الدرس في التعليق على كتاب العلم 58، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع فتوى للشيخ ابن عثيمين فيمن يعلم الحق ويأمر به ولا يعمل به، مستدلاً بآيات قرآنية توبيخاً شديداً وتحذيراً من المقت الإلهي، مؤكداً أن الداعي إذا لم يعمل بعلمه فهو آثم وقد أفسد أجر دعوته.
يحذر المقطع من عاقبة من يأمر بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويأتيه مستدلاً بحديث الرجل الذي يدور في النار، ويبين أن المأمور يجب عليه قبول الحق والعمل به بغض النظر عن حال قائله.
يحث الشيخ طالب العلم على استغلال فرصة التفرغ والاجتهاد المستمر مشبهاً إياه بالبناء الذي لا يلتفت لغير عمله، ويؤكد أن الصدق مع الله والإخلاص يمكّنان من التوفيق بين الكسب وطلب العلم.
اختتم المتحدث الدرس بكلمة شكر مختصرة معبراً عن امتنانه دون توضيح سياق أو سبب إضافي.
الحمد لله صلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد سئل العلامة بن العثيمين عليه رحمة الله بكتابه كتاب العلم قال السائل قد يعلم الإنسان شيئًا ويأمر به غيره وهو نفسه لا يعمله سواء كان فرضًا أو نفلًا فهل يحل له أن يأمر غيره بما لا يعمل؟ وهل يجب على المأمور امتثال أمره أم يحله الاحتجاج عليه بعدم عمله ثم لا يعمل ما أمر به تبعًا لذلك؟ ومعنا السؤال إنسان يعلم ولكنه لا يعمل بعلمه لا يعمل بعلمه فهل يستمر في هذا التعليم أو ينقطع؟ هذا في حق من يعلم ولا يعمل وأما المتعلم فهل يجب عليه امتثال ما يعلمه هذا المعلم؟ أو أنه يحتج بعدم العمل أن ذلكم المعلم لا يعمل بعلمه؟ فقال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله هنا أمران الأمر الأول هذا الذي يدعو إلى الخير وهو لا يفعله نقول له قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون والمقت هو أشد مراتب الغضب أشد مراتب الغضب وهذا فيه النهي والزجر الشديد في من يعلم ولا يعمل يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون؟ كيف تقولون شيئا ولا تفعلون ما تقولون؟ كبر مقتًا عند الله يعني كبر غضبًا شديدًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون؟ وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون؟ كيف تأمر غيرك بالبر والخير والتقى وأنت لا تعمل به؟ قال وأنا أعجب كيف يؤمن رجل بأن هذا هو الحق ويؤمن بأن التعبد لله به يقربه إليه ويؤمن بأنه عبد لله ثم لا يفعله فهذا شيء يعجب له ويدل على السفة وأنه محط التوبيق واللوم لقوله تعالى لما تقولون ما لا تفعلون؟ هذا توبيق ولوم فنقول لهذا الرجل أنت آثم بتركك العمل بما علمت وبما تدعو إليه هو الآن يدعو يريد الأجر ويريد أن يتبوى هذه المنزلة العظيمة منزلة الدعوة إلى الله عز وجل ولكنه أفسد ذلكم الأجر بعدم العمل فهو يأثم لأنه لم يعمل بعلمه وعدم العمل بالعلم لا شك قد يكون هذا العلم شيء أو شيئا أمر الله به فترك هذا الأمر أو شيئا نهى الله عنه فارتكب هذا النهي وقد جاء في حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجاء بالرجل يوم القيامة يجاء بالرجل يوم القيامة يدور في النار كما يدور الحمار حول الرحى فتندلق أقتاب بطنه تندلق أقتاب بطنه يعني أمعائه فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى فيطلع عليه أهل النار ويرونه أهل النار فيقولون له ألست أنت الذي كنت تأمرنا بالمعروف وتنهان عن المنكر ويقول بلى كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه يعني أنه لا يعمل بعلمه أنه لا يعمل بعلمه فكانت هذه العاقبة فهذا الأمر خطير جد وخطير قال ولو بدأت بنفسك لكان ذلك من العقل والحكمة طيب وهل له أن يدعو وأن يعلم نعم أهل العلم قالوا يدعو لأنه إذا لم يدعو نال الإثم من ناحيتين من ناحية كونه يقع في خلاف العلم الذي يعلمه والأمر الثاني في كونه لم يأمر بهذا العلم ولم يدعو إليه لكنه إذا دعا إليه وإن لم يعمل به فلعل هذه الدعوة في يوم من الأيام ستحجزه وتمنعه عن أن يخالف قوله عمله أو عمله قوله فلذلك يدعو إلى الله ويجاهد نفسه ولا يترك الدعوة إلى الله يجاهد نفسه ويستعين بالله فالله عز وجل يوفقه قال أما الأمر الثاني بالنسبة للمأمور فإنه لا يصح له أن يحتج على هذا الرجل بفعله فإذا أمره بخير وجب عليه القبول يجب أن يقبل الحق من كل من قال به ولا يأنف من العلم وهذا نعم قد يقع فيه بعض الناس تقول لماذا أنت سمعت المحاضرة من فلان أو سمعت الدرس من فلان لماذا لا تعمل قالوا شيخا له يعمل بما يقول هذا خطأ وإن لم يعمل بما يقول فإثمه عليه فأنت إذا لم تعمل بهذا العلم أثمت كما أنه أثم فإذا علمت علما وحقا وهدى وتقى فاعمل به اعمل به واقبله لأنه حق ولا تنظر إلى من قال به إن لم يعمل به قال وسئل فضيلته كيف نرد على من قال إن العلماء السابقين لم تكن لديهم المشاغل التي تؤثر على حفظهم كما هو حاصل لعلماء هذا الزمان ومنهم من يكون ليس لديهم إلا التفرغ لطلب العلم وحفظه يعني من الأوائل والجلوس بلا مشاغل أما الآن فكثرت المشاغل الدنيوية التي تأخذ كل الوقت والإنسان قد لا يستطيع الاستغناء عن هذه المشاغل والسؤال واضح يعني يريد أن يقول هذا القائل صار التفرغ في هذا الزمان لطلب العلم عسير وغير ممكن لكثرة مشاغل الناس بخلاف العلماء المتقدمين فإن حياتهم سهلة ولم يكن فيها من التعقيد كحياتنا في هذه الأعصار المتأخرة فأجاب الشيخ حفظه الله قال أقول لطالب العلم ما دمت أنك قد فرغت نفسك للعلم فكن طالب علم حق فمن وفق للتفرغ لطلب العلم ولو في مرحلة صغره وشبابه قبل أن يقيد بأسرة أو بزوجة أو بأولاد أو بكثرة مشاغل فيستغل هذه الفرصة يستغل هذه الفرصة ويكون طالب علم حقا ولذلك قال وأعتقد أن البناء الذي فرغ نفسه للبناء لا يلتفت إلى عمل آخر بل يلتفت إلى مهمته التي كرس نفسه لها ورأى أنها هي الخير له وهذا مثل ضربه الشيخ رحمه الله فإن كل صاحب عمل لا ينظر إلى بنيات الطريق وإلى أعمال غيره وكذلك ظروف غيره وإنما يستمر في عمله كالبناء فرغ فرغ نفسه لبناء هذه العمارة أو ذلك البيت فهو يجد ويجتهد حتى يكمل هذا البناء لا يلتفت إلى ما يثنيه عن الاستمرار في بناء ذلك البناء وهكذا طالب العلم أنت فرغت نفسك لطلب العلم لا تنظر إلى فلان ليس بمجتهد أو أن الأوائل لم تكن عندهم مشاغل وتريد بهذا التقاعس والتثبيت عن طلب العلم أو إلى غير ذلك لا مادام أنك قد فرغت نفسك لطلب العلم فكن مثل ذلك البناء استمر في طلب العلم واجتهد وحافظ على محفوظاتك اليومية ودروسك اليومية فما تشعر بعد فترة يسيرة إلا وقد تقدمت في الحصيلة العلمية وفي كذلك العمل وفي الفهم وإلى غير ذلك ولذلك قال فما دمت تعلم أن طلب العلم هو الخير وتريد أن تتخذه طريقا لك فلا تلتفت إلى غيره لا تلتفت إلى غيره ثم قال وفي ظني أن الرجل إذا ثابر مع الإيمان والإخلاص وصدق النية فإن الله سبحانه وتعالى يعينه ولا يعبأ بهذه المشكلات حتى لو كان عنده مشاغل فالصحابة كان عندهم مشاغل وإن كانت مشاغلنا ربما أكثر وربما كذلك أوسع ولكن لم يمنعهم لم تمنعهم تلك المشاغل من أن يطلب العلم فتستطيع أن تجمع بإذن الله عز وجل بين التكسب وبين حضور بعض مجالس العلم إذا صدقت مع الله عز وجل وثابرت وأخلصت النية لله سبحانه وتعالى قال والله عز وجل يقول ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب فعليك بصدق النية في الطلب تجد أن الأمر سهل وميسر نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى عنا شكرا