التعليق على كتاب العلم  27

التعليق على كتاب العلم 27

الدرس في التعليق على كتاب العلم 27، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

طريقا تحصيل العلم وعقبات الأخذ من الكتب

يبيّن الشيخ ابن عثيمين طريقين لتحصيل العلم: الأخذ من الكتب الموثوقة والأخذ من معلم موثوق، ويوضح عقبتين لطريق الكتب هما طول الوقت والمعاناة، وضعف العلم لافتقاره إلى القواعد والأصول، مما يوقع في الأخطاء، مع اشتراط الثقة في العلم والدين لمن يؤخذ عنه.

ضرورة التلقي من العلماء والجمع بين الجلوس والمطالعة

يؤكد المقطع على أن الأخذ من معلم موثوق أسرع وأتقن من مجرد قراءة الكتب، لأن الشيخ يوفر الخلاصة ويصحح الفهم، ويشدد على الجمع بين الجلوس للعلماء والاجتهاد في المطالعة مع التدرج من المختصرات إلى المطولات لضمان الثبات.

التدرج في طلب العلم ومراعاة مستوى الطالب

يوصي بالتدرج في طلب العلم وعدم أخذه جملة واحدة مستشهداً بوصية الزهري، ويبرز دور المعلم الرباني في مراعاة مستوى الطالب والبدء بالصغار قبل الكبار، مع أمثلة من مؤلفات العلماء، وينقل عن ابن عبد البر أن تعدي درجات الطلب يعدو سبيل السلف.

  • 17 جمادى الآخرة 1435هـ - 17/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم"، وفي سياق كلامه على طرق تحصيل العلم: "ولنيل العلم طريقان: أحدهما أن يتلقى ذلك من الكتب الموثوق بها، والتي ألفها علماء معروفون بعلمهم وأمانتهم وسلامة عقيدتهم من البدع والخرافات". قال: "وأخذ العلم من بطون الكتب لا بد أن الإنسان يصل فيه إلى غاية ما"، ويريد بـ "يصل فيه إلى غاية ما" يعني: إلى فائدة، بغض النظر عن هذه الفائدة قليلة أم كثيرة، وكذلك هذه الفائدة مرجوة أو غير مرجوة، فما من قارئ إلا ولا شك أنه يستفيد، أنه يستفيد. قال: "لكن هناك عقبتان"، يعني في القراءة في الكتب. العقبة الأولى: الطول، فإن الإنسان يحتاج إلى وقت طويل، وعمر الإنسان قصير، والعلم كثير، فإذا أخذ علمه من الكتب يحتاج منه إلى وقت طويل، فتفنى الأعمار وهو لا يزال في فائدة قليلة. فهذا معنى قوله: "الطول"، فإن الإنسان يحتاج إلى وقت طويل، قال: "ومعاناة شديدة وجهد جهيد حتى يصل إلى ما يرومه من العلم"، يعني ما يرجوه ويطلبه من العلم. ووجه المعاناة: أن القراءة ليست كالاستماع، هذا وجه. والوجه الآخر: أن الذي يقرأ يحتاج إلى أن يفهم، فالفهم يحتاج منه إلى معاناة وإلى جهد، فلربما أعاد العبارة عدة مرات، ولربما رجع إلى كتاب آخر كي يفهم هذه الجملة أو تلك العبارة، ولربما كذلك لم يفهم، فيبقى في هذه العبارة فترة طويلة يعصر ذهنه عصراً من أجل أن يفهم هذه الفائدة ولا يفهمها، فلا شك أن هذه معاناة، وهذا جهد جهيد، وهذا جهد جهيد. فهذا من العقبات التي تعترض طالب العلم إذا أخذ علمه من الكتب. قال: "ومعاناة شديدة وجهد جهيد حتى يصل إلى ما يرومه من العلم". قال: "وهذه عقبة قد لا يقوى عليها كثير من الناس، لا سيما وهو يرى من حوله قد أضاعوا أوقاتهم بلا فائدة، فيأخذه الكسل ويكل ويمل، ثم لا يدرك ما يريد". وهذا هو واقع من أراد أن يأخذ العلم من الكتب فقط، دون أن يثني ركبتيه عند العلماء وعند طلاب العلم، فإنه ربما ينشط فترة وزمن معين، ثم بعد ذلك ينتابه الملل والكسل والفتور. لماذا؟ لأنه يرى الثمرة قليلة، ويرى المشقة والجهد والتعب الشديد، ويرى من حوله قد أضاعوا أوقاتهم بلا فائدة. فإذا نظر إلى من حوله أصابه شيء من الكسل والملل، فكان سبباً في انقطاعه عن طلب العلم. فهذه العقبة الأولى: الطول والملل، وترك ذلك، فإنه لا يقوى على هذه القراءة في الكتب إلا من وفق الله. قال: "العقبة الثانية: أن الذي يأخذ العلم من بطون الكتب علمه ضعيف غالباً، لا ينبني عليه قواعد أو أصول". ولذلك نجد الخطأ الكثير من الذي يأخذ العلم من بطون الكتب، لأنه ليس له قواعد وأصول يقعد عليها ويبني عليها الجزئيات. والجزئيات يريد بها المسائل الفرعية، ويقابلها المسائل والأصول، والأصول. قال: "ويبني عليها الجزئيات التي في الكتاب والسنة". نجد بعض الناس يمر بحديث ليس مذكوراً في كتب الحديث المعتمدة من الصحاح والمسانيد، وهذا الطريق يخالف ما في هذه الأصول المعتمدة عند أهل العلم، وهذا أمر معتبر عند أهل العلم. أنت لو قرأت في بعض الكتب، ومر معنا في تفسير ابن كثير أحاديث كثيرة، يقول الحافظ: "بعض ما يذكر الحديث"، وهذا الحديث لم يرويه أحد من أهل السنن، من أهل السنن يشير إلى ضعفه، ويشير إلى عدم اعتماده. فلربما الحديث الذي لا يوجد في هذه الأصول، ما أعرض عنه أهل تلك الأصول إلا لشيء في هذا الحديث. فالذي ليس عنده مثل هذه القواعد، وما عنده أصول علم الحديث، فلربما يستدل بمثل هذا الحديث الذي ليس له أصل في كتب الصحاح والمسانيد. قال: "وهذا الطريق يخالف ما في هذه الأصول المعتمدة عند أهل العلم، بل عند الأمة". ثم يأخذ بهذا الحديث ويبني عقيدته عليه، وهذا لا شك أنه خطأ، لأن الكتاب والسنة لهما أصول تدور عليها الجزئيات، فلا بد أن ترد هذه الجزئيات إلى أصول، بحيث إذا وجدنا في هذه الجزئيات شيئاً مخالفاً لهذه الأصول، مخالفة لا يمكن الجمع فيها... انظر إلى هذه القواعد السلفية: قد يكون عندك جزء، يعني فرع من فروع العلم، هذا الفرع وهذه الجزئية ما تخالف الأصول، يمكن أن نجمع بينها وبين ما جاء في الأصول، فهنا في هذه الحال نلجأ إلى الجمع. ولذلك قال: "لا يمكن الجمع فيها، لا يمكن الجمع فيها". أما إذا أمكن الجمع، فعمَل الدليلين أولى من إهمال أحدهما، أولى من إهمال أحدهما. قال: "فإننا ندع هذه الجزئيات إذا عارضت الأصول، ولم يمكن الجمع، ولم يمكن الجمع، فإن هذه الجزئية تترك ولا يعمل بها". فالذي يقرأ في الكتب غالباً ما يهتدي إلى هذه الدقائق وإلى هذه المسائل، لأنه أخذ علمه من الكتب. وقد تقدم من كلام الشيخ شيء في هذا، وإنما أعاد هنا للأهمية. فإذا أخذ العلم من بطون الكتب فيه عقبتان: الطول، وضعف العلم الذي يتحصل عليه ذلك الطالب. هذا الطريق الأولى من طرق التلقي، تلقي العلم. قال: "الثاني": أي من طرق تلقي العلم وتحصيل العلم. قال: "الثاني من طرق تحصيل العلم: أن تتلقى ذلك من معلم موثوق في علمه ودينه". والشيخ يقيد هذا القيد في الطريق الأول وهو أخذ العلم من بطون الكتب، وفي الطريق الثاني وهو أخذ العلم من معلم. ففي أخذ العلم من بطون الكتب قال رحمه الله: "أن يتلقى ذلك من الكتب الموثوق بها". وقال هنا: "من طرق تحصيل العلم أن تتلقى ذلك من معلم موثوق في علمه ودينه". ولذلك جاء عن ابن سيرين وعن غيرهم أنهم قالوا: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». فلا تأخذ دينك من مبتدع، ولا من فاسق، ولا من كذاب، ولا من... يعني معلم لا يعمل بعلمه، وإنما خذ علمك من معلم موثوق في علمه ودينه، معروف بالاستقامة، معروف بصحة المعتقد وسلامة المنهج، معروف بكذلك تقديره واحترامه لأهل العلم من أهل السنة والجماعة، معروف بتزكية العلماء له، معروف بتمسكه بالسنة. فهذه الأوصاف لا بد أن تتوفر في من تتلقى العلم عنده، في من تتلقى العلم عنده. ولله الحمد والمنة، أهل العلم الموثوق بهم منتشرون في أسقاع هذه الدنيا، في شرقها وغربها، فما عليك إلا أن تبحث عنهم، وستجدهم بإذن الله. قال: "وهذا الطريق أسرع وأتقن للعلم". هذا أسرع، لماذا أسرع؟ لأن المعلم والشيخ والعالم يأتي لك بخلاصة هذه المسألة، يأتي لك بجهد بذله في تحقيق هذه المسألة، فيقول لك: "خذ هذه الفائدة جاهزة، خذ هذه الفائدة جاهزة". قد اطلع على اختلاف العلماء، واطلع على أقوال الناس في هذه المسألة، فيقول لك: "الصحيح من أقوال أهل العلم كذا وكذا". لماذا؟ لأن الدليل يدل عليها، الدليل الأول من القرآن كذا وكذا، الدليل من السنة كذا وكذا، وهكذا يأتي لك بخلاصة وزبدة ما توصل إليه، فلا شك أن هذه الطريقة أسرع. فأنت تمشي في العلم، ربما الفائدة التي تتلقاها من المعلم لو قرأتها في الكتب لا تتحصل عليها وأنت تبحث عنها أشهر أو أكثر من ذلك، أنت تبحث عنها ما تستطيع أن تصل إلى تلك النتيجة وإلى تلك الزبدة التي أعطاك إياها ذلك المعلم. لماذا؟ لأن ذلك المعلم قد بذل جهداً، ولربما أخذ هذه الفائدة من عالم تعلم عنده، فأعطاك هذه الفائدة جاهزة وسهلة ومختصرة، فلا شك أنك تمشي في طلب العلم، تمشي في طلب العلم، الفائدة الواحدة ما تريد منك بحثاً ولا تحقيقاً ولا وقتاً ولا جهداً، يعني تحصلت على فائدة جاهزة، فلا شك أن هذا أسرع. وأما قوله: "أتقن للعلم"، لأنك تأخذ العلم من عالم عنده من أصول العلم ومن قواعده، فأنت تأخذ العلم من أصوله، تأخذ العلم من أصوله، ولا شك أن من أخذ العلم من أصوله أتقن ذلكم العلم. قال: "لأن الطريق الأول وهو طريق الأخذ من بطون الكتب... قال: لأن الطريق الأول قد يضل فيه الطالب وهو لا يدري، إما لسوء فهمه، أو قصور علمه، أو لغير ذلك من الأسباب". وهذا هو واقع كثير من هؤلاء الذين اعتمدوا في طلبهم للعلم على بطون الكتب دون الرجوع إلى أهل العلم، فقد يضل هذا الطالب وهو لا يدري، لأن لا أحد يوجهه، لا أحد كذلك يرشده. بخلاف الطالب الذي مرتبط بعالم، مرتبط بشيخ، مرتبط بمعلم، فإن هذا العالم وذلكم الشيخ إذا رأى انحرافاً من هذا الطالب، أو سوء فهم، أو رأى كذلك سوء... يعني تحقيق لمسألة ما، فإنه يرشده ويبينه، ويبين له ويوضح له ذلك الخطأ. فالطالب الذي يقرأ في الكتب، ما سيتكلم الكتاب ويقول له: "أنت أخطأت في هذا الفهم"، أبداً، الكتاب لا ينطق، لكن العالم ينطق ويرشد وينصح ويبين. وهكذا. قال: "أو لغير ذلك من الأسباب". أما الطريق الثاني وهو أخذ العلم من معلم، قال: "أما الطريق الثاني فيكون فيه المناقشة والأخذ والرد مع المعلم، فينفتح بذلك للطالب أبواب كثيرة في الفهم والتحقيق، وكيفية الدفاع عن الأقوال الصحيحة، ورد الأقوال الضعيفة". ولا شك أن الطالب أي إشكال عنده سيعرضه على ذلك المعلم. قال: "ربما ناقش المعلم في فهم فهمه خطأ، أو في قول كذلك يظنه أنه هو الصواب، وإلى غير ذلك". فالمعلم تستطيع أن تأخذ وتعطي معه، وأن ترد عليه ما عندك من إشكال، وما عندك من كذلك فهم، وإلى غير ذلك. قال: "فينفتح بذلك للطالب أبواب كثيرة في الفهم والتحقيق، وكيفية الدفاع عن الأقوال الصحيحة، ورد الأقوال الضعيفة". وإذا جمع الطالب بين الطريقين كان ذلك أكمل وأتم. وهكذا كان علماؤنا رحمهم الله. الشيخ مقبل عليه رحمة الله كان يقول: "أكثر استفادتي من قراءة الكتب"، لكنه كان يجالس العلماء، كان يجالس العلماء، جالس الشيخ الألباني، وجالس الشيخ ابن باز، وجالس الشيخ... وهو شيخه في علم الرجال السومالي، وجالس كذلك غيرهم من أهل العلم. ومع هذا كان مجتهداً رحمه الله تعالى في قراءة الكتب. فالطالب يجمع بين جلوسه عند معلم يطلب عنده العلم، وبين الاجتهاد في قراءة الكتب، وبهذا بإذن الله عز وجل يمشي مشياً سلفياً صحيحاً في طلبه للعلم. وإذا قرأ ولم يفهم، فعنده من يسأله، وعنده من كذلك... يعني يناقشه ويجلس معه، ويجلس معه. فهذه الطريقة أكمل وأتم، كما قال ابن العثيمين عليه رحمة الله. قال: "وليبدأ الطالب بالأهم فالأهم، وبمختصرات العلوم قبل مطولاتها، حتى يكون مترقياً من درجة إلى درجة أخرى، فلا يصعد إلى درجة حتى يتمكن من التي قبلها، ليكون صعوده سليماً". وهذا مثل حسي ضربه الشيخ لهذا الأمر المعنوي. فالإنسان لو يريد أن يصعد إلى مثلاً سقف هذا المسجد، فأتى بسلم، أو يصعد الدرجة الأولى، الثانية، الثالثة، إلى أن يصل. لكن لو قال: "أنا سأختصر، بعد الدرجة الأولى مباشرة يريد أن يقفز إلى الدرجة العاشرة"، هذا ربما يسقط ويموت، ما سيصل إلى السطح، سطح المسجد. لماذا؟ لأنه لم يتدرج في الصعود. وهكذا طالب العلم، إذا لم يتدرج في طلبه للعلم، فإنه يسقط ولا يصل إلى بغيته وإلى غايته، ألا وهو الاستفادة في العلم، لا يستطيع أن يصل. ولذلك جاءت الآثار الكثيرة عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى التي ينصحون فيها الطالب بالتدرج في طلب العلم، بالتدرج في طلب العلم. فقال ابن خلدون في مقدمته المشهورة، مقدمة ابن خلدون: "اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدريج، شيئاً فشيئاً، وقليلاً قليلاً، يلقي عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم". وهذا أمر مهم جداً، ومن فوائد الدراسة عند معلم موثوق في علمه، لأن هذا المعلم يراعي مستوى من يدرسه. ولذلك جاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]، قال: "الربانيون هم الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره". هؤلاء هم الربانيون، الذي يراعي مستوى الطالب، إن كان الطالب مبتدئاً بدأ معه في العلوم التي تناسبه، في العلوم التي تناسبه، من العلوم التي هي يبتدى بها الطالب المبتدئ، يبتدى بها الطالب المبتدئ. وهكذا يراعي فهمه، ويراعي استعداده لقبول ذلك العلم، حتى لا يمل هذا الطالب، ويكره العلم، ويبغض العلم، لأنه لم يفهم، ولم كذلك يستفد، فيحصل له شيء من التعقيد، ومن كذلك النفور، فيكره العلم. لكن إذا رأى من نفسه أنه يفهم، وأنه يدرك، فهذا يشجعه، ويجعله يستمر في طلب العلم. وهكذا. قال ابن شهاب رحمه الله ليونس بن يزيد: قال له: «يا يونس، لا تكابر العلم، لا تكابر العلم، فإن العلم أودية». انظر إلى تشبيه العلم: العلم أودية كثيرة. ثم قال له: «فأيتها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه». يعني: إذا دخلت في هذه الأودية كلها، ما ستبلغ المكان الذي تريد. قال: «قطع، قطع بك قبل أن تبلغ». عجزت، مشيت، مشيت، فلم تستطع أن تصل إلى المكان الذي تريد. ثم قال: «ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة». أيش معنى "لا تأخذ العلم جملة"؟ يعني: لا تريد أن تحصل العلم في يوم أو يومين، أو شهر أو شهرين، من أول طلبك للعلم وأنت تريد العلم كله، تريد أن تدرس في الفقه، وفي الفرائض، وفي العقيدة، وفي النحو، وفي البلاغة، وفي الحديث، وفي... وفي. فهذا من كان كذلك فهو لا يبلغ مراده، كما قال: «قطع بك قبل أن تبلغه»، ما تبلغ، ولا تصل إلى ما تريد. فلذلك قال له: «ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة، يعني من طلب أخذ العلم جملة، ذهب عنه جملة». وهذه عبارة يردد أهل العلم كثيراً: «من أخذ، أو من رام، من رام أخذ العلم جملة، ذهب عنه جملة». إذا أردت أن تأخذه جملة واحدة، يذهب عنك جملة واحدة، ما ستحفظ، وما ستفهم شيئاً من العلم. ثم قال له: «ولكن الشيء بعد الشيء، مع الأيام والليالي، كل يوم ولو استفدت فائدة واحدة، أتقنتها وحفظتها وعملت بها، واليوم الثاني هكذا، فائدة أخرى في... يعني فن من فنون العلم، وفي باب من أبواب العلم، فما تشعر مع الأيام والليالي والشهور والسنين إلا وقد اجتمع عندك علم كثير». وقد جمع أحد الشعراء هذا المعنى، فقال: اليوم علم وغد مثله ** من نخب العلم التي تلتقط يحصل المرء بها حكمة ** وإنما السيل اجتماع النقط الآن السيل هذا الكبير الجارف، هل ينزل مباشرة من السماء دفعة واحدة؟ ها، لا، عبارة عن... يعني قطرات تنزل، ويجتمع، يجتمع، يجتمع، حتى يكون هذا السيل العظيم الكبير. وهكذا طلب العلم، ما يؤخذ جملة واحدة، كل يوم فائدة، كل يوم فائدتين، ثلاث فوائد، وهكذا، مع إتقان، مع حفظ، مع كتابة، واليوم الثاني مثله، وهكذا، حتى يجتمع عندك سيل كبير. لكن متى هذا؟ مع الأيام والليالي، بالتدريج، بالتدريج، أن تأخذ العلم شيئاً فشيئاً. والعلماء، لو نظرت في مؤلفاتهم، تجد بعض العلماء الكبار ألفوا في بدايات العلم، في بدايات العلم. فمثل الإمام النووي: ألف الأربعين النووية، أربعين حديثاً، وألف رياض الصالحين، وألف المجموع، وشرح صحيح مسلم. لكن انظر: ألف الأربعين النووية. الشيخ محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله، انظر كيف تدرج مع طلاب التوحيد والعقيدة الصحيحة في مؤلفاته: الأصول الثلاثة، القواعد الأربع، ولكن مع ذلك ألف كتاب التوحيد، وألف كشف الشبهات، وألف غيرها من الكتب التي هي أرفع وأرقى. وهكذا، فالمدرس يراعي مستويات الطلاب. ما يأتي المدرس مثلاً يدرس طلاب في مثلاً الآجرومية، يأتي لهم فوائد القطر، وفوائد ابن عقيل، وفوائد هذا، كيف سيستفيد الطالب؟ ما سيستفيد شيئاً. الطالب يتعقد من هذا العلم. أو يأتي مثلاً مدرس يشرح للطلاب صفة الصلاة، فيذكر لهم: "قال أبو حنيفة في هذه المسألة كذا، وقال الإمام مالك كذا، ورد الجمهور على قول الإمام مالك بكذا، ورد الإمام مالك..."، ومعركة طويلة تذكرها للطالب المبتدئ، فيخرج بلا شيء. لكن تعطيه القول الصحيح في هذه المسألة، ثم إذا تمكن وأتقن هذا الباب، هو سيدرس ما هو أعلى وأرفع من هذا الكتاب. وهكذا، فينبغي للطالب أن يتدرج في طلب العلم. وإذا رأى من نفسه إتقان لبدائيات العلوم، ينتقل إلى غيرها، وهكذا. فإذا سار هذا السير السلفي، فإنه بإذن الله عز وجل يصل إلى المقصود. وأخيراً نقرأ لكم أثر كذلك جاء عن ابن عبد البر في هذا الباب، ونختم به. فقال رحمه الله تعالى في "جامع بيان العلم وفضله": "طلب العلم درجات ومناقل ورتب، لا ينبغي تعديها". قال: "فمن تعداها جملة، فقد تعدى سبيل السلف". انظر: أنت تقول "سلفي"، ليس من سبيل السلف أن تتعدى في العلوم، وأن تطلب العلم الذي هو أرفع من مستواك. فقال: "فقد تعدى سبيل السلف". رحمه الله: "ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً زل". قال: "فأول العلم كتاب الله عز وجل، وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه". قال: "فواجب طلبه معه، ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن أقول إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالماً". إذا أردت أن تكون عالماً، فحفظ كتاب الله من أولويات كونك عالماً. قال: "ولكن أقول إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالماً، ليس من باب الفرض". ثم ذكر الآية: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، وذكر كلام ابن عباس المتقدم. رحمه الله تعالى. فنكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمه نانسي قنقر