عدة الباحث فيما تعلق باليوم الآخر من المباحث 5

الدرس في عدة الباحث فيما تعلق باليوم الآخر من المباحث 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهوال يوم القيامة: دنو الشمس وعرق الناس

يتناول المقطع دنو الشمس من الخلائق يوم القيامة حتى تكون على قدر ميل، مما يجعل الناس يعرقون على قدر أعمالهم. كما يذكر سبعة أصناف يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم الإمام العادل ومن قلبه معلق بالمساجد.

أحوال الحشر يوم القيامة وتميز أمة النبي

يصف المقطع مشاهد الحشر حيث يظل الله سبعة أصناف من المؤمنين، وتتميز أمة النبي بموقف عالٍ وحلة خضراء. بينما يحشر الكفار على وجوههم عمياً وبكماً وصماً، وتقدر مدة اليوم بخمسين ألف سنة، ويعذب مانع الزكاة بصفائح من نار.

أحوال الكفار وعصاة الموحدين في الحشر

يبين المقطع كيف يُحشر الكافر على وجهه ذلاً ومهانة لرفضه العبادة، ويُفصّل أحوال عصاة الموحدين كالمتكبرين الذين يُحشرون أمثال الذر. كما يذكر جزاء آكلي أموال الناس بالباطل والغادرين الذين يُرفع لهم لواء يفضح غدرتهم، والجزاء من جنس العمل.

خاتمة الدرس والدعاء الختامي

يختتم المتحدث الجلسة بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، ويختم بقوله والله تعالى أعلم. ثم يشكر الحضور على متابعتهم للدرس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فتتمة لذكر بعض مباحث اليوم الآخر. وقد ذكرنا في الدرس أو المجلس الأخير ما يتعلق بأمر البعث والنشور، وأن الله جل وعلا يجمع الخلائق أجمعين، وذكر شيء من صفة ذلك الحشر، وأن الناس يوم القيامة يحشرون حفاتا عراتا غرلا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ﴾. وكذلك مما يقع في ذلك اليوم العظيم، ويبتل به الناس في أرض المحشر، أن تدنوا الشمس من الخلائق جميعا حتى تكون منهم على مقدار ميل، كما جاء في الصحيحين من حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تدنى الشمس من الخلائق يوم القيامة حتى تكون منهم على مقدار ميل». قال سليم بن عامر أحد رواة الحديث: لا أدري أهو ميل المسافة أو ميل المكحلة، وعلى كلا التقديرين فهي قريبة جدا من الناس. قال: «فيعرق الناس على قدر أعمالهم». يعرق الناس على قدر أعمالهم، منهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العرق إلى حقويه موضع الإزار، ومنهم من يبلغ العرق إلى ترقوته، ومنهم من يلجمه العرق لجاما يغطيه ويغرق في عرقه، كل بحسب عمله، كل بحسب عمله الذي عمله في الدنيا. وهذا الأمر قد يقول قائل: كيف العرق يتجمع في أرض الموقف؟ هذا يعرق وهذا يعرق، ولا يسيل العرق حتى يكون تحت كل شخص عرقه الذي يخرج منه. فالجواب عن هذا كما ذكر الإمام القرطبي رحمه الله: أن الله عز وجل على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، فالله عز وجل قادر أن يحبس عرق كل إنسان تحته ولا يختلط بعرق من بجانبه، كما أن الله عز وجل فرق البحر لموسى واجعله كالطود كالجبل في محله، فالله عز وجل قادر على ذلك يوم القيامة، فيعرق الناس على قدر أعمالهم كما سمعتم. وهذا أيضا لا شك أنه أمر شديد، وليس بالأمر الهين. أنت الآن في الدنيا وبينك وبين الشمس آلاف الأميال، وفي شدة الحر ما تتحمل أن تجلس تحت الشمس وتتأذى من حرها وما يخرج منك من العرق، فكيف إذا كانت قريبة منك بهذا المقدار؟ لا شك أن في ذلك عذابا وتألما وعقوبة. ومن ضمن هؤلاء الذين تدنوا منهم الشمس ويعرقوا كل منهم بحسب عمله، أناس يظلهم الله جل وعلا في ظله، فلا توذيهم حرارة هذه الشمس، ويسلمهم الله سبحانه وتعالى من هذا الموقف الشديد. ومن هؤلاء من جاء ذكرهم في حديث أبي هريرة في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». هؤلاء السبعة في ظل الرحمن سبحانه وتعالى، الناس تحت الشمس يعرقون ويتألمون ويتعذبون، وهؤلاء السبعة الأصناف في ظل الرحمن سبحانه وتعالى. قال: «إمام عادل». إمام عادل، أي ولي أمر عادل مقسط بعيد من الجور والظلم، وبدأ بذكر الإمام لأن الغالب أن الملك والرئاسة تحمل صاحبها على الظلم والجور، فإذا عدل بين الرعية وهو على هذا المنصب العظيم نال هذه المنزلة العظيمة. قال: «ورجل قلبه معلق بالمساجد». متعلق قلبه ببيوت الله، لا يفرغ من صلاة إلا وهو ينتظر الصلاة التي بعدها حتى يصليها ويؤديها لله سبحانه وتعالى. قال: «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه». ذكر الله عز وجل في خلوته ففاضت عيناه خوفا من الله أو شوقا إلى الله، ولا يعلم به أحد إلا الله سبحانه وتعالى، هذا يظله الله جل وعلا في ظله. قال: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». إخلاص وصدق في الصدقة والإنفاق، أخفاها لا يعلم بصدقته إلا الله. وكذلك قال: «ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وافترقا عليه». و«رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله». دعته إلى الفاحشة وإلى الزنا، فمنعه خوفه من الله سبحانه وتعالى، فيكرمه الله جل وعلا بهذا الإكرام العظيم. فهؤلاء السبعة يظلهم الله عز وجل في ذلك اليوم العظيم، وفي ذلك الموقف العظيم. وكذلك أيضا تتميز أمة النبي عليه الصلاة والسلام عن غيرها من الأمم. جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل»، على تل أي مرتفع، «قال: ويكسون الله جل وعلا حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، قال: وذلك المقام المحمود». وذلك المقام المحمود. فأشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته متميزون عن بقية الأمم. هذا اليوم الذي يحشر فيه العباد ويحصل لهم ما يحصل فيه من العذاب ومن الحساب، كم مقداره؟ جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين في ذكر عقوبة مانع الزكاة قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفيحت له صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». إذن مقدار هذا اليوم خمسين ألف سنة، خمسين ألف سنة. وكذلك أيضا يحشر الناس في هذا اليوم العظيم على ثلاثة أصناف، على ثلاثة أصناف: الكفار، وعصاة الموحدين، وكذلك المؤمنون المتقون. أما الكفار فأخبر الله عز وجل عن شيء من حال حشرهم وصفة أحوالهم، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ﴾. ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴾، أي أشكالهم مزرقة ومسودة من شدة هول ذلك اليوم. ﴿ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ ﴾، أي يتكلمون فيما بينهم: كم لبثنا حتى بعثنا الله؟ ﴿ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ﴾، يقول بعضهم: ما هي إلا عشرة أيام، يعني منذ أن ماتوا إلى أن بعثهم الله، ومنهم من يقول: ﴿ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ﴾. هكذا يكون حالهم في ذلك اليوم العظيم. وقال الله جل وعلا: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكْرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾. يوم يدعو الداعي، يدعوهم إلى البعث والنشور، فيستجيبون وينقادون. ﴿ شَيْءٍ نُكْرٍ ﴾، أي يعني ينكرونه لما فيه من أهوال عظيمة وشدائد كبيرة. ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ ﴾، أي من القبور. ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾، كالجراد عندما ينتشر ويكثر. ﴿ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ﴾، يعني منقادين إلى الداعي مستمعين له. ﴿ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾، يوم عسير وشديد. قال أهل العلم: دل هذا على أنه على أهل الإيمان يسير، إذا كان عسيرا على الكفار فهو يسير على أهل الإيمان. وكذلك يقول الله جل وعلا: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا ﴾. إذا الكافر يحشر يوم القيامة على وجه. ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا ﴾ لا يبصرون، ﴿ وَبُكْمًا ﴾ لا يتكلمون، ﴿ وَصُمًّا ﴾ لا يسمعون، هذا حالهم يوم القيامة. ﴿ كُلَّما خَبَتْ ﴾ يعني خفت، خفت عليهم النار، ﴿ زِدْناهُمْ سَعِيرًا ﴾ زاد اشتعالها ولهيبها. جاء في الصحيحين أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ كيف يحشر الكافر على وجه؟ كأنه يقول: نحن ما نعلمه ونعهده أن الإنسان يمشي على رجليه، كيف يمشي على وجهه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة». وهذا الحديث يجعل لنا قاعدة في أمور الغيب، أننا نؤمن بها ونسلم، ولا نقيسها على أمور الدنيا. الأشياء التي يعهدها الإنسان ويعرفها، ربما إذا ورد شيء على خلاف ما يعرفه ينكر ذلك. لا، شيء أخبر الله به أو أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يكون في ذلك اليوم العظيم، فإننا نؤمن به ونسلم، نؤمن به ونسلم، ونعلم أن الله جل وعلا على كل شيء قدير، وأنه جل وعلا لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. فهكذا يحشر الكافر إذلالا له ومهانة، ذلة ومهانة، لأنه في الدنيا كان قادرا أن يعبد الله وأن يركع له وأن يسجد له، فأبى واستكبر، فكان من إذلاله وإهانته أن يمشيه الله سبحانه وتعالى ويجر على وجهه، على وجهه ذلة وصغارة وحقارة. فهذا شيء من أحوال هؤلاء الكفار في حشرهم. وأما عصاة الموحدين فهم أيضا كذلك أصناف، على حسب ذنوبهم ومعاصيهم. فمنهم من يحشر كأمثال الذر، كأمثال النمل الصغير، وهؤلاء المتكبرون الذين كانوا يتكبرون في الدنيا على الخلق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال»، صورة صورة رجل وهو مثل الذرة، «قال: يطأهم الناس بأقدامهم»، يطأهم الناس بأقدامهم، يعني ما يرونهم هم صغار كالذر، فالناس يطأونهم بسبب صغرهم. ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يسقون من عصارة أهل النار، عياذا بالله، هذا حال المتكبرين، والجزاء من جنس العمل. لما كان يرى نفسه في الدنيا أنه أكبر من الناس والناس لا شيء، يستحقرهم، وهذا هو الكبر. لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الكبر قال: «بطر الحق وغمط الناس»، استحقارهم، فكان من جزائه أن يحشر يوم القيامة حقيرا مثل الذرة، يوطأه الناس ويستحقرونهم. وهكذا من العصاة، من عصاة الموحدين، من يحشر يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، قطعة لحم، يحشر كما يقال هيك العظم، إنسان بلا لحم. تخيل إنسان تراه عظاما ليس فيه لحم ولا جلد ولا شيء. هذا الذي يأكل أموال الناس بالباطل، يسأل الناس تكثرا، يسأل الناس تكثرا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس تكثرا»، يعني يسأل ويستجدي، لا لضرورة وإنما من باب جمع الأموال، كمن يأخذ هذا العمل مهنة الشحاتة، يجعلها مهنة، يسأل الناس ويجمع الأموال منهم، يتكثر بها. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم»، ليس في وجهه نتفة لحم ولا قطعة لحم، عظام. والحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وكذلك أيضا من عصاة الموحدين من يرفع له لواء أمام الناس، لواء تفضح به غدرته، يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان. قال عليه الصلاة والسلام: «يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان». والحديث أيضا في الصحيح من حديث ابن عمر. هذا حال أهل الخيانة والغدر، أهل الخيانة والغدر يرفع لهم لواء فضيحة أمام الخلائق جميعا: هذه غدرة فلان ابن فلان، سواء كان الغدر في حق الكافر الحربي إذا أمنه ثم قتله وغدر به، هذا من الغدر، أو عاهد الله ثم غدر في عهده، أو كذلك عاهد إنسانا في أمر من الأمور ثم غدر به. الحديث عام: يرفع لكل غادر لواء، يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان. فهذا بعض أحوال عصاة الموحدين في ذلك الموقف العظيم. ثم حال المتقين في ذلك الموقف العظيم نذكرهم إن شاء الله، أو شيئا من أحوالهم في المجلس القادم بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم. شكرا لكم.