مختصر فقه الأسماء الحسنى  45

مختصر فقه الأسماء الحسنى 45

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 45، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى اسم الله الغالب والنصير ودليلهما من القرآن

يشرح المقطع اسمي الله "الغالب" و"النصير" كما وردا في مختصر شرح الأسماء الحسنى، موضحاً مواضع ذكرهما في القرآن. ويُبين أن "الغالب" هو الذي لا يُغلب أمره ولا يُرد قضاؤه، و"النصير" هو الناصر للمؤمنين، فمن اعتصم بالله كان غالباً بنصره.

علاقة النصر بالتمسك بدين الله والاعتصام به

يؤكد المقطع أن الله هو الغالب والنصير، وأن النصر حليف من تمسك بدين الله واعتصم بحبله، بينما من أعرض عن الله كان مغلوباً في حبائل الشيطان. ويشير إلى أن النصر لا يطلب إلا من الله وحده، مستدلاً بآيات تبين أن من ينصره الله لا غالب له ومن يخذله لا ناصر له.

استنصار الأنبياء بالله وشرط تحقق النصر للمؤمنين

يوضح المقطع أن الأنبياء والرسل كانوا يلجؤون إلى الله وحده طلباً للنصر، مستشهداً بدعاء نوح ولوط ومحمد صلى الله عليهم وسلم. ويبين أن وعد الله بالنصر مخصص للذين قاموا بحقائق الإيمان ظاهرياً وباطنياً متضمنة أركان الإسلام وشعب الإيمان، فمن استوفى ذلك نصره الله في الدنيا والآخرة.

مجاهدة النفس مقدمة لتحقيق الإيمان والنصر

يشير المقطع إلى أن المؤمنين لا ينالون النصر إلا بعد مجاهدة أنفسهم لإقامة الإيمان واستيفاء شروط النصر، وإلا تسلط عليهم الأعداء بسبب ذنوبهم. وتؤكد أن مجاهدة النفس مقدمة وأولى من المجاهدة بالسيف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى في كتابه مختصر شرح الأسماء الحسنى: أسماء الله الغالب والنصير، وجمع بينهما لتقارب معناهما كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: وقد ورد اسم الله الغالب في موضع واحد من القرآن، وهو قول الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ﴾، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، الشاهد قوله: غالب. قال: وورد اسمه النصير في أربعة مواضع، وهي: قوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾، وقوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾، وقوله: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾، وقوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ﴾. هذه أربع آيات في القرآن ذكر فيها اسم الله النصير. وكما ذكرنا أن أسلوب المؤلف في هذا الكتاب أن يذكر الاسم ثم يذكر دليله من القرآن إن وجد، وإلا فمن السنة، ويختصر في ذكر الأدلة إلا ما كانت أدلته قليلة فيذكر الآيات في ذلك، كاسم الله النصير في هذا الموضع، ثم يذكر بعد ذلك معنى هذا الاسم، معنى هذا الاسم. قال: والغالب معناه: الذي يفعل ما يشاء، ولا يغلبه شيء، ولا يرد حكمه قط، ولا يملك أحد رد ما قضاه، أو منع ما أمضاه، أو منع ما أمضاه. ومعنى هذا: أن الله عز وجل إذا أراد شيئا أن يكون كان، لا يغلبه شيء، لا شيء يمنع من وقوع فعل الله سبحانه وتعالى إذا أراده، ولا يرد حكمه قط، لا يستطيع أحد أن يرد حكم الله عز وجل إذا أراده، ولا يملك أحد رد ما قضاه، فإذا قضى قضاء سبحانه وتعالى فهو كائن، لا يملك أحد رده، فإذا أراد الله لفلان المرض أو الفقر أو الموت لا يستطيع ولا يملك أحد رد هذا القضاء، فلا يغلبه شيء سبحانه وتعالى، أو منع ما أمضاه، إذا أراد الله بعبده خيرا من مال، من علم، من جاه، من ولد، من زوجة، من حياة، غير ذلك، لا يستطيع أحد منع ما أمضاه الله عز وجل أبدا، فلا رد لحكمه ولا مانع لقضائه سبحانه وتعالى. هذا هو معنى اسم الله الغالب. قال: قال القرطبي رحمه الله: فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الغالب على الإطلاق، هو الغالب على الإطلاق، يعني: لا شيء من أحكامه وأفعاله إذا أرادها أن يمنعه أو أن يغلبه أبدا، فهو الغالب، فهو الغالب على الإطلاق. قال: فمن تمسك به فهو الغالب. ومعنى من تمسك به: يعني من اعتصم بالله نصره الله وجعله هو الغالب، كما قال الله: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. فمن تمسك بما جاء به الله سبحانه وتعالى ونصر دين الله نصره الله وجعله هو الغالب. قال: ولو أن جميع من في الأرض طالب، يعني: لو أن جميع من في الأرض طالب، والله أعلم، كأنه يريد به: طالب لهذا المتمسك بما جاء عن الله وهو الغالب، فلا يستطيع، ولو اجتمع عليه جميع من في الأرض أن يغلبه، لأن الله عز وجل أراد له الغلبة. ولذلك قال: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾، يعني: أن الله عز وجل هو الغالب، ويغلب رسله وأتباع الرسل على أعدائهم، يغلبهم، فيكونون هم الغالبون، يكونون هم الغالبون: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾. هذا من تمسك بالله واعتصم بحبله. قال: ومن أعرض عن الله تعالى وتمسك بغيره كان مغلوبا، وفي حبائر الشيطان مغلوبا. فقد يقول قائل: كيف المسلمون يغلبون؟ فيقال: لعدم تمسكهم بدين الله سبحانه وتعالى، لأن الله عز وجل إنما ينصر من تمسك به فيجعل هو الغالب، فمن أعرض عن الله وضعف عن تمسك بدين الله كان مغلوبا وليس بغالب، وفي حبائر الشيطان مغلوبا، يعني: مصروعا يصرعه الشيطان. هذا هو معنى اسم الله الغالب، وهو أخص من اسم الله النصير كما سيأتي معناه. قال: والنصير معناه: الذي تولى نصر عباده وتكفل بتأييد أوليائه والدفاع عنهم، والنصر، والنصر لا يكون إلا منه، ولا يتحقق إلا بمنه، فالمنصور من نصره الله، إذ لا ناصر للعباد سواه، ولا حافظ لهم إلا هو. فإذن: النصر لا يطلب إلا من الله، لأنه هو الناصر، لأنه هو الناصر الذي ينصر عباده المؤمنين وينصر رسله وأتباعهم، فإذا كان النصر من الله فلا يطلب إلا من الله، إذا كان النصر من الله سبحانه وتعالى وهو الناصر، فلا يطلب هذا النصر إلا من الله، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾. لا ينتصر العبد بقوته، ولا بذكائه، ولا بذكائه، ولا بأعوانه، ولا بضخامة جسمه، ولا بشيء من ذلك، إنما ينصر إذا نصر الله، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾، كيف ننصر الله؟ باتباع شرعه والاستقامة على دينه، فبهذا ينصر المسلم ربه فينصره الله سبحانه وتعالى، شرطا بشرط: ﴿ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾. وقال تعالى: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ﴾. إذا أراد الله عز وجل لكم النصر فلا يستطيع أحد أن يغلبكم، ولو اجتمع جميع من في هذه الأرض ومكروا ودبروا ما دبروا من المكائد، فإن النصر لمن أراد الله عز وجل أن ينصره، وهم المؤمنون: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ﴾. من خذله الله لا يستطيع النصر، ولو جمع ما جمع، ولو أعد ما أعد، لا يستطيع أن ينصر نفسه إذا خذله الله. فإذن: النصر من الله لأنه هو الناصر، فلا يطلب إلا من الله. ولذلك كان أنبياء الله ورسله يدعون الله بالنصر وهم أنبياء، فهذا نبي الله نوح عليه السلام قال: ﴿ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ﴾، رب انصرني بما كذبون. وهذا نبي الله لوط قال: ﴿ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴾. فإذن: المسلم يطلب النصر من الناصر، من النصير سبحانه وتعالى، وهو الله عز وجل. وهكذا كان نبينا عليه صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن ينصره، قال الله عز وجل بدعاء نبينا: ﴿ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾. وهكذا في غزوة بدر، لما اجتمع المشركون وخرجوا، وكان عددهم الألف أو يزيدون، والنبي عليه الصلاة والسلام ما خرج إلا ليعترض قافلتهم، فما خرج إلا بثلاثمائة وبضعة عشر، فقضى الله أمرا كان مفعولا، فعلم بقدوم المشركين، استشار الصحابة في القتال، أشار عليه به، أي: بالقتال، فدخل خيمته عليه الصلاة والسلام يستنصر ربه، يدعو الله ويلتجئ إليه، فإذا يطلب النصر من الله، لا من الشرق، ولا من الغرب، ولا من هيئة أمم، ولا من دول عظمى، ولا شيء من ذلك، يطلب من الله، ولا يكون ذلك إلا بالتمسك بدين الله وبتطبيق شرع الله. قال: وقد ذكر الله سبحانه في مواضع عديدة من القرآن، من القرآن الكريم، مننه على أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد. قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾. هذا وعد من الله الذي لا يخلف الميعاد، أن النصر للرسل وأتباعهم في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾، في الحياة الدنيا بالظهور، وكذلك العزة والتمكين، ويوم يقوم الأشهاد بالجنة، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الجنة. وكما في الآية الأخرى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾. فهذا وعد من الله عز وجل بالنصر لأوليائه. قال: وهو خطاب، وهو خطاب للمؤمنين الذين قاموا بحقائق الإيمان الظاهرة والباطنة، لأنه قال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾، ما هو هذا الإيمان؟ هذا الإيمان لا يكون في الظاهر فقط، أو في الباطن فقط، وإنما يكون بالقيام به في الظاهر والباطن، ولذلك قال: الذين قاموا بحقائق الإيمان الظاهرة والباطنة. ولذلك: الإيمان إذا أفرد ولم يقترن بالإسلام فهو يشمل أعمال الظاهر والباطن، فيشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويشمل كذلك الإسلام من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وهكذا غيرها من الأعمال التي هي من الإيمان، فإن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. فإذا قوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يشمل حقائق الإيمان الظاهر والباطن، فمتى قام المسلمون بذلك نصرهم الله عز وجل على أعدائهم. قال: بأنهم المنصورون، أن العاقبة الحميدة لهم في الدنيا والآخرة. ولهذا فإن المؤمنين ما لم يجاهدوا أنفسهم على تحقيق الإيمان والإتيان بمقومات النصر على الأعداء لا يتحقق لهم نصر، بل يتسلط عليهم أعداؤهم بسبب ذنوبهم وتقصيرهم، وهذا واضح بين، فإن مجاهدة النفس أعظم وأولى بالاعتناء قبل المجاهدة بالسيف والسنان. ترجمة نانسي قنقر