الدرس في التعليق على كتاب العلم 48، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع فتوى ابن عثيمين في مقارنة كتابي "بلوغ المرام" و"المحرر" لابن عبد الهادي، مبيناً مزايا كل منهما، وينصح بالاهتمام بـ "بلوغ المرام" لشيوعه وخدمته العلمية مع جواز إضافة الأحاديث الزائدة من "المحرر" إليه. كما يشير إلى أن العلماء يستدلون بأحاديث غير موجودة في بلوغ المرام عند تدريسه، مع جعله الأصل في الشرح.
ينقل المقطع رد ابن عثيمين القوي على رواية تدعي أن الخلفاء الراشدين وأئمة كبار لم يحفظوا القرآن، مبيناً بطلان ذلك وعدم صحته، ومحذراً من التعلق بمثل هذه الروايات للتهرب من حفظ القرآن. يؤكد أن هذه الدعوى باطلة وتخالف إجماع السلف على حفظ كتاب الله.
يشدد المتحدث على أن حفظ القرآن أصل طلب العلم وأساسه، مستشهداً بمنهج السلف في اشتراط حفظ القرآن قبل تعلم الحديث، ويحذر من إهمال الطالب للقرآن بحجة الانشغال بالدروس الأخرى. يدعو إلى تخصيص وقت يومي للحفظ والمراجعة والتدبر، لا سيما في شهر رمضان، ويختتم الجلسة بالتأكيد على العناية بكتاب الله وتجنب التزهيد في حفظه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: سئل العلامة ابن عثيمين - رحمه الله - كما في كتابه "كتاب العلم": إذا أراد طالب العلم أن ينقل الأحاديث التي زادت من "بلوغ المرام" على "المحرر" لابن عبد الهادي، فهل هذه الطريقة مفيدة؟ و"بلوغ المرام" كتاب اشتمل على الأحاديث الواردة في أبواب الفقه والأحكام، ابتداءً من كتاب الطهارة. وكذلك كتاب "المحرر"، اسمه "المحرر في الحديث" لابن عبد الهادي، كذلك اشتمل على الأحاديث الواردة في أبواب الفقه والأحكام. ولكن لكل كتاب منهما مزايا وخصائص: فكتاب "بلوغ المرام" من خصائصه أنه يختصر الحديث، ويأخذ وجه الشاهد من الحديث في بعض المواضع. وأما كتاب "المحرر" فهو يذكر الحديث بتمامه وإن كان الحديث طويلاً. وكذلك "بلوغ المرام" يذكر الحكم المختصر على الحديث من حيث الصحة والضعف. وأما صاحب كتاب "المحرر" ابن عبد الهادي فإنه يذكر علل الحديث، ويذكر أحكام العلماء عليها. ثم مع هذا هناك أحاديث في "بلوغ المرام" لا توجد في كتاب "المحرر" لابن عبد الهادي، وهناك أحاديث في كتاب "المحرر" لا توجد كذلك في كتاب "بلوغ المرام". ولكن الكتاب الذي اشتهر وتداول بين العلماء هو كتاب "بلوغ المرام". فهذا السائل أراد أن يجمع بين الكتابين، وأن يورد مثلاً الأحاديث الزائدة على كتاب "المحرر" فيضعها في "بلوغ المرام"، أو العكس. فأراد أن يجمع بين الكتابين، فأجاب الشيخ - رحمه الله - قال: لا شيء في ذلك، هذه طريقة خاصة، يعني بذلك الذي يريد أن يجمع، والأمر في هذا واسع. فلذلك قال: هذه طريقة خاصة. لكنه على سبيل العموم: كونه يدرس الكتب المشهورة المتداولة بين الناس أحسن. ثم إن كتاب "بلوغ المرام" خدم من قبل العلماء شرحاً وتحقيقاً وضبطاً وإلى غير ذلك. فلذلك ينصح العلماء بـ "بلوغ المرام" لأنه متداول ومعتنى به من قبل العلماء. هذه هي خلاصة هذه الفتوى. قال: ثم سئل فضيلة الشيخ عن كتاب "المحرر" لابن عبد الهادي: أليس خيراً من "بلوغ المرام"؟ فأجاب فضيلته بقوله: "بلوغ المرام" متداول بين الناس، وصاحبه محقق - رحمه الله - يعني أن الحافظ ابن حجر يلخص لك الحكم على الحديث، ويقول لك: هذا حديث مثلاً معل، أو هذا الحديث صحيح، أو هذا الحديث ضعيف، في بعض هذه الأحاديث التي أوردها. والشيء الثاني: أنه كتاب متداول كما تقدم. قال: والشيء المتداول ينبغي للإنسان أن يعتني به أكثر من غيره لعدة أمور: الأمر الأول: سيجد الخدمة لهذا الكتاب، فلا يجد عناء في شرح أحاديث هذا الكتاب، مثلاً "بلوغ المرام": انظر شرحه العلامة الصنعاني في "سبل السلام"، وكذلك من المعاصرين شرحه العلامة ابن عثيمين وهو مطبوع متداول، كذلك البسام في "توضيح الأحكام" تكلم على درجة الحديث، وعلى مفردات الحديث، وعلى الأحكام المستنبطة من الحديث. وإذا تتبعت لرأيت أيضاً ربما شروحاً غير هذه الشروح. فإذا الفائدة من دراسة الكتاب المتداول: الخدمة التي خدم بها هذا الكتاب. فأنت ترجع إلى هذه الشروحات وتأخذ منها الفوائد والأحكام والفقه وإلى غير ذلك. أما كتاب "المحرر" فلا تجد ذلك الاعتناء وتلك الشروح عليه. ولا يمنع هذا من أن تأخذ الأحاديث التي لم ترد في "بلوغ المرام" وهي موجودة في كتاب "المحرر" وتضيفها، كما تقدم أن هذه الطريقة حسنة لا بأس بها. وهكذا العلماء ربما استدلوا بأحاديث في بعض المسائل عند تدريسهم لـ "بلوغ المرام"، هذه الأحاديث لم تكن موجودة في "بلوغ المرام". يمثلون بالأحاديث الواردة في كفر تارك الصلاة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، هذا الحديث ما ورد في "بلوغ المرام". كذلك: «بين الرجل والكفر ترك الصلاة». كذلك باب الطب: قالوا ذكر في "المحرر" ولم يذكر في كتاب "بلوغ المرام"، كتاب الطب. وهكذا فأنت تستفيد من كتاب "المحرر"، لكن تجعل العمدة في الشرح وفي الدراسة هو كتاب "بلوغ المرام". قال: والشيء المتداول ينبغي للإنسان أن يعتني به أكثر من غيره، لأن الشيء المهجور لا ينتفع به الناس كثيراً. و"بلوغ المرام" كما هو معلوم خدم وقرأ به علماؤنا ومشائخنا. نعم، ومنهم العلامة ابن عثيمين - رحمه الله - له شرح على هذا الكتاب في مجلدين، وهو شرح ممتع ومختصر. وسئل - حفظه الله -: ذكر عن ابن الوزير - رحمه الله - أن الصحابة أبا بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - لم يحفظوا القرآن الكريم، وكذلك ما ورد عن الأئمة كعثمان بن أبي شيبة - على قدره - أنه لم يحفظ القرآن. الأشياء التي تدعو بعض طلبة العلم لترك حفظ كتاب الله، هل هذا صحيح؟ فأجاب فضيلته بقوله: أنا أستبعد أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وهؤلاء الأجلة من الصحابة لم يحفظوا كتاب الله، هذا بعيد. وتعلم أن القرآن جمع على عهد أبي بكر وعلى عهد عثمان، كيف يجمعون ولا يحفظون؟ بعيد جداً. وما استبعده - رحمه الله - له حظ من الوجاهة ومن الصحة. فما هو الدليل الواضح البين على أن هؤلاء الخلفاء لم يحفظوا القرآن؟ هل لأنهم مثلاً لم يؤثر عنهم أنهم كانوا يصلون بالصحابة صلاة القيام أو إلى غير ذلك؟ لا، هذا ليس بدليل، هذا ليس بدليل. فما ذكره ابن الوزير يحتاج إلى دليل واضح صريح في أن هؤلاء الخلفاء - رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين - لم يحفظوا القرآن. فبطل عرشك ثم انقش. فما هو الدليل على هذا؟ فلذلك استبعد العلامة ابن عثيمين هذا القول من أن هؤلاء لم يحفظوا القرآن. قال: ولكن حتى لو روي عنه، يعني عن ابن الوزير، فيجب أن ننظر في الإسناد أولاً، يعني: هل صح عن ابن الوزير أو لم يصح أولاً؟ ثم إذا صح الإسناد فنقول: إن الذي تحدث عنهم وقال إنهم لم يحفظوا القرآن كله، تحدث عما علم. ويبعده جداً أن مثل هؤلاء لا يحفظون القرآن. يعني: ما في دليل صحيح صريح في هذا. ولا ينبغي أن يثني الرجل عن حفظ القرآن مثل هذه الروايات. فلربما بعضهم كسالة، ما عنده همة لحفظ القرآن، فيستدل بمثل هذه الأمور على ما وافق هواه، فيقول: لا يلزم أن طالب علم يحفظ القرآن، وهناك أئمة لم يحفظوا القرآن. وربما استدل ببعض العلماء المعاصرين وإلى غير ذلك. إن صح عنهم ذلك حتى يوافق ما يريد من عدم حفظ كتاب الله، فلا ينبغي لطالب العلم أن يكون كذلك. ولينظر إلى عامة العلماء: لماذا لا تقتدي بعامة العلماء؟ أنت تقرأ في سير العلماء أن فلاناً حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وذاك ابن عشر سنين، وربما ذاك ابن ست سنين وهو قد حفظ القرآن، كما جاء في ترجمة بعض العلماء. فلماذا لا تقتدي بهؤلاء العلماء وتذهب إلى من لم يحفظ القرآن وقد ورد؟ نعم. وقد كنا نسمع شيخنا يذكر ذلك عن عثمان بن أبي شيبة أنه لا يحفظ القرآن، وهو من أئمة الحديث، لكن هذا ليس دليلاً، هذا ليس دليلاً على أن العالم ليس له أن يحفظ القرآن، أو أن الطالب تضعف همته بسبب مثل هذه الروايات عن بعض العلماء. بل ينبغي عليه أن يعلم أن من أساس طلب العلم حفظ القرآن، فهو أصل العلم، وهو كذلك الباب الذي به تدخل إلى غيره من أبواب العلم. فينبغي على طالب العلم أن يقتدي بالعلماء الذين عرفوا بحفظ القرآن وبالاهتمام بأمر القرآن. بل ربما يأتي الطالب عند المحدث ويريد أن يكتب الحديث وأن يتعلم الحديث، فيسأله الشيخ: هل أخذت القرآن؟ أي: هل حفظت القرآن؟ فإذا كان الجواب بالنفي أمره أن يذهب فيحفظ القرآن ثم يأتي ويطلب الحديث. فهذا فيه دليل على اعتناء السلف بأمر القرآن، وأن أول ما ينبغي أن يعتني به الطالب هو حفظ القرآن. ولكن للأسف الشديد تتألم كل الألم عندما تسمع طالب العلم فقط يقرأ القرآن فيخطئ في القراءة لعدم اهتمامه بأمر القرآن. ولا تجده في المسجد يقرأ القرآن ويحفظ القرآن ويراجع القرآن. فمن لم يراجع القرآن في بيت الله ويفرغ من وقته الساعات لإتقان حفظ القرآن، فأن له أن يفعل ذلك في بيته. المسجد بيت مبارك يعين العبد على قراءة القرآن فيه وعلى حفظ القرآن. ولذلك جاءت الفضيلة في الاجتماع على القرآن في المسجد: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فاحرص يا طالب العلم أن تفرغ من وقتك، ومن طلبك للعلم كذلك، وقتاً لحفظ القرآن ولإتقان القرآن. لو كان عندك من الدروس ثلاثة أو أربعة تستغرق ثلاث ساعات، فليس بقليل، بل هو كثير. ليس بكثير أن تعطي القرآن خمس ساعات في اليوم، أو أربع ساعات، أو مثل الدروس ثلاث ساعات، ليس بكثير. ولا تقل: أنا أريد أن أحفظ وقتي في الدروس. يا سبحان الله! القرآن تقرأه فيزداد إيمانك. فكيف إذا كنت تحفظ كتاب الله وهو في صدرك؟ لا شك أنك ستجمع بين أجر التدبر والقراءة والحفظ. فإنه يوم القيامة يقال للرجل: «اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». فاحذر أن تدخل عليك هذه الشبهة، وأنك تعتني بالدروس، طيب، والقرآن من أعظم الدروس دروساً عملية. ما الفائدة أن تدرس ولا تتدبر كتاب الله، ولا تتفكر في آيات الله، ولا يؤثر عليك القرآن؟ القرآن من قرأه بتدبر أثر عليه وزاد من إيمانه، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فمن أعظم زيادة الإيمان قراءة القرآن بتدبر وتفكر. وإنه عيب على طالب العلم أن يمر عليه اليوم واليومان والثلاثة وهو لا يفتح كتاب الله، ولا يقرأ في كتاب الله، ولا يحفظ ويراجع ما حفظه من كتاب الله سبحانه وتعالى. ونحن الآن قادمون على شهر مبارك، شهر القرآن، فينبغي علينا أن نعتني بكتاب الله. لا أقول قراءة فحسب، بل قراءة وتدبراً وتفكراً، وكذلك مدارسة وحفظاً وتفسيراً، وكل ما يتعلق بأمر القرآن من العلوم، علوم القرآن. فينبغي علينا - بارك الله فيكم - أن نعتني بكتاب الله، وأن لا نورد مثل هذه الأمور التي ربما يحتج بها البعض على التزهيد في حفظ القرآن الكريم. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر