الدرس في الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد المقطع أن حسن الخلق من أعظم عوامل الألفة والمودة بين الزوجين، مستدلاً بحديث النبي ﷺ: «أكمل المؤمنين إيماناً أحاسنهم أخلاقاً»، وينبه إلى أن الخيرية الحقيقية تكون في حسن المعاملة مع الأهل كما قال ﷺ: «خيركم خيركم لأهله».
يبرز المقطع خيرية من يحسن إلى أهله مستشهداً بحديث «خيركم خيركم لأهله» وبسيرة النبي ﷺ في الانبساط والملاطفة مع عائشة رضي الله عنها، ثم ينتقد حال بعض الأزواج الذين يبدون البشاشة خارج البيت ويتحولون إلى الجفاء داخله، داعياً إلى ادخار مكارم الأخلاق للأهل.
يضرب المتحدث مثلاً بقصة إبراهيم عليه السلام مع زوجتي إسماعيل؛ فالأولى شكت وتذمرت فأمر بفراقها، والثانية صبرت واحتسبت فأمر بإمساكها، مستخلصاً أن مكارم الأخلاق والصبر وعدم التشكي من أعظم أسباب التئام الأزواج، داعياً كلاً من الزوجين إلى تقوى الله وحسن العشرة.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما قيل، ويطلب التوفيق لاتباع أحسن القول، ويشير إلى أنه سيتناول في درس قادم أخلاق التعامل بين الأزواج، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن الأمور -إخواني في الله- التي يحتاجها الزوجان لكي ينعما بحياة سعيدة، بعيدًا عن المشاكل والإرهاصات والأزمات، ما يكون من التحلي بمكارم الأخلاق. التحلي بمكارم الأخلاق: علينا أن نعلم أولًا أن التحلي بمكارم الأخلاق وبحسن الآداب يعتبر من أعظم العوامل الذي يكون سببًا لإتلاف القلوب. يقول عليه الصلاة والسلام: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير في الذي لا يألف ولا يؤلف». فأخبر عليه الصلاة والسلام عن فضيلة حسن الخلق، وكيف أن من آثاره ومن ثمرته أنه مما يستدعي تأليف القلوب وتأليف النفوس. فحسن الخلق عامل من عوامل الإتلاف والمودة والمحبة. علينا أن نعلم أيضًا أن هذا المقام -مقام التحلي بمكارم الأخلاق- هو لكل خلق الله من أهل الإسلام، من الصغار والكبار والذكور والإناث، إلا أنه في حق الأزواج آكد، في حق الأزواج آكد؛ لأن الحياة الزوجية يراد منها الاستدامة، فينبغي لكل واحد أن يتحرى أن يعامل الآخر بحسن خلقه. فمثلًا الزوج: الزوج عليه أن يحرص على أن يعامل زوجته بكل خلق وأدب، ولو أدى إلى التكلف. فإن كان من أدب ومن خلق عندك يا عبد الله، فلا تبخل به على هذا المخلوق، وهي شريكة حياتك، ألا وهي الزوجة. لا العكس، أقول: لا العكس. نجد من بعض الأزواج من لربما إذا خرج إلى الزملاء والأصحاب، وجلس في المنتديات وفي المجتمعات وفي الاجتماعات، لربما انبسط ولان الأقوال والأفعال، بل حتى يصل الأمر إلى التضاحك وتوزيع الابتسامات، ويكون مرحًا مرحًا، بل أصبحت المجالس لا تحلو إلا بوجوده، حتى أن الناس إذا افتقدوه قالوا له: أين أنت يا أبا فلان؟ المجلس ليس له طعم بدونك. لأنه لحسن خلقه يضاحك ويمازح ويتبادل أطراف الحديث. هذا حاله، لكن مع من؟ مع الغير. فإذا دخل إلى بيته تغير تغيرًا تاما، هذا الذي كان عليه من الانبساط ودعه يتحول إلى الصرامة والشدة، لا ضحك لا مزاح، وإنما تصدر منه الأوامر: افعلوا، اكتبوا، اجلسوا، انصرفوا، افتحوا، أغلقوا، أوامر: قربوا الأكل أو الوجبة، نظفوا، أوامر صادرة صارمة لا هوادة فيها، حتى أصبح أهل البيت إذا وجدوا الزوج دخل حل الصمت، سكوت، لا إزعاج، لا إزعاج. ثم تأتي تلكم العبارة: وهو متعب. إذا جاء من عمله قال: أنا تعب، فاتكأ على أريكته. وإذا جاء من سهرته وأصحابه قال: أنا متعب، واتكأ. وهكذا حياته معدومة من الأخلاق التي كانت موجودة عند غيره، يعامل به الأصحاب، لا يعامل به الأزواج الذين هم في بيته. ونبينا صلى الله عليه وسلم قال: قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فأتى نبينا صلى الله عليه وسلم بالقاعدة العظيمة: خير الناس، خير الرجال، من كانت خيريته في أهله، ليس في أصحابه. لا، هنا، هنا تكمن الخيرية. إن كانت من آداب، إن كانت من أخلاق، إن كان من انبساط، إن كان من دعة، إن كان من مرح، إن كان من لين في الأقوال أو في الأفعال، وفي كل الأحوال: هنا الخيرية. «خيركم خيركم لأهله». ثم أتى لنا نبينا بمثل، قال: «وأنا وأنا خيركم لأهلي». صلوات ربي وسلامه عليه، حيث أنه ضرب لنا أروع الأمثلة في التحلي بمكارم الأخلاق والآداب في عشرته مع أهله وزوجه. والمقام يطول جدًا في هذا الباب، حتى وصل به الأمر عليه الصلاة والسلام إلى باب الملاطفة والمزاح والملاعبة مع زوجاته بالكلام والفعال. انظر كيف كان تصرفه مع عائشة رضي الله تعالى عنها من باب الانبساط معها: أنه سابقها مسابقة جري، مرة سبقها، ومرة ثانية هي سبقته، أي بعد فترة. وكان عليه الصلاة والسلام لربما وضع رأسه في حجر عائشة، ينسدح في حجر عائشة، وتقومه وتمشط شعره وترجل رأسه عليه الصلاة والسلام. حتى في أقواله كان لربما رخم اسمها، أي من باب الدلع، يقول لها: يا عائش. بل لقبها كما في بعض الروايات: يا حميراء. لقب حميراء: تصغير لحمراء، وذلك لبياضها. تأمل لحياة، كم وكم! وهذا المقام كما أشرت يطول ذكره، لكن تأمل يا عبد الله، يا أيها الزوج، في حسن خلقه عليه الصلاة والسلام مع أهله: شدة الانبساط والدعاء والتواضع، لا تعالي، لا كبرياء، لا ترفع. يترفع على من؟ على أهله، على زوجته. أنت مأمور بهذا كما قلنا: إن كان من أدب، إن كان من خلق معك، فادخره يا عبد الله لأهلك. «خيركم خيركم لأهله». وننتقل كذلك إلى الطرف الثاني: إلى الزوجة. الزوجة هي بالمثل كذلك ينبغي أن تراعي هذا الجانب، أن تتحلى بالأخلاق الحسنة والآداب السديدة السليمة، وتجعل حظ الأكبر والأوفر والأعظم لزوجها، تدخر الأكبر الحظ للزوج، لا لغيره. لكن كما نعاني في حال الأزواج، كذلك نعاني من بعض حال الزوجات. لربما إذا خرجت امرأة ما في بعض مناسباتها إلى قراباتها، إلى صويحباتها، في زيارة عائلية أسبوعية أو شهرية، أو بعض المناسبات مع الزميلات وعند الجيران مثلًا، تجد أن المرأة ولله الحمد تتمتع، تتمتع بلين الجانب، وأخذ والعطاء في تبادل أطراف الحديث مع الطرف الثاني من بني جنسها. لربما وصل الأمر إلى الضحك، وتمر الساعات الطوال، الساعات الطوال، وهم في حالة من الأنس ما الله به عليم، من شدة حلاوة المجالس، وما يجد الطرف الأول للثاني من اللين في الأخلاق والأداء والأخذ والعطاء. هذا مع من؟ تجعله المرأة لصاحباتها، قراباتها. لكن تعال إلى هذه المرأة إذا دخلت إلى بيتها، من تكون؟ تتغير. كل ذلك الذي مضى من الانبساط لا تجده معها في بيتها إذا جلست مع زوجها، وإنما ينقلب ذلك إلى الأسئلة: أين جئت؟ أين ذهبت؟ ما الذي أتى بك؟ ما الذي أتيت به؟ ما ما... أسئلة. أو ينقلب الحال للأسف إلى التشكي. تنقلب هذه المرأة المرحة التي يراها من رآها من صويحباتها وقراباتها أنها على أحسن هيئة، إذا جاءت عند زوجها تنقلب: المريضة، تعبانة، أنا مريضة، رأسي، ذنبي، ظهري، تعبانة، حمى، تفاصيل. هل هذا كان موجودًا قبل دقائق عند فلان؟ أبدًا، أبدًا، ما يعرفون هذا عنها، لكن عند زوجها تنقلب. هل هذا الذي يريده الزوج منك أن تعامليه بمكارم الأخلاق؟ أنك تعامليه بالتسخط والتشكي والتذمر؟ هذا الذي يسمعه، هذا هو حظه منك فقط، ما يأتي بعوار الرأس وصداع القلب. ما ينبغي هذا، ليس من الأخلاق الحميدة أصلًا. المرأة عليها أن تصبر، ولو كانت على ألم، في سبيل راحة زوجها. كما أنها تطالب الزوج بأنه يتكلف لها الأخلاق، هي كذلك ينبغي أن تتكلف له الأخلاق. تأمل في قصة إبراهيم عليه السلام عندما أتى زيارة لابنه إسماعيل، فلم يجده في بيته، وجد امرأته، فدخل معها في حوار، ثم سألها: كيف عيشكم؟ كيف تعيشون؟ كيف هيئتكم؟ كيف حالكم؟ فقالت: نحن بشر، نحن بشر في شدة وضيق. وشكت إليه، كما في الرواية في الصحيح، فشكت إليه وتذمرت. هذا للأسف نجده من كثير من النسوة: التشكي والتذمر من الحال والأوضاع. فلما سمع إبراهيم هذا من... من... من زوجة إسماعيل، أراد أن ينصرف، قال لها: «إذا جاء إسماعيل، فاقرئي عليه السلام، وأخبريه أن يغير عتبة داره، أو عتبة بابه»، وانصرف. فجاء إسماعيل من غيبته، فقال: وكأنه آنس شيئًا، قال: هل جاءكم أحد؟ قالت: نعم، جاءنا رجل كيت وكيت، من شكله وصفه. قال: هل أوصاكم؟ هل سألكم؟ قالت: نعم، سألنا كيف عيشكم؟ وأخبرنا بأننا بشر حال، وأننا في ضيق، وأننا في شدة. قال: بماذا أوصى؟ قالت: غير عتبة بابك. قال: إيه، هذا أبي، وهذا أبي، وإنه يأمرني بفراقك، الحقي بأهلك. فرقها وطلقها. ثم تزوج إسماعيل من امرأة ثانية. ومن تقدير الله أن إبراهيم جاء زيارة، ولكن إسماعيل كذلك كان غائبًا. جاء إبراهيم إلى الزوجة الثانية، فأخذ دخل معها في حوار مثل الأولى، ثم سألها هذا السؤال بعينه: كيف عيشكم؟ كيف حالتكم؟ مع أن الحالة هي هي، ما تغيرت، لا تقول أن إسماعيل تغير حالهم، لا، هي هذه حالته. لكن لما تتغير النفوس، قال: كيف حالكم؟ كيف عيشكم؟ فأخبرت، قالت: نحن بأحسن حال وسعة، بأحسن حال. مع أن هي أي حال؟ هي هي ما تغير، لكن سعة الصدور. قالت: نحن بأحسن حال وسعة. ثم قال لها وهو أراد أن ينصرف: «إذا جاء إسماعيل، فأقرئيه مني السلام، وأخبريه أن يثبت عتبة بابه». فانصرف. جاء إسماعيل، آنس شيئًا، قال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا رجل كذا وكذا، عرفه. فقال: هل سألكم؟ قالت: نعم، سأل عن عيشنا. قال: ماذا قلتم؟ قالت: قلنا كذا كذا. قال: ماذا أوصى؟ قالت: ثبت عتبة بابه. قال: هذا أبي، ويوصيني أن أتمسك بك، أتمسك بك. بماذا؟ بالخلق، الصبر والاحتساب، عدم التشكي، عدم التذمر. أشهد إخواني في الله، ولا أسترسل في هذا، أن من أعظم ما يكون فيه التئام الأزواج ما يكون من التحلي بمكارم الأخلاق. أنت يا عبد الله، يا أيها الزوج، أنت على خلق، على أدب، اجعل الحظ الأكبر والأعظم لزوجتك، لا تبخل عليها بمداعبتك، بمزاحتك، بلطف عبارتك، لا تبخل عليها. وأنت كذلك يا أمة الله، أعطاك الله عز وجل حسن الخلق، حسن التعامل، الكل يفرح بلقائك، لكن لماذا إذا جئت إلى الزوج انقلب الأمر؟ أصبحت شاكية، باكية، متألمة، متوجعة في ليلك ونهارك؟ لا. كل واحد يتقي الله في الآخر. إذا عاشر كل طرف بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، لكانت أحوال البيوت على أحسن حال. ولعل إن شاء الله في درس قادم نتكلم عن بعض الأخلاق التي ينبغي أن يحرص عليها الأزواج في أن يتعاملوا فيما بينهم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.