مختصر فقه الأسماء الحسنى  14

مختصر فقه الأسماء الحسنى 14

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى اسم الله الفتاح وتقسيم الفتوح

يشرح هذا المحور معنى اسم الله الفتاح بأنه الحاكم القاضِي بين عباده الذي لا راد لحكمه، مستدلاً بآيات قرآنية. ويقسم فتحة الله إلى نوعين رئيسيين: فتح شرعي يتعلق بالدين والأحكام، وفتح قدري يتعلق بالنصر والخذلان.

أنواع الفتح الجزائي والقدري وأثر الإيمان

يبين المقطع نوعين من الفتح: الفتح الجزائي بحكم الله بين الرسل وأقوامهم، والفتح القدري بتقدير الخير والشر على العباد. ويوضح أن الإيمان بهذا الاسم يستوجب التوجه لله وحده بطلب فتح أبواب الهداية والرزق مستشهداً بأدعية الأنبياء.

أدعية دخول المسجد ودرجات شرح الصدر

يستعرض المحور الدعاء المأثور عند دخول المسجد والخروج منه مبيناً مناسبة كل دعاء لحال العبد مع ربه. ثم يشرح مفهوم فتح الله وشرح الصدر للهداية ودرجاته المتفاوتة بين الأنبياء والأولياء والعلماء وعامة المؤمنين.

خاتمة الدرس وحرمان المعاندين من الفتح

يختم الدرس بتأكيد حرمان المعاندين من الفتح والهداية والخير، مع إعلان الاكتفاء بهذا القدر من الشرح. وينسب الترجمة إلى إنجاز نانسي قنقر مفوضاً العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله - أو حفظهما الله - في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى"، اسم الله الفتاح: قال الله تعالى: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾ [سبأ: 26]. وكما تقدم أن توسل الأنبياء والصالحين بأسماء الله يكون على حسب الدعاء، فلما طلب الأنبياء هاهنا أن يفتح الله بينهم وبين قومهم بالحق، ومعنى "يَفتح" يحكم، وسيأتي معنى هذا الاسم "الفتاح" وأنه هو الذي يحكم بين عباده بما يشاء، ويقضي فيهم بما يريد، ويمَنّ على من يشاء منهم بما يشاء. فلما ذكروا هذا الأمر، وهو أن يحكم الله بينهم ويفتح الله بينهم وبين قومهم، قالوا: ﴿ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾ [الأعراف: 89]. "فاتحين" جمع "فاتح". في معنى اسم الفتاح: قال: ومعنى هذا الاسم، أي الذي يحكم بين عباده بما يشاء، ويقضي فيهم بما يريد، ويمَنّ على من يشاء منهم بما يشاء، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره. قال الله تعالى: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [فاطر: 2]. فإذا هذا هو معنى اسم الله "الفتاح": الذي يحكم بين عباده بما يشاء، ويأتي بمعنى الحكم والقضاء. ولذلك ذكر العلماء أن اسم الله الفتاح يدل على أمرين اثنين، ذكرهم ابن القيم في نونيته فقال: "وكذلك الفتاح من أسمائه والفتح في أوصافه أمرانِ يعني يدل على أمرين اثنين: فتحٌ بحكمٍ وهو شرعُ إلهنا والفتحُ بالأقدارِ فتحٌ ثانِ يعني: فتح شرعي، وفتح قدري". قال: والرب فتاحٌ بهذين كليهما عدلًا وإحسانًا من الرحمن. يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في شرحه لهذه الأبيات: قال: فالفتاح هو الحكم المحسن الجواد. ثم قال: وفتحه تعالى قسمان، وفتحه تعالى قسمان: أحدهما: فتحه بحكمه الدين وحكمه الجزائي. وهذا هو القسم الأول الذي عبر عنه بقوله: "فتح بحكم وهو شرع إلهنا". فشرع الإله سبحانه وتعالى إما أن يكون دينيًا أو جزائيًا. وما الفرق بينهما؟ بين الدين والجزائي وهو كل يدخل في معنى الشرع. ففتحه الديني: أي شرعه الذي أرسل به الرسل من الحلال ومن الحرام، ومن كذلك ما يكون من مجازات المخالف، كالسارق والزاني. كل هذا يدخل في الفتح الديني، وهو الشرع الذي أنزله سبحانه وتعالى. وأما الجزائي: فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم، وبين أوليائه وأعدائهم، فينصر الله أولياءه فيجازيهم الجزاء الحسن، ويخذل ويخذل الله أعداءه فيخزيهم ويذلهم. فهذا هو الحكم الجزائي. يدل على هذا الحكم الجزائي قوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾، ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾، يعني: احكم بيننا وبين قومنا. فالله عز وجل يحكم فينجي أولياءه، مثل ما وقع لنوح، ومثل ما وقع لهود وصالح. حكم الله بينهم وبين أقوامهم، فنجى الله الأنبياء وأتباعهم، وأهلك الله الأعداء، وكذلك مخالفيهم، مخالفي الرسل. فهذا يسمى الحكم أو الفتح الجزائي. وأما الفتح الدين الشرعي: فهو ما يشرعه الله لعباده، وهذا حكم من الله. هذا في قوله: "فتح بحكم وهو شرع إلهنا"، يشمل الدين والجزائي. ثم قال: "والفتح بالأقدار فتح ثاني". وهذا هو النوع الثاني من أنواع الفتح، وهو ما عبر عنه بقوله "القدري"، يسمى بالفتح القدري، وهو ما يقدره الله عز وجل على عباده من خير وشر، ونفع وضر. وهذا يدل عليه قول الله عز وجل: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾. فهذا فتح قدري: يغني هذا، ويفقر هذا، يعز هذا، ويذل هذا، يمرض هذا، ويعافي هذا. هذا يسمى فتح ماذا؟ قدري. فتح قدري. فهذا هو أنواع الفتح الذي يشمله هذا الاسم، الذي يشمله هذا الاسم. قال: وهذا، وإن إيمان العبد بأن ربه سبحانه هو الفتاح يستوجب من العبد حسن توجه إلى الله وحده بأن يفتح له أبواب الهداية، وأبواب الرزق، وأبواب الرحمة، وأن يفتح على قلبه بشرح صدره للخير. كل هذه المعاني يشمله هذا الاسم. فين... فين... فينبغي للعبد أن يستشعر ذلك، وأن يؤثر هذا الاسم في قلبه وإيمانه، فتتوج... فتتوجه إلى الله وحده بأن يفتح عليك في العلم، في الهداية، في الإيمان. وهذا أعظم، لأن به سعادة الدارين. وأن يفتح عليك أيضًا بالرزق والرحمة والأولاد. هذا أيضًا من الفتح، هذا أيضًا من الفتح. فإيمان العبد بهذا الاسم يستوجب منه التوجه إلى الله، وطلب ما يتمناه ويرجوه من الله، فهو الفتاح سبحانه وتعالى. ولهذا كان رسل الله يتوجهون إلى الله عز وجل بطلب الفتح، سوى كان بينهم وبين أقوامهم فيما حصل بينهم من خصومة، كما في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾. وهكذا نوح، ماذا قال؟ قال: ﴿ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 117-118]. هكذا يقول نوح عليه السلام، فطلب الفتح من الله سبحانه وتعالى وحده. وهكذا ذكر الله عز وجل من دعاء شعيب: ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾، ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾. وأيضًا من السنة: كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بأن يفتح الله له أبواب رحمته، كما في دعاء الدخول إلى المسجد. حديث أبي حميد أو أبي أسيد رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك". ذكر بعض أهل العلم تنبيهًا، وكذلك فائدة للتفريق بين دعاء دخول المسجد ودعاء الخروج من المسجد. فعند الدخول إلى المسجد كان يقول: ماذا؟ حث النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقول الداخل: ماذا؟ "اللهم افتح لي أبواب رحمتك". لأنك... لأنك أنت داخل إلى بيت الله، تصلي وتدعو وتتعبد لله عز وجل، فأنت أحوج ما تحتاج إلى أن يفتح الله عليك في الدعاء، في الصلاة، في الهداية. فلذلك ناسب أن يقول الداخل هذا الدعاء: "اللهم افتح لي، اللهم افتح لي أبواب رحمتك". وعند الخروج: تسأل الله من فضله، لأنك تخرج وتسعى في هذه الأرض، تسعى في هذه الأرض في طلب الرزق والولد والعافية ونحو ذلك. فأنت تسأل الله من فضله الواسع، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 10]. فأنت بحاجة إلى أن تسأل الله من فضله الواسع، من فضله العظيم. فلذلك جاء الفرق في هذين الدعائين عند الدخول وعند الخروج. والشاهد منه: عند الدخول كان يقول: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك". والحديث في صحيح مسلم. قال: قال... قال... قال: سبحانه: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 125]. وذكر الآية شاهدًا على فتح الله عز وجل على العبد بشرح صدره للخير. فالذي يشرح صدور العباد إلى الخير هو الله سبحانه وتعالى. قال القرطبي رحمه الله: وهذا الفتح والشرح ليس له حد، يعني ليس له منزلة يقف عندها، بل هو أوسع، أوسع من ذلك. قال: وقد أخذ كل مؤمن منه بحظ، يعني بنصيب. يتفاوت الناس في هذا الفتح وهذا الشرح. فمنهم من يفتح الله عليه فتحًا عظيمًا، كما قال الله عز وجل لنبيه: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ [الفتح: 1]. فأعظم من حظي بالفتح هم الأنبياء، وخيرهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. فتح الله عليه بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضل الأنبياء والمرسلين. فهذا الفتح والشرح ليس له حد. قال: وقد أخذ كل مؤمن منه بحظ. ففاز منه الأنبياء بالقسم الأعلى، كما ذكرنا في الآية. ثم من بعدهم الأولياء، أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ثم العلماء، ثم عوام المؤمنين. ولم يخيب الله منه سوى الكافرين. فالفتح والشرح والهداية يتفاوت الناس فيها. فأعظم الناس هداية وشرحًا وفتحًا هم الأنبياء، ثم الأولياء، ثم العلماء، ثم عامة الناس من المؤمنين. وأما الكافرين والمنافقين فليس... فليس لهم حظ من الفتح والهداية والشر. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر