الدرس في التعليق على كتاب العلم 54، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح الشيخ ابن عثيمين أن عدم تطبيق العلم يعود إلى اتباع الهوى وضعف الوازع الديني وتسويل الشيطان، محذراً من الاستهانة بالصغائر لأن تراكمها يؤدي إلى الكبائر، داعياً إلى محاسبة النفس والخوف من الله لعلاج هذه الظاهرة.
يحذر المقطع من التساهل في المعاصي الصغيرة كتصوير ذوات الأرواح، مبيناً أن الشيطان يدرج العبد خطوة بخطوة حتى تقع في الكبائر، وأن الإصرار على الصغائر يجعلها كبائر بينما المبادرة بالتوبة تكفر الذنوب.
يذكر المقطع ثلاثة أسباب لانتشار المعاصي: اتباع الهوى، واستصغار الذنوب، وقلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مؤكداً أن النصيحة واجب شرعي وعلى المسلم البلاغ فقط بينما الهداية بيد الله.
يوضح المقطع أن على المسلم نصح غيره وإنكار المنكر بقدر استطاعته، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرتب درجات الإنكار: باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب، وأن أضعف الإيمان هو الإنكار بالقلب فقط.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نستمر في قراءتنا في كتاب «العلم» للشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله، ونحن في آخر فصل هذا الكتاب، وهو ما يتعلق ببعض الفتاوى المتعلقة بطلاب العلم، وما في كلام الشيخ من نصائح وتوجيهات. فهو كما هو معلوم من علماء أهل السنة المربين. سُئل فضيلته: نرى كثيرًا من الناس يعلم بعض الأحكام الشرعية كتحريم حلق اللحية وشرب الدخان، ومع ذلك لا يعمل بعلمه، فما أسباب ذلك وكيف تعالج هذه الظاهرة الخطيرة؟ وهذا على سبيل المثال، وإلا فهناك بعض الأحكام الشرعية الأخرى التي يخالف فيها بعض من يدعي العلم والدعوة. فأجاب الشيخ رحمه الله بقوله: أسباب ذلك هو اتباع الهوى، وكون الإنسان ليس عنده من الوازع الديني ما يحمله على تقوى الله عز وجل في تجنب ما يراه حرامًا. والإنسان إذا حاسب نفسه ورأى أنه راجع إلى ربه مهما طال الوقت، فإنه قد يغلب هواه وقد يسيطر على نفسه. وقال: ومن أسباب ذلك أيضًا أن الشيطان يصغر مثل هذه المعاصي في قلب العبد، والنبي صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك، فقال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل ذلك كمثل قوم نزلوا أرضًا، فأتى هذا بعود، وهذا بعود، وهذا بعود، ثم إذا جمعوا حطبًا كثيرًا وأضرموا نارًا كثيرًا». فهكذا المعاصي. والحديث رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود، وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم تسعة وثمانين وثلاثمائة. فهذا الحديث فيه التحذير من التساهل في محقرات الذنوب، أي الذنوب التي يراها العبد صغيرة وهينة، فيكثر منها، فالإكثار من الصغائر يؤول بها إلى فعل الكبائر، إلى فعل الكبائر. فلا تستصغر ذنبًا مهما تراه صغيرًا، فإنه عند الله عظيم. وكما تقدم أن التمثيل بحلق اللحية وشرب الدخان هذا على سبيل المثال، وإلا فهناك تساهل من بعض هؤلاء الذين ربما لهم صولة وجولة في الدعوة إلى الله، أو في النصح والتوجيه، أو إلى غير ذلك، إلا أنهم يتساهلون في مثل هذه المعاصي والصغائر. فمثلًا في وقتنا هذا قد يتساهل البعض في مسألة تصوير ذوات الأرواح، لا سيما وقد انتشرت في هذه الأزمان تلك الأجهزة المعاصرة الحديثة من الحاسوب والجوالات، وإلى غير ذلك. فربما يتساهل الشخص في الصور، صور ذوات الأرواح، فيتبع خطوات الشيطان. فاليوم ينظر إلى مثل المذيع، أو إلى الحدث الفلاني، وغدًا ربما ينتقل إلى أن يرى المذيع، وهكذا صور النساء، وهكذا ربما ما هو أعظم من ذلك. فليحذر المؤمن من أن يتساهل ويتهاون في مثل هذه المعاصي، بل يسد هذا الباب، يسد هذا الباب من أصله. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إياكم ومحقرات الذنوب». ربما البعض في مسألة الصور يجادل، ويقول: العلماء اختلفوا، وبعضهم يجيز، وكذا، ويجادل، ثم يخرج عن ما أجازه المجيزون من الصور. هل أجاز من أجاز الصور أن ترى إلى صور النساء، أو إلى صور الفتن؟ هل كانت هذه الفتاوى مطلقة دون قيد ودون كذلك تخصيص؟ فالشيطان يتدرج بالشخص، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾. الشيطان ينقلك من خطوة إلى خطوة، فما تشعر إلا وتقع في أمور تعد هذه الأمور من المنكرات، ومن المعاصي الواضحات. فليحذر المؤمن: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل ذلك كمثل قوم نزلوا أرضًا، فأتى هذا بعود، وهذا بعود، جمعوا حطبًا، كل واحد ذهب وأتى بعود، فاجتمعت عيدان كثيرة، فأشعلوا هذا الحطب، فأضرمت النار العظيمة، عظيمة، وكان السبب في هذا عيدانًا جماعات». وهكذا محقرات الذنوب إذا أكثر منها العبد تجتمع على صاحبها حتى تهلكه، والعياذ بالله. فلذلك قال الشيخ هنا: فهكذا المعاصي المحقرات التي يراها الإنسان حقيرة لا تزال به حتى تكون من كبائر الذنوب، بسبب التساهل، وبسبب الاستمرار، وبسبب اتباع خطوات الشيطان. وقال: ولهذا قال أهل العلم: إن الإصرار على الصغائر يجعلها كبائر. والله عز وجل ذكر في كتابه الكريم في صفات أهل الإيمان المسارعين للخيرات أنهم إذا أذنبوا باذروا بالتوبة، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فالمصيب أن يصر العبد على هذه المعصية لكونها صغيرة، فيتبع المعصية بالمعصية حتى تكبر. لذلك قال: إن الإصرار على الصغائر يجعلها كبائر، وإن الاستغفار من الكبائر يكفرها. لهذا نقول لهؤلاء: عليكم أن تحاسبوا أنفسكم. إذن، ذكر السبب الأول: اتباع الهوى، وكون الإنسان ليس عنده الوازع الديني. والسبب الثاني: التساهل واستصغار مثل هذه المعاصي. وقال: ومن أسباب ذلك أيضًا قلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يعني يرى الأخ أخاه يعمل هذه المعصية، فلا ينهاه، ولا يزجره، ولا ينصحه. فهذه من أسباب، لأنه قد يظن أن هذا الأمر عادي. هذا يرى الصور، وذاك يسمع مثلًا موسيقى، ولو كان فيه نشرة أخبار. وهذا يعني يقولها: فلان ينظر، وفلان حضر، وفلان يشاهد، وفلان كان عندنا. فهذه، هذا السكوت يصير هذه المعاصي أمرًا عاديًا مباحًا عند بعض الناس. لكن إذا وجد الإنكار، ووجد النصح، ووجد التوجيه، فلا شك أن هذا من أسباب القضاء على مثل هذه الظاهرة. وقال: ومن أسباب ذلك أيضًا قلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو كان كل واحد منا إذا رأى أحدًا على معصية أرشده، وبين له أن ذلك مخالف لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن العاقل سوف يعتبر ويتغير. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة، الدين النصيحة». أنت تنصح، والقبول لا يلزمك أن يقبل فلان أو لا يقبل. أنت عليك أن تضع البذرة، أن تضع البذرة، وأما نبت هذه البذرة فأمره إلى الله سبحانه وتعالى. قد تنبت في الحال، وقد تنبت بعد فترة يسيرة، وقد تنبت بعد فترة طويلة، فيتذكر هذه النصيحة. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. فأنت ما عليك إلا البلاغ، وما عليك إلا النصح. فالله سبحانه وتعالى يتولى قبول هذه النصيحة. فينبغي علينا أن نحيي هذه الشعيرة، نحيي هذه الشعيرة: شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأمر كما قال الشيخ رحمه الله: لو كان كل واحد منا إذا رأى أحدًا على معصية أرشده، وبين له ذلك، أن ذلك مخالف لهدي، فإن العاقل سوف يتغير أو يعتبر ويتغير. تصور: لو كل واحد منا نهى عن المنكر، ما ستجد انتشار المنكرات، والمخالفات، والمخالفات، سواء أكان مخالفات في الأفراح، أو في الأحزان، أو في كذلك أهل الشوارع، أو في المساجد، أو في غيرها من مجتمعات أهل الإسلام. فالمسلم ينصح، وينكر على قدر الاستطاعة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر