شرح مختصر سيرة الرسول 59

شرح مختصر سيرة الرسول 59

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 59، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة وأحداثها

بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في سرية إلى نخلة لمراقبة عير قريش، فوقع الاشتباك في آخر يوم من رجب وقتل عمرو بن الحضرمي وأُسر اثنان. تردد الصحابة في الأمر خوفاً من انتهاك حرمة الشهر الحرام أو فوات الفرصة بدخول العير الحرم.

نزول آية القتال في الشهر الحرام وتأويلها

أنكرت قريش القتال في الشهر الحرام فنزلت الآية 217 من سورة البقرة مبينة أن صد المشركين عن سبيل الله وإخراج أهل المسجد الحرام أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام. بررت الآية فعل الصحابة ووضعت المعيار الشرعي لموازنة المصالح والمفاسد.

معاني الفتنة في القرآن الكريم

تأتي كلمة الفتنة في القرآن بعدة معانٍ منها الشرك كما في قوله حتى لا تكون فتنة، والمعصية والذنب كفتنة المال والأولاد، والابتلاء والاختبار عند إضافتها لله تعالى. يوضح المقطع السياق القرآني لكل معنى على حدة.

تقسيم المؤلف لمعاني الفتنة الثلاثة

يقرر المؤلف ثلاثة معانٍ رئيسية للفتنة هي: الشرك بالله، والمعصية التي دون الشرك، والابتلاء والاختبار من الله لعباده. يجمع هذا التقسيم بين الدلالات اللغوية والشرعية الواردة في النصوص.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال المؤلف رحمه الله في ذكر أحداث السنة الثانية من الهجرة. قال رحمه الله: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: بعث عبد الله بن جحش. قال: ثم بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة في رجب في اثني عشر رجلاً من المهاجرين، كل اثنين على بعير. ونخلة هي قرية بين مكة والمدينة. وتقدم معنا أن هذه الغزوات وهذه السرايا كان رجالها من المهاجرين، وعرفنا السبب في ذلك، فما هو السبب؟ قال: فوصلوا إلى نخلة، إلى هذا الموضع يرسدون عيراً لقريش، يعني يتتبعون ويتحسسون أخبار هذه العير. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب له كتاباً، أي كتب لأميره عبد الله بن جحش، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، يعني لا يفتح هذا الكتاب، يبقى بعد يومين يفتحه. فلما فتح الكتاب، إذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا حتى تنزل بنخلة بين مكة والطائف فترصد قريشاً وتعلم لنا أخبارها»، يعني ترصد قريشاً، انظر أينهم، وأتِ لنا بأخبارهم. هذا رواه الطبراني كما ذكر المعلق، ولكنه مرسل لم يصح، يعني في الجملة هو صح، لكن في هذا التفصيل، وأن الكتاب قال له: لا تفتحه إلا بعد يومين، فهذا ورد مرسلاً. قال: فأخبر أصحابه لذلك، وأخبرهم أنه لا يكرههم، فقالوا: سمعاً وطاعة. يعني لا يكرههم، لا يفرط عليهم إكراهاً وإلزاماً. قال: فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيريهما، يعني ضاع بعيرهما، فتخلفا بطلبه، ومضوا حتى نزلوا نخلة، يعني أمرهم أن لا يتجاوزوا هذا الموضع. قال: قتل عمرو بن الحضرمي. قال: فمرت بهم، أي بعبد الله بن جحش ومن معه، عير قريش تحمل زبيباً وتجارة، فيها عمرو بن الحضرمي، فقتلوه، وأسروا عثمان ونوفلاً ابني عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان مولى بن المغيرة. قال المسلمون: آه، نحن في آخر يوم من رجب. أن تقدمت معنا أن هذه السرية كانت في رجب، ورجب من الأشهر الحرم، وكانت العرب تعظم الأشهر الحرم فلا يسفكون فيها الدماء، لا يسفكون فيها الدماء. فقال المسلمون: نحن في آخر يوم من رجب، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وما يزال الشهر من أيام شهر رجب. وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، وإن تأخرنا إلى أن يخرج رجب، لأن رجب من أشهر الحرم المنفردة، يعني ليس بعده شهر حرام، لأن بعد رجب شعبان، وشعبان ليس من الأشهر الحرم، لخلاف الثلاثة الأخرى من الأشهر الحرم فإنها متتابعة. فقالوا: إن تركناهم يعني حتى يخرج رجب دخلوا الحرم، يعني فلتوا منا ولم ندركهم. قال: ثم أجمعوا على ملاقاتهم، أجمعوا على أن يلتقوا بهم ويقاتلونهم، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم. وقد ذكر العلماء، وكما جاء في سبب نزول الآية التي ستأتي معنا، أن المسلمين إذا اضطروا إلى القتال، يعني لا يمكن أن يؤخر القتال، وإذا أخر فلت العدو وتقوى العدو، ففي ذلك يجوز حينئذ أن يقاتلوا في الأشهر الحرم. ومن ذلك هذه الواقعة، وإن أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن أنكر عليهم القتل، القتل يعني بمعنى: لو استطعتم ألا تقتلوه فهو الأفضل، فهو الأفضل، إنما يقول مثلاً: الأسر. لكن إذا لا يستطاع النكاية بعدو إلا بالقتل فيجوز. قال: وأسروا عثمان والحكم، عثمان بن عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان. أما عثمان فمات كافراً في مكة، عثمان بن عبد الله بن المغيرة. وأما الحكم بن كيسان فقد أسلم بعد، أسلم وحسن إسلامه، رضي الله عنه. قال: وأفلت نوفل، يعني هرب ولم يمسكوه. ثم اقتسموا بالعير والأسيرين حتى عزلوا من ذلك الخمس، يعني أخرجوا من هذا المال الخمس. وأن أول خمس الآن إلينا... وأول خمس... كما سبق الإنكار أيضاً. والله أعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما أخرجهم ليترصدوا العدو لا ليقاتلوا، لأنه جاء في الكتاب: «فترصد قريشاً وتعلم لنا أخبارها»، فهذا والله أعلم سبب الإنكار. وأما القتل والأسر فقد ذكرنا أن الآية أقرت ما فعلوه. قال: واشتد إنكار قريش لذلك، وزعموا أنهم وجدوا مقالة، وقالوا: قد أحل محمد الشهر الحرام. اشتد على المسلمين ذلك، يعني شماتة الأعداء، وأنكروا على المسلمين هذا الجعل، وهو القتال في الشهر الحرام، الشهر الحرام. فوجدوا متنفساً في النيل من الإسلام والمسلمين، وجدوا متنفساً في النيل من الإسلام والمسلمين، فقالوا: قد أحل محمد الشهر الحرام. فوجد المسلمون في أنفسهم، واشتد عليهم هذا الأمر، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾. وهذا السببNamaste حسن كما جاء في تفسير ابن كثير. المعنى: قال المؤلف: يقول سبحانه: أي معنى هذه الآية، هذا الذي أنكرتموه، أي أيها المشركون، وإن كان كبيراً، يعني القتال في الأشهر الحرم، فما ارتكبتموه وترتكبونه من الكفر بالله والصد عن سبيله وبيته، وإخراج المسلمين منه، أكبر عند الله. فهل أنتم أهل ورع وخوف حتى تنتنعوا عن ارتكاب المحرمات أبداً؟ فأنتم واقعون فيها. وهذا معنى قوله: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أنه منع المشركين المسلمين من الدخول إلى مكة. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، وكفر بالله. ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وكفر بالمسجد الحرام. ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾، إخراج المسلمين، وكذلك أخذ أموالهم، وكذلك تعذيب ضعفائهم، ونحن لذلك أيضاً من المنكر العظيم والذنب الكبير. فأنتم واقعون في أشد من ذلك، فلِمَ الإنكار؟ هذا هو معنى الآية. قال: معنى الفتنة، لأنه في الآية: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. الفتنة في القرآن تأتي بعدة معانٍ، ليس لها معنى واحد، تأتي بعدة معانٍ، ما هي هذه المعاني؟ سيذكر ونجمعها هنا. قال: معنى الفتنة: والفتنة هنا الشرك، يعني ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، يعني الشرك أشد من القتل. فهم قتلوا، أي المسلمون في الشهر الحرام، وأنتم أشرتم بالله، فأيهما أعظم: الشرك أو القتل في الشهر الحرام؟ الشرك لا شك، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، أي الشرك. ففي هذه الآية أتت الفتنة بمعنى ماذا؟ بمعنى الشرك. قال: قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي حتى لا يكون الشرك. وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، أي لم تكن عاقبة شركهم، فالمراد بفتنتهم: عاقبة شركهم وآخرة أمرهم، إلا أن أنكروا وتبرؤوا منه. ففي هاتين الآيتين مع الآية التي قبلها، الشرك أتى بمعنى الفتنة. أفادت الفتنة أتت بمعنى ماذا؟ بمعنى الشرك، بمعنى الشرك. قال: وحقيقتها، أي حقيقة الفتنة في هذه المواضع: الشرك الذي يدعو إليه صاحبه، ويعاقب من لم يفتتن به، يعني أنه مشرك بالله في نفسه، ويدعو غيره إلى هذا الشرك، ومن لم يستجب له عاقبه. قال: ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، قال: فسرت بتعذيب المؤمنين وإحراقهم بالنار ليرجعوا عن دينهم. فهنا معنى فتنوا: عذبوا المؤمنين بسبب شركهم، بسبب أن هؤلاء المفتنين كانوا مشركين، فدعوا هؤلاء المؤمنين إلى ما هم عليه. فهذه هي حقيقة الفتنة: الشرك الذي يدعو إليه صاحبه، ويعاقب من لم يفتتن به، ويعاقب من لم يفتتن به. قال: وقد تأتي الفتنة ويراد بها المعصية، لمجرد المعصية. كقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا مِنْ عِندِهَا أَن يَفْتِنَنِي﴾، يعني بنسبني الأصفر، فيريد هنا بالفتنة المعصية، فلا أقع في هذه المعصية. هذا قول المنافقين. قال: وكفتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره. وكالفتن التي وقعت بين أهل الإسلام، ومن ذلك من يوقظ الفتن بين المسلمين أو بين المسلمين، فينقل الكلام وينم ويكثر حتى يزرع الفتن بين المسلمين. ف الفتنة هنا بمعنى المعصية، فكل ذلك من المعاصي، كل ذلك من المعاصي. ففتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يدخل في هذا المعنى. قال: وأما التي يضيفها الله لنفسه فهي بمعنى الامتحان والابتلاء والاختبار، يعني الفتنة التي تضاف إلى الله عز وجل وتأتي بمعنى الامتحان والابتلاء والاختبار. فقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ﴾، ففتنتك هنا المراد به ابتلاؤك وامتحانك واختبارك لعبادك. فإذا الفتنة ذكر المؤلف لها ثلاثة معانٍ: بمعنى الشرك، وبمعنى المعصية ما هو دون الشرك، وبمعنى الامتحان والابتلاء والاختبار، وبمعنى الامتحان والابتلاء والاختبار.