الدرس في التعليق على كتاب العلم 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل المحاضر دروس كتاب العلم بالثناء على مؤلفه الشيخ محمد بن صالح العثيمين وقيمته لطالب العلم، ثم يقرأ ترجمة مختصرة تشمل نسبه ومولده في عنيزة عام 1347هـ وبدء طلبه للعلم بحفظ القرآن على جده. كما يذكر ملازمته للشيخ عبد الرحمن السعدي نحو إحدى عشرة سنة قرأ عليه فيها التوحيد والتفسير والحديث والفقه.
تتلمذ العلامة ابن عثيمين على كبار علماء العصر كعبد الرحمن السعدي أحد عشر عاماً، وعلى عبد العزيز بن باز ومحمد الأمين الشنقيطي وغيرهم، وتقلد إمامة الجامع الكبير بعنيزة والتدريس في المعهد العلمي والجامعة. كما شغل عضوية هيئة كبار العلماء وخلّف مؤلفات نافعة في أصول الفقه والتفسير.
يبرز المقطع نعمة التتلمذ على عالم سني كالشيخ ابن عثيمين الذي عني بطلابه عناية فائقة من سكن ومكتبة ومتابعة علمية، ونصحهم بطاعة ولي الأمر في طاعة الله محذراً من فكر الخوارج. وكان نموذجاً حياً للأخلاق النبوية من تواضع وحلم وسكينة ووقار.
كان الشيخ يخاطب الصغير والكبير ولا يحتجب عن الناس رغم مكانته العلمية، فكان الناس يجتمعون حوله أينما وجد يرهقونه بالأسئلة والطلبات. يعكس هذا الموقف تواضعه الشديد وقربه الدائم من عامة المسلمين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، فإن شاء الله تعالى في هذه الليالي القادمة نقرأ في هذا الكتاب الممتع، وهو للعلامة محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله، الموسوم بكتاب العلم. وهذا الكتاب كتاب قد حوى كثيراً من النصائح، ومن كذلك الإرشادات التي لا يستغني عنها طالب علم، بل ولا يستغني عنها عالم. وحسبك بهذا الشيخ الجليل الشيخ محمد بن صالح العثيمين، فهو من العلماء العاملين المجربين الذين قد نفع الله عز وجل بعلمهم، فوضع هذا المؤلف خلاصة لما واجهه في سيره العلمي، وكذلك لما واجهه من تدريس وتعليم لطلاب العلم. فهذا الكتاب أُلِّف من خبير بهذا الباب وبهذا الجانب، وهو جانب العلم والتعليم. فأحببنا في هذه الدروس أن نقرأ من هذا الكتاب، وأن ننهل من نصائح هذا العالم النحرير. وأحببت في أول هذا الدرس أن نقرأ ترجمة موجزة لهذا العلم الشامخ من أعلام هذه الأمة، وهذه الترجمة وضعت في أول هذا الكتاب، فلذلك أحببنا أن نقرأها. قال: ترجمة موجزة بفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. قال: اسمه ونسبه. قال: هو أبو عبد الله محمد بن صالح بن عثيمين المقبل الوهيبي التميمي. قال: مولده ونشأته وحياته الأسرية. ولد الشيخ العثيمين رحمه الله في مدينة عنيزة، إحدى مدن القصيم، عام سبعة وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، في السابع والعشرين من رمضان، في عائلة معروفة بالدين والاستقامة. تزوج الشيخ رحمه الله من امرأة واحدة، وله من الأولاد ثمانية: خمسة ذكور، وله من الإناث ثلاث. قال: طلبه للعلم وشيوخه. قال: لقد اتبع الشيخ رحمه الله تعالى طريق السلف الصالح في طلب العلم، فبدأ بحفظ القرآن الكريم وهو طفل صغير، فقرأه على جده لأمه الشيخ عبد الرحمن بن سليمان آل دامغ رحمه الله. وقول المترجم: "اتبع الشيخ طريق السلف الصالح في طلب العلم"، لأن من طريق السلف الصالح في طلبهم للعلم أن يبدأوا بحفظ القرآن ويهتموا بذلك في زمن الصغر. فأنت تقرأ في تراجم كثير من العلماء أنه حفظ القرآن وهو من سبع سنين، وذاك من ست سنين، وذاك من عشر سنين. ولذلك كان بعض المحدثين إذا أتى إليه الطالب يسأله أولاً عن القرآن، فإن كان حافظاً للقرآن حدثه، وإن لم يكن حافظاً للقرآن رده وقال له: اذهب احفظ القرآن ثم آتني أحدثك، ثم آتني أحدثك. فهذه هي الطريقة التي مشى عليها السلف الصالح، ولذلك ينبغي لطالب العلم ألا يهمل القرآن، وأن يتقن قراءته وحفظه، فإنه أصل العلم، وإن الحافظ للقرآن يسهل عليه طلب العلم. قال: ثم لازم الشيخ العلامة... ثم لازم الشيخ العلامة المفسر، يعني الشيخ بن عثيمين لازم هذا الشيخ، ثم لازم الشيخ العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، الذي يعد شيخه الأول، فقرأ عليه التوحيد والتفسير والحديث والفقه، واستفاد منه قرابة إحدى عشرة سنة، فكان من أبرز طلابه. فإذا شيخ العلامة بن عثيمين هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، وهو كذلك من العلماء الأجلاء، له تصانيف عدة، وله بحوث قيمة، فهو قوي رحمه الله تعالى في العلم. ولذلك لقوة هذا الشيخ كان العلامة العثيمين من أقوى العلماء ومن أبرز العلماء. قوة الطالب تستمد من قوة شيخه، من قوة شيخه، فهو يأخذ عنه علمه، فهو يأخذ عنه علمه. فالشيخ الأول للشيخ بن عثيمين هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى، فقد لازمه كما ذكر إحدى عشرة سنة، وهذه الفترة الزمنية ليست بهينة. قال: وفي أثناء مواصلة الشيخ العثيمين لدراسته النظامية في الرياض، قرأ على العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله صحيح البخاري، وبعض رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وبعض الكتب الفقهية. ولم يرحل لطلب العلم إلا إلى الرياض حين فتحت المعاهد العلمية عام اثنين وسبعين وثلاثمائة وألف، فألحق بها. فإذا شيخه الثاني الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، هذا العلم كذلك من أعلام هذه الأمة. فشيوخ العلامة بن العثيمين من أقوى وأبرز علماء الأمة: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز، رحمهم الله جميعاً. قال: وقال: واستغل وجوده بالرياض فدرس على الشيخ عبد العزيز بن باز، فقرأ عليه صحيح البخاري. وهذا يدلك على الكتب والمراجع التي كان العلماء يقرؤونها على المشايخ ويدرسونها، فكانوا يعتنون بصحيح البخاري، وكذلك صحيح مسلم، وغيرها من السنن، وغيرها من السنن. فلا يهمل طالب العلم مثل هذه الكتب، فإنها نافعة، وكذلك القراءة فيها بركة. قال: وبعض رسائل شيخ الإسلام بن تيمية، وبعض الكتب الفقهية. ولما توفي الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، تولى الشيخ ابن العثيمين إمامة الجامع الكبير بعنيزة، فكان هو المرشح لإمامة المسجد بعد شيخه، بل قيل أن شيخه هو الذي كان يوليه ذلك قبل موته. قال: تولى الشيخ ابن العثيمين إمامة الجامع الكبير بعنيزة، والتدريس في مكتبة عنيزة الوطنية، بالإضافة إلى التدريس في المعهد العلمي. هذه هي الرتب والوظائف التي تقلدها العلامة بن العثيمين، فعين إماماً للجامع الكبير بعنيزة، ومدرساً للطلاب في مكتبته، في مكتبة ذلكم المركز، وكذلك مدرساً في المعهد العلمي. قال: ثم انتقل إلى التدريس في كليتي الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم، إلى جانب عضوية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، حتى توفاه الله تعالى. فإذا حياته كلها علم ودعوة ونفع للخلق: إمامة، خطابة، تدريس في المسجد، في المدرسة، في الجامعة. وكانت الدروس في تلك المواطن دروساً شرعية، دروساً شرعية. بل لهم مؤلفات ألفها لتدريس طلاب الجامعة أو المعاهد العلمية، ومن ذلك كتابه في أصول الفقه وفي أصول التفسير، فإنه قد صرح أنه ألف ذلك لطلاب المعاهد العلمية، فانتفعت بها الأمة. قال: ومن شيوخه أيضاً الشيخ محمد الأمين بن مختار الجكني الشنقيطي، صاحب التفسير أضواء البيان، وكذلك شيخ معروف قوي في التفسير والعربية. قال: والشيخ علي بن محمد الصالح، والشيخ محمد عبد العزيز المطوع. قال: ولا بد أن نذكر أن من نعم الله علينا، بعد أن منّ علينا سبحانه وتعالى بنعمة الإسلام، أن يمن علينا ويوفقنا، أن يمن علينا ويوفقنا لاتباع سبيل السنة، ويهيئ لنا من العلماء من أهل السنة كالشيخ رحمه الله، والله حسيب، ولا نزكيه على الله، من نتلقى عنهم العلم فنستفيد، ونحن بمأمن على إيماننا واعتقادنا. يعني يريد المترجم من هذا أن من نعم الله عز وجل أن يوفق طالب العلم إلى عالم سني يدرس عنده، ولا يخشى أن يدس له اعتقاداً فاسداً، أو كذلك سلوكاً منحرفاً، أو بدعة، أو إلى غير ذلك. ولذلك كان السلف يقولون: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. فنعمة عظيمة أن يوفق، لاسيما الشاب والحدث، إلى صاحب سنة يعلمه العقيدة الصحيحة، ويعلمه كذلك المنهج السوي، منهج أهل السنة والجماعة. فهذه نعمة عظيمة، فهو أراد التذكير بهذه النعمة. قال: فأهل السنة أصحاب الاعتقاد الصحيح، المنهج الواضح، من الصدق في القول والنصح للخلف. فمعنى ذلك أنهم أهل علم وعمل. قال: تلامذته. لقد كان الشيخ رحمه الله يعتني بطلابه عناية شديدة، فكان الطلاب يتوافدون عليه من كل أنحاء العالم، من كل أنحاء العالم، لثقتهم بقوة علمه وبراعة تدريسه وحنوه على طلابه، وكأنهم جميعاً أبناؤه. وكان من حرصه رحمه الله تعالى على الطلاب أن أقام لهم سكناً يحتوي على صالة إعاشة ومكتبة علمية زاخرة بالكتب والمخطوطات، المكتبة الوطنية، يعني اسمها المكتبة الوطنية التي كان يدرس بها، وكان يتابع مستواهم الدراسي. وكذلك من طلاب الشيخ ابن العثيمين ممن سكن في تلك السكن، أو في ذلكم السكن، ونهل من علم الشيخ، شيخنا عبد الله بن عمر مرعي حفظه الله تعالى، فأنه كثيراً ما يحدثنا عن مكثه في ذلكم المركز، وذلكم كذلك الصرح العلمي الذي كان يقوم عليه العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، ومدحته الشيخ بطلابه. قال: بل أحياناً يوقع على التقرير الشهري مكان توقيع ولي الأمر، يعني يراقب الطلاب، يراقب الطلاب ويتابع مستواهم العلمي. انظر كم بارك الله في عمر هؤلاء العلماء: إمام وخطيب، مدرس في المعهد العلمي، مدرس في الجامعة، وعضو في هيئة كبار العلماء، ومع هذا يتابع الطلاب ويدرس الطلاب. إيش هذه الجهود؟ ربما لو اجتمع عشرات الرجال وأرادوا القيام بها لم يستطيعوا. بركة من الله سبحانه وتعالى ونفع للأمة. قال: وكان ينصح طلابه بالحرص على طاعة ولي الأمر في طاعة الله تعالى ومحبته والدعاء له، وذلك لأن في تلك البلاد ربما نازعه بعض الخوارج ممن يكفر الحكام، وممن كذلك يتكلف عليهم من على المنابر في الخطب وإلى غير ذلك. فكان الشيخ وله في ذلك أشرطة مسجلة يناقش هؤلاء وينصحهم بطاعة ولي الأمر في طاعة الله، في طاعة الله، ومحبته والدعاء له، ولا يجوز الخروج عليه وإثارة الناس عليه وإلى غير ذلك. قال: وكان محكماً لشريعة الله، مقيماً لشعائر الله، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر. قال: أخلاقه. قال: كان رحمه الله صورة حية للعالم العابد المتمثل بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان خلقه القرآن. فقد عرف رحمه الله بسجيته السمحة، يعني بالتواضع، وحلمه، وسكينته، ووقاره. فكان يتكلم مع الصغير والكبير، وكذلك مع مكانته العلمية لم يكن يوماً من الدهر يحتجب عن الناس. لذلك قال: وإن الناس ليجتمعون حوله أين ما وجد، يرهقونه بالأسئلة والطلبات والش