها مناسبات الأعياد، على حساب أنك لا تمكث في بيت من بيوت الله، جاهدها. وهكذا يا عبد الله، دواليك جهاد، جهاد، جهاد مستمر ونضال، ولا تترك لنفسك العواهن، لأن النفس أمارة بالسوء، إذا تركتها على مشتهاها فإنها ما تجرك إلى هذه الحالة الدنية، لا صلاة، لا قيام، لا طاعة ولا عبادة. إذا تركت نفسك وهنا مسألة إخواني فلأشير إليها، واعلم يا عبد الله: صحيح أن هذه المسألة تحتاج إلى كبد، تحتاج إلى عنت إلى مشقة، لكن يا عبد الله هي مرحلة، مرحلة زمنية لن تدوم طويلًا، النفس عودها، فإذا عودتها تعتاد. والنفس كالطفل، إن تهمله على حب الرضاع، شبه على حب الرضاع، وإن تنفطمه ينفطم. النفس كالطفل، طفل إذا تركته على الرضاع، شبه على حب الرضاع، وإذا فطمته من فطم، فأنت الذي تسيره، ونفسك التي بين جنبيك أنت التي تسيطر عليها، لا هي التي تسيطر عليك. ولهذا يا عبد الله افهم ما تجده، ما تراه من أحوال المصلين، من أحوال القائمين، من أحوال الذاكرين لله جل وعلا، اعلم أن هؤلاء قد مروا بمرحلة من المجاهدة، كل واحد والله كل واحد مر على مرحلة بمجاهدة بينه وبين نفسه، حتى رباها، حتى سددها، حتى قومها، حتى أصبحت بالذي أنت تراه. لا تظن أن هذا المصلي خرج من بطن أمه مصليًا، أو أن هذا القائم خرج من بطن أمه قائمًا، أو ذاك الذي قرأ، أو ذاك الذي جلس في موائد العلم، كان ذلك في صغره، لا، هؤلاء مروا بالذي تمر عليه أنت الآن. يقول بعض السلف: «عالجت نفسي على قيام الليل سنة، فتنعمت بها عشرين سنة»، عالجت أي عانيت، عانيت مع نفسي سنة كاملة على ماذا؟ عالجها على قيام الليل، يجاهدها: قومي، قومي، تقوم وتنام، تقوم وتنعس، تقوم وتكسل. قال: «سنة كاملة، لكن لما طعمت العبادة وتعودت على العبادة أصبحت سجية»، قال: «عالجت نفسي سنة على قيام الليل فتنعمت بها عشرين سنة». وهكذا يا عبد الله، ما ترى هؤلاء المصلون مثلًا الآن أصبحت الصلاة عندهم شيء روتيني، من أين جاء هذا الروتيني؟ لأنهم عودوا أنفسهم على الصلاة، الصلاة، الصلاة، فأصبحت هذه تجري في عروقهم من غير كلفة. أنت الآن في بداية مراحل تحتاج يا عبد الله إلى شيء من المشقة، وهكذا قل يا من يدخل عليك رمضان، ستطرق أبواب العبادات ما كنت من قبل قد طرقتها، ستجد العنت، ستجد التعب في قراءة القرآن، تجد التعب في صلاة التراويح، تجد التعب في قيام الليل، تجد التعب في ملازمة حلقات العلم، تجد كذلك البخل والضن بمالك من أجل النفقة وإفطار الصائمين، ستجد هذا كله. لكن إذا اعتدت مع المجاهدة دائمًا وأبدًا، دائمًا وأبدًا، والله ستجد أن نفسك هي الذي ستجرك إلى هذه العوامل. ومصداق ذلك في قول ربنا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وعد الله أنك قم بالأمر الأول، وستجد أن الله أدى إليك الأمر الثاني، قم بالجهاد، فإن جاهدت نفسك حق الجهاد على ترويضها على تعليمها، حين ستجد أن الله يفتح لك أبواب الخير. لكن جاهد نفسك. وأختم هذا المقام إخواني في الله بكلام بديع عن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو يلخص لنا هذا الكلام بكلام مفاده أن قال رحمه الله تعالى: «المصالح والخيرات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، وأجمع عقالاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه على قدر صعوبة الأهوال يجد العبد اللذة والسعادة». تأمل بهذا الكلام: «النعيم لا يدرك بالنعيم، ومن آثر الراحة فاتته الراحة»، إما هذا وإما ذاك. «وأنه من لم يدرك ويصعد ويركب الأهوال، ما يسأل أن نشعر باللذة والسعادة». ثم قال رحمه الله تعالى: «فلا فرح لمن لا ألم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، وإن العبد إذا تعب قليلًا استراح طويلًا»، ما أجمل هذا الكلام. فاعلم يا عبد الله هذا علم اليقين، فإنه إذا أردت الفرحة ستكابد المصاعب، أردت اللذة ستتعب، أردت النعيم لابد أن تقاسي المشاكل والأزمات. وأن العبد إذا تعب قليلًا فإنه سيرتاح طويلًا. وهذا إخواني في الله عظيم المقام المتعلق بمقام المجاهدة. فيا عبد الله، يا من سيدخل عليك رمضان وأنت تود أن الله عز وجل يمدك بالطاعة والقدرة والنشاط والهمة، ابدأ هذا بنفسك مستعينًا بالله، وجاهد نفسك، فلا تعطيها مشتهاها ولا هواها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.