الدرس في التعليق على كتاب العلم 38، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الشيخ ثلاثة كتب أساسية أوصى بها العلامة ابن عثيمين وهي: فتح الباري شرح صحيح البخاري، وسبل السلام شرح بلوغ المرام، ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار. ويبين أن هذه الكتب تجمع بين الرواية والفقه والرجال، مع التنبيه إلى وجود بعض الأحاديث الضعيفة في بلوغ المرام مما يستدعي اقتناء نسخة محققة.
يتناول المقطع ثلاثة كتب حديثية رئيسية هي: نيل الأوطار للشوكاني الجامع بين الحديث وفقهه، وعمدة الأحكام للمقدسي المختصر المقتصر على أحاديث الصحيحين، والأربعين النووية التي تحتوي قواعد عظيمة. ويوضح فضائل كل كتاب وأشهر شروحه، مؤكداً نفع الأربعين النووية لطالب العلم لسهولة أحاديثها وقلة عددها.
يرسم الشيخ منهجاً متدرجاً لطالب العلم يبدأ بحفظ الأربعين النووية كأصول جامعة لمقاصد الدين، ثم التوسع إلى بلوغ المرام لجمع أبواب الفقه مع ترجيحات الرواة، ويختتم بنخبة الفكر في مصطلح الحديث لسهولتها وشمولها. ويؤكد أهمية حفظ نخبة الفكر وإتقانها لبناء ملكة النقد الحديثي لدى الطالب.
يذكر المقطع الكتب الستة المعتمدة في السنة النبوية، ويؤكد أن صحيح البخاري ومسلم لا غنى عنهما في مكتبة طالب العلم. ويختم الدرس بالإشارة إلى استكمال الموضوع في درس قادم إن شاء الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله في كتابه «كتاب العلم»، وفي سياق ذكره للكتب المختارة لطالب العلم -وقد قرأنا في الدرس الماضي الكتب التي اختارها الشيخ رحمه الله تعالى في العقيدة والتوحيد- ثم قال رحمه الله: «ثانيًا: الحديث»، يعني كتب الحديث التي ينبغي لطالب العلم أن يقتنيها، وأن يحرص عليها، وأن يقرأ فيها. قال: «أولًا: كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى». فهذا الكتاب لا ينبغي لطالب علم أن تخلو مكتبته من هذا الكتاب، فإنه كتاب عظيم، يشرح فيه مؤلفه الحافظ ابن حجر أصح كتاب بعد كتاب الله، وهو صحيح البخاري. وقد قيل: «لا هجرة بعد الفتح»، يعني أنه كتاب شامل، كتاب جامع، يذكر فيه الكلام على الأسانيد، ويذكر ألفاظ الأحاديث ومعانيها، ويذكر كذلك فوائد الحديث وفقه الحديث، فهو كتاب حديث، وكتاب فقه، وكتاب رجال وأسانيد، وكتاب لغة، أصول، يذكر في هذا الكتاب مسائل كثيرة وفوائد عديدة. والشيخ رحمه الله بدأ في كتب الحديث بالأعلى فالأدنى، فهذا الكتاب يعد من مطولات الكتب في شرح الحديث. قال: «ثانيًا: كتاب سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني». وكتابه جامع بين الحديث والفقه، وبلوغ المرام جمع وتأليف الحافظ ابن حجر العسقلاني في أبواب الفقه، ابتداء من الطهارة، وختم الكتاب بباب أو بكتاب جامع في الآداب والأخلاق. فهذا الكتاب كتاب عظيم، مر على غالب مسائل الفقه بذكر الأحاديث، سواء كانت هذه الأحاديث في الصحيحين أو في غيرهما من كتب الحديث ك السنن الأربع، وموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وهكذا غيرها من كتب الحديث كصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، وغيرها من كتب الحديث. فكل حديث يتعلق بهذه الأبواب -أبواب الفقه- ذكرها الحافظ رحمه الله تعالى، وقام الإمام الصنعاني اليماني بشرح هذا الكتاب، وبذكر الفوائد المستنبطة من تلك الأحاديث التي ذكرها الحافظ، ويذكر بعض المسائل الفقهية والاختلافات بين العلماء في المسائل العملية، ويرجح رحمه الله تعالى. فهذا الكتاب كما قال العلامة ابن عثيمين: جامع بين الحديث والفقه، فأنت تحفظ الحديث، ثم بعد ذلك تستنبط وتأخذ الأحكام الفقهية من هذا الحديث، ففيه جمع بين حفظ الحديث وبين معرفة الأحكام الفقهية، مع التنبيه على أن هذا الكتاب -كتاب بلوغ المرام- فيه بعض الأحاديث الضعيفة التي نبه عليها المحققون من أهل الحديث، فأنت إن شاء الله تقتني نسخة محققة ومصححة حتى تنتبه للأحاديث الضعيفة، وتحذر من التحديث بها أو الاستدلال بها. قال: «ثالثًا: كتاب نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للشوكاني». ومنتقى الأخبار للجد ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو أشمل وأجمع من كتاب بلوغ المرام، عبارة عن جمع أحاديث في أبواب الفقه، فهو أشبه ببلوغ المرام، لكنه أوسع وأكثر أحاديث من أحاديث بلوغ المرام. فقام بشرحه العلامة الشوكاني اليماني رحمه الله تعالى، وسماه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، وهو كذلك -أي الشوكاني- من العلماء المحققين المجتهدين، فيذكر الحديث، ولربما يذكر درجة الحديث، ثم بعد ذلك يذكر فقه الحديث، وبعض المسائل المختلف فيها فيما وردت أو فيما يستنبط من الحديث هذه المسألة الفقهية، فهو كذلك شبيه بكتاب سبل السلام. قال: «رابعًا: كتاب عمدة الأحكام للمقدسي»، وهو كتاب مختصر؛ لأن بلوغ المرام ومنتقى الأخبار شملت أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما، أما عمدة الأحكام فاقتصر على ما في الصحيحين أو ما في أحدهما، وبعض الزيادات والروايات خارج الصحيحين وهي قليلة جدًا، فلذلك جاء هذا الكتاب مختصرًا. وفائدة هذا الكتاب أنك ما تحتاج إلى أن تبحث عن صحة الحديث في الغالب؛ لأنه لا يخرج هذا الحديث عن أن يكون في الصحيحين أو في أحدهما، فلذلك جاء هذا الكتاب مختصرًا. قال: «كتاب عمدة الأحكام للمقدسي وهو كتاب مختصر، وعامة أحاديثه في الصحيحين، فلا يحتاج إلى البحث عن صحتها كما تقدم». وهذا الكتاب له شروح كثيرة، من أشهرها: تيسير العلام شرح عمدة الأحكام للبسام رحمه الله تعالى، يذكر ألفاظ الحديث وغريب الحديث، ثم يذكر المعنى الإجمالي للحديث، ثم يذكر فوائد الحديث بشكل مختصر، فهو كتاب نافع، وينصح طالب العلم بحفظه؛ لأن أحاديثه سهلة وقليلة، وهو كتاب مختصر. قال: «خامسًا: كتاب الأربعين النووية لأبي زكريا النووي رحمه الله تعالى». وهذا كتاب طيب؛ لأن فيه آدابًا ومنهجًا جيدًا، وقواعد مفيدة جدًا، مثل الحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وهذا الحديث معناه صحيح، وإن كان في سنده ضعف، كما نبه على ذلك بعض أهل العلم. قال: «فهذه قاعدة، لو جعلتها هي الطريق التي تمشي عليها لكانت كافية: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». فلو أن الإنسان ترك ما لا يعنيه، لم يشغل بما يعنيه، فتجده جادًا مثابرًا حريصًا على ما ينفعه، فهو يعمل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك». أما إذا كان الإنسان عنده فضول، ويريد أن يتعرف على كل شيء، سواء كان له فائدة وله علاقة بهذا الأمر أو ليس كذلك، فهو يدخل نفسه في كل شيء، هذا يضيع وقته ويضيع جهده. فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فهذه قاعدة كما قال الشيخ: لو جعلتها هي الطريق الذي تمشي عليه لكانت كافية. قال: «وكذلك قاعدة في النصح: حديث: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». لو عمل الإنسان بهذا الحديث، لما رأيته يكذب ولا يغتاب ولا يسب ولا يشتم، لماذا؟ لأنه يعلم أن هذا الكلام ليس فيه خير، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». إذا أردت أن تخرج كلمة، فحاسب نفسك، وانظر في هذه الكلمة: هل هي خير أو ليست بخير؟ فإن كانت خيرًا نطقت بها، وإن كانت غير ذلك صمت ولم تتكلم، فلا تقع في محذور شرعي يخرج من اللسان أبدًا، لماذا؟ لأنك تحاسب على كل كلمة تخرجها من فيك. فهذا الكتاب -الأربعين النووية- جمع فيه النووي رحمه الله الأحاديث الجامعة، التي جمعت مقاصد الدين، وجمعت كذلك أهم أصول هذا الدين، كحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فحديث: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال الباطنة، و«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» ميزان للأعمال الظاهرة. فانظر كيف أن الإمام النووي رحمه الله ألف هذا الكتاب على صغر حجمه -أربعين حديثًا- إلا أن هذه الأحاديث تعد من أصول وأهم أحاديث أو أهم مسائل هذا الدين، فيحرص طالب العلم على حفظها، وبعضهم زاد عشرة تمام الخمسين، كما فعل ذلك غير واحد من أهل العلم. فطالب العلم مثلًا يبدأ بالأسهل، يحفظ أولًا الأربعين النووية، فإن أتقنها أكمل الخمسين، فإن أكملها دخل في عمدة الأحكام؛ لأنه كتاب أيضًا مختصر، واقتصر على ما في الصحيحين أو في أحدهما، ثم إن أتقن هذا الكتاب دخل في بلوغ المرام وهو أوسع، وهكذا يتدرج شيئًا فشيئًا، ويكون عنده حصيلة في حفظ أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في باب الأحاديث. قال: «سادسًا: كتاب بلوغ المرام للحافظ ابن حجر العسقلاني»، وهو كتاب نافع مفيد، كما تقدم شرحه الإمام الصنعاني في سبل السلام، وشرحه غيره كذلك، الشيخ ابن عثيمين له شرح طبع مؤخرًا، كذلك البسام له شرح مطبوع وموجود، وغيرهم من أهل العلم اعتنوا بهذا الكتاب؛ لأنه كتاب عظيم جمع أبواب الفقه. قال: «وكتاب نافع مفيد، لا سيما وأنه يذكر الرواة، ويذكر يعني الرواة الصحابة، ويذكر من صحح الحديث ومن ضعفه، يعني ما يذكر السند كاملًا، إنما يذكر صحابي الحديث، ويذكر من صحح الحديث ومن ضعف، ويعلق على الأحاديث تصحيحًا أو تضعيفًا، ولكن هذا لا يكفي؛ لأنه لم يدقق، ولم كذلك يتوسع في الكلام على تلك الأحاديث، ولكنه أشار في بعضها إلى من يصح هذا الحديث، فيقول مثلًا: صححه ابن خزيمة، أو صححه الحاكم، أو صححه ابن معين، أو إلى غير ذلك». قال: «سابعًا: كتاب نخبة الفكر للحافظ ابن حجر العسقلاني». ونخبة الفكر هي في مصطلح الحديث، ليست في جمع أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما في مصطلح الحديث، يعني في علم الحديث، وكيف أن الطالب تكون عنده ملكة في معرفة دراسة أسانيد الأحاديث، والحكم على تلك الأحاديث من حيث الصحة والضعف، فهو كتاب مصطلح، وهي رسالة مختصرة، قام بشرحها أيضًا الحافظ في كتابه نزهة النظر شرح نخبة الفكر. قال: «وتعتبر جامعة يعني في مصطلح الحديث، وطالب العلم إذا فهمها تمامًا وأتقنها فهي تغني عن كتب كثيرة في المصطلح، وابن حجر رحمه الله تعالى طريقة مفيدة في تأليفها وهي السبر والتقسيم، يعني كتاب مرتب وسهل لطالب العلم، ولو كان مبتدئًا». قال: «فطالب العلم إذا قرأها يجد نشاطًا؛ لأنها مبنية على إثارة العقل، يعني تجعلك تتفاعل معها وتطلب دراستها إلى نهايتها، لسلاسة ألفاظها ولترتيب فصولها وأبوابها، كما ذكر الشيخ رحمه الله». قال: «وأقول: يحسن بطالب العلم أن يحفظها؛ لأنها خلاصة مفيدة في علم مصطلح، وهو نثر، لكنه يستطيع الطالب أن يحفظها لصغر حجمها أولًا، ولسهولة ألفاظها». قال: «ثامنًا: الكتب الستة: صحيح البخاري، ومسلم، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي». وهذه الكتب هي أمهات السنن، صحيح البخاري وصحيح مسلم لا ينبغي لمكتبة طالب العلم أن تخلو من هذه المراجع المهمة، من دواوين الإسلام، الكتب الستة. وما بقي إن شاء الله نتمه في درس قادم، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر