منظومة السير إلى الله والدار الآخرة  9

منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 9

الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

منزلة الرضا وفضلها على الصبر ومراتب الناس عند البلاء

يتميز الرضا عن الصبر بكونه يزيل المنازعة النفسية ويورث الطمأنينة والانشراح حتى التلذذ بالبلاء. ويرتب الناس عند المصائب إلى أربعة أصناف: الساخط، الصابر، الراضي، والشاكر، والشكر أعلى المنازل لزيادته على الرضا بالعمل والعبادة.

حكم الرضا وأنواعه والفرق بينه وبين الصبر

اختلف العلماء في وجوب الرضا أو استحبابه، والراجح التفصيل: الرضا بأحكام الله الشرعية واجب، بينما الرضا بالمصائب مستحب وليس بواجب. ويُعد الرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين، ويدور على حديثي: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً»، وقول المؤذن بعد الأذان.

منزلة الرضا وأركانها الأربعة وثمارها عند ابن القيم

يقسم ابن القيم الرضا إلى أربع مقامات: الرضا بألوهية الله، وربوبيته، والإسلام ديناً، ومحمداً رسولاً. وتتمثل ثمار الرضا في رضا الله عن العبد، ورضاه باليسير من الرزق فيرضى الله منه باليسير من العمل، وحقيقته تلقي الأحكام الشرعية والقدرية بانشراح صدر وسرور نفس.

خاتمة الجلسة واستئذان الانصراف

يختتم المتحدث الجلسة مكتفياً بما تم طرحه من مباحث حول الرضا، مستعيناً بالله تعالى على الإتمام والقبول. ويودع الحضور داعياً بالتوفيق والسداد في تطبيق ما سمعوه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته "السير إلى الله والدار الآخرة"، وفي سياق ذكره لأوصاف السائرين إلى الله: "نزلوا بمنزلة الرضا فهموا بها قد أصبحوا في جنة وأماني". قال في شرحه: "منزلة الرضا أعلى من منزلة الصبر، فإن الصبر حبس النفس وكفها على ما تكره مع وجود منازعة فيها، وبالرضا تضمحل تلك المنازعة، ويرضى عن الله رضا مطمئناً منشرح الصدر، بل ربما تلذذ بالبلاء كتلذذ غيره بالرخاء". وهذه المنزلة -منزلة الرضا- كما ذكر رحمه الله تعالى منزلة رفيعة، بل هي أعلى من منزلة الصبر. أعلى من منزلة الصبر، لماذا؟ لأن كما ذكر: الصبر حبس النفس وكفها عما تكره، فيكون في هذه النفس شيء من المنازعة، وشيء من الهم والغم وضيق الصدر، وإلى غير ذلك، ولكنه صابر لم يتسخط بلسانه، ولم كذلك يتسخط بجوارحه من لطم الخدود أو شق الجيوب، أو إلى غير ذلك. هو صابر لكن في قلبه شيء من المنازعة، ومن الهم والغم والحزن، وإلى غير ذلك. فإذا زالت تلك المنازعة صارت رضا، صارت رضا. وهذا معنى قوله: "وبالرضا تضمحل تلك المنازعة". فأيهما أفضل: أن يكف جوارحه عن التسخط مع طمئنان قلبه وانشراح صدره، أو أن يحبس جوارحه مع وجود شيء من الحزن والهم والغم في قلبه؟ لا شك الأول هو الأفضل، هو الأفضل. وهذا يسمى الرضا. والناس أمام البلاء وأمام المصائب على أربعة أصناف: ساخط، وصابر، وراضٍ، وشاكر. هذه هي حال الناس أمام المصائب والنكبات. فالساخط لا شك أنه مأزور، وهو الذي لا يصبر، نزلت به مصيبة فتسخط بلسانه أو بجوارحه، أو إلى غير ذلك. وصابر فهو مأجور، بل واجب عليه ذلك أن يكف جوارحه عن التسخط، ولكن في قلبه شيء من المنازعة، هذا يسمى صابراً. وراضٍ وهو ما تقدم: يحبس جوارحه عن التسخط، وهو منشرح الصدر، مطمئن النفس، فهذه المنزلة أعلى من الصبر، أعلى من الصبر، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم. والمنزلة الرابعة أو الحالة الرابعة: الشاكر. قال العلماء: وهي أعلى المنازل، كما سيأتي معنا من كلام المؤلف في مسألة الشكر، لأن الشكر اطمئنان القلب مع زيادة العمل والتقرب والعبادة إلى الله عز وجل، فهو رضا وزيادة، ينشرح صدره وتطمئن نفسه ويكثر من عبادة ربه، فهذا أعلى المقامات، أعلى المنازل، وهو الشكر. فهذا هو حال الناس أمام المصائب والابتلاءات. فإذا الرضا يأتي بعد الصبر وقبل الشكر، هذه هي منزلته، هذه هي منزلته. وأما قوله: "بل ربما تلذذ بالبلاء كتلذذ غيره بالرخاء"، فهذا أيضاً من صفات الراضي، لانشراح صدره وطمأنينة قلبه يتلذذ بهذا البلاء. وقد صحح العلامة الألباني حديث أبي سعيد الخدري كما في "الصحيحة" أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، يعني ما معه إلا لباسه، ما معه شيء آخر، معه لباسه الذي يستره فقط، ثم قال عليه الصلاة والسلام: وإن كان أحدهم -وهذا هو وجه الشاهد- ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء، كما يفرح أحدكم إذا أعطي مالاً أو نعمة فإنه يفرح بذلك، وهكذا الصالحون لما استقر في قلوبهم من الرضا فإنهم يتلذذون بالبلاء كما يتلذذ أحدكم بالرخاء». فهذا معنى قوله: "بل ربما"، فهذا معنى قوله: "ربما تلذذ بالبلاء كتلذذ غيره بالرخاء". وقد اختلف العلماء في حكم الرضا: أهو واجب أم مستحب؟ تقدم معنى أن الصبر واجب، لأن الله سبحانه وتعالى أمر به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. وأما الرضا، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم: أن الرضا لم يأتِ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه، يعني على أصحاب الرضا، جاء الثناء على أصحابه ومدحهم، ولم يأتِ الأمر به. فهذا كان سبب اختلاف العلماء. والصحيح في هذه المسألة التفصيل، فيكون الرضا على قسمين ونوعين: فقد يكون الرضا بفعل الرب سبحانه وتعالى، أي بما أمر به ربنا سبحانه وتعالى من أمر ونهي، من أمر ونهي، فهذا الرضا به واجب. الرضا بما أمر الله به وما نهى عنه هذا واجب، لأدلة كثيرة، منها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فالرضا كما سيذكر المؤلف أن الرضا يكون في أحكام الله الأمرية الدينية وأحكامه الكونية القدرية. فالرضا بأحكام الله الأمرية الدينية هذا واجب. وأما النوع الثاني: فهو الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل، وكذلك فقد حبيب، أو إلى غير ذلك. فهذا هو الذي يقال باستحبابه، لأن الله عز وجل لم يأمر به، لم يأمر به. فمن صبر ولم ينشرح صدره ويطمئن قلبه، فاكتفى بمنزلة الصبر، فلا يقال أنه آثم. ولماذا لم يطمئن قلبه وينشرح صدره؟ لا، فيكون على هذا مستحباً. وأما الصبر فكما تقدم فهو واجب، لأنه من لم يصبر تسخط، ومن تسخط فقد أثم. أما من لم يرضَ فقد صبر، ومن صبر فقد ارتفع عنه الإثم. هكذا يقال في حكم الرضا كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله. فهو على نوعين: الرضا بما أمر الله به أو نهى عنه فهذا واجب، والرضا بالمصائب كالفتن أو الفقر أو المرض أو فقد حبيب، أو إلى غير ذلك، فهذا الرضا به مستحب. ثم قال المؤلف رحمه الله في شرحه لهذا البيت: "وإذا نزل العبد بهذه المنزلة، أي منزلة الرضا، طابت حياته وقرت عينه، ولهذا سمي الرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين، ومستراح العابدين". فهكذا السلف يسمون الرضا، ومن ذكر ذلك ابن القيم عليه رحمة الله في "مدارج السالكين"، قال رحمه الله: "ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين". هكذا يقول رحمه الله تعالى. وهذا المعنى مستنبط من حديث العباس بن عبد المطلب في صحيح مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ذاق طعم الإيمان». انتبهي لهذه اللفظة: «ذاق طعم الإيمان»، فالإيمان له ذوق وحلاوة، من الذي يجدها؟ قال: «من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً». إذن معنى السلف، أو معنى قول السلف: أن الرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين، أن يجدوا به لذتهم وكذلك سعادتهم، فلذلك أطلق عليه بهذا المعنى: جنة الدنيا ومستراح العابدين. ولذلك يقول ابن القيم عليه رحمة الله: "مدار الرضا على حديثين اثنين"، هذا الحديث حديث العباس بن عبد المطلب، وكذلك الحديث الذي جاء في فضل هذا الذكر بعد الأذان، جاء من حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث غيره في مسلم أيضاً، قال عليه الصلاة والسلام: «من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، غفرت ذنوبه، غفرت ذنوبه». فيقول ابن القيم: إن الرضا مداره، مداره، إن الرضا مداره على هذين الحديثين. ثم شرع في بيان ذلك، فقال: إن هذين الحديثين اشتملتا على أمور أربعة، وهي من أعظم مقامات العابدين والسائرين إلى الله والدار الآخرة: المقام الأول: الرضا بألوهية الله، ففي قوله: "رضيت بالله" فيه الرضا بألوهية الله، الذي معناه تحقيق محبته وخوفه وكذلك رجاءه والأنس به سبحانه وتعالى، وكل ذلك من معنى الألوهية. المقام الثاني: فيه الرضا بربوبية الله، الرضا بربوبية الله، فيشمل ذلك أحكامه الكونية من الرضا بما قضى وقدر سبحانه وتعالى بتدبيره وحكمه الكوني سبحانه وتعالى، فهذا المقام الثاني. المقام الثالث: الرضا بالإسلام ديناً، أي بامتثال شرع الله سبحانه وتعالى والانقياد له، فهذا أيضاً من الاستسلام لأحكام الله الأمرية الدينية، الأمرية الدينية. المقام الرابع: وبمحمد رسولاً، فمن الرضا بمحمد رسولاً اتباعه والاستسلام لدينه وشرعه عليه الصلاة والسلام. فإذا اجتمعت هذه العبارات على الرضا بهذه الأربع مقامات، فلذلك دار الرضا على معنى هذين الحديثين، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. فلا تطيب حياة السائرين إلى الله عز وجل وتقر أعينهم إلا بتحقيق هذه المنزلة، ألا وهي منزلة الرضا، التي وصفها العلماء بأنها جنة الدنيا ومستراح العابدين. قال رحمه الله في شرحه: "ومن رضي عن الله رضي الله عنه، ومن رضي عن الله باليسير من الرزق رضي الله منه باليسير من العمل". ذكر هنا ثمار الرضا: إذا كنت متصفاً بهذه الصفة فأبشر بتلك الثمار اليانعة وتلك الفوائد العظيمة. فمن رضي عن الله رضي الله عنه، رضى الله فرض الله أعظم نعمة ينعم الله عز وجل بها على عباده، حتى أهل الجنة، كما تقدم معنا في حديث أبي سعيد، يقول الله عز وجل لأهل الجنة: «يا أهل الجنة هل رضيتم؟» قال: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ قال: «أنا أعطيكم أكثر من ذلك». قال: وأي شيء أكثر من ذلك؟ قال: «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً». والحديث في الصحيحين. وهكذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. فمن رضي عن الله رضي الله عنه، كما في آيات كثيرة: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، فهذا من أعظم ثمار تحقيق هذه المنزلة، أن الله عز وجل يرضى عنهم، أي عن الراضين عنه. وكذلك في أقداره الكونية: من ابتلي بالفقر وقلة ذات اليد فرضي باليسير من الرزق، رضي الله منه باليسير من العمل، ولو كان عمله يسيراً، لأنه قد رضي بما قدر الله عز وجل له. فهذه أيضاً من ثمار الرضا، من ثمار الرضا. ثم قال رحمه الله: "فحقيقة الرضا تلقي أحكام الله الأمرية الدينية وأحكامه الكونية القدرية بانشراح صدر وسرور نفس، لا على وجه التكره والتلمظ". هذا هو حقيقة الرضا. فكما تقدم أن الرضا على نوعين: الرضا بأحكام الله الأمرية الدينية، يعني بما أمر الله به، لا يكن في قلبك حرج ولا ضيق ولا كراهية لما يأمر الله عز وجل وينهى، ولما يحكم سبحانه وتعالى في كتابه وسنة نبيه، والنوع الثاني: أحكامه الكونية القدرية من المصائب والابتلاءات. فحقيقة الرضا أن يتلقى هذا الراضي هذه الأحكام بانشراح صدر وسرور نفس، لا على وجه التكره والتلمظ، يعني ما يكره هذه الأحكام، والتلمظ يعني التمغص وكذلك الاشمئزاز من مثل هذه الأحكام. فمن كان كذلك فقد حقق هذه المنزلة العظيمة، منزلة الرضا. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.