التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 166

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 166

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 166، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

يشرح الشيخ معنى النهي عن السؤال بوجه الله مبيناً وجهين: الأول النهي عن سؤال المخلوقين بوجه الله فيما لا يقدرون عليه كطلب الجنة، والثاني حصر السؤال بوجه الله في الأمور العظام كطلب الجنة أو ما يؤدي إليها دون أمور الدنيا. ويؤكد أن كلا الوجهين يندرج تحت تعظيم الله عز وجل وتوحيده.

تعظيم الله بحصر السؤال بوجهه في الجنة

يوضح المقطع أن من تمام تعظيم الله عند السائل ألا يسأل بوجهه الكريم إلا الجنة أو ما يقرب إليها، مستدلاً بالأحاديث الواردة في النهي عن السؤال بوجه الله. ويبين أن النهي منصب على أمور الدنيا الدنيئة دون الأمور العظام كطلب الهداية والجنة.

إثبات صفة الوجه وحكم السؤال به ودعاء الصفة

يقرر الشيخ أن الحديث الضعيف في النهي عن السؤال بوجه الله صحيح المعنى لدلالة الأحاديث الصحيحة كاستعاذة النبي بوجه الله، مما يثبت صفة الوجه الحقيقية لله تعالى خلافاً للمبتدعة. ويتناول مسألتين: النهي عن السؤال بوجه الله إلا في الأمور العظام، وتحريم دعاء الصفة كقول "يا وجه الله" واعتباره بدعة وكفراً عند شيخ الإسلام.

النهي عن الدعاء بأسماء الله وصفاته بصيغة النداء

يبيّن المقطع عدم جواز الدعاء بصيغ النداء المباشر بأسماء الله وصفاته مثل «يا رحمة الله» و«يا وجه الله» و«يا عزة الله» و«يا قدرة الله»، مستنداً إلى فتوى الشيخ ابن عثيمين في بطلان هذا النوع من الدعاء. ويختتم الدرس بهذا الباب تمهيداً للباب القادم في كتاب التوحيد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة". وتفسير هذا: ما معنى "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة"؟ يقول الشيخ ابن عثيمين: هذا يحتمل أحد وجهين، وكلاهما صحيح. المعنى الأول: أي لا تسأل أحدًا من المخلوقين بوجه الله، يعني لا تقل لمخلوق: "أسألك بوجه الله". ولا شك أن العبد إذا سأل مخلوقًا بوجه الله لا يسأله الجنة؛ لأن الخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة. فأنت لا شك أنك ستقول لهذا المخلوق: "أسألك بوجه الله" في شيء يقدر عليه، مثلاً تقول له: "أسألك بوجه الله أن تشفع لي"، أو "أن تعطيني"، أو كذا وكذا. أما أن تقول له: "أسألك بوجه الله الجنة"، فهذا لا يجوز، وهذا شرك بالله عز وجل؛ لأنك سألت المخلوق فيما لا يقدر عليه. هذا وجه. ووجه آخر: أنك إذا سألت الله بوجهه، يعني تقول: "أسألك بوجهك"، أي: أسألك يا الله بوجهك أن تدخلني الجنة. هذا صحيح، أنه قال: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة". وزاد بعض أهل العلم: "وهذا فيه معنى صحيح، أنك لا تسأل بوجهه سبحانه وتعالى إلا الجنة، أو ما يؤدي إليها". أو ما يؤدي إليها، كأن تقول: "أسألك بوجهك أن تعيذني من عذابك، أو من عقابك، أو من نارك". هذا أيضًا يصح؛ لأنك سألت الله عز وجل، أو سألت بوجه الله عز وجل ما يؤدي إلى الجنة. فإذا أعاذك من النار أدخلك الجنة. ومعنى "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" أي: من هذا الوجه، أنك لا تسأل شيئًا من أمور الدنيا بوجه الله. لا تسأل بوجه الله شيئًا من أمور الدنيا، فلا تقل: "أسألك بوجهك أن ترزقني زوجة"، أو "أن ترزقني مالًا"، أو "بيتًا"، أو نحو ذلك. وما هي العلة في ذلك؟ العلة في ذلك: عدم تعظيم وجه الله، إذ جعلت وجه الله عز وجل في أمور دنيئة. ولذلك مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد، وللباب الذي قبله: أن الباب الذي قبله في النهي عن رد من سأل بالله، تعظيمًا لله، كما مر معنا: إذا سألك أحد بالله فإنك تجيبه، تجيبه ولا ترده، تعظيمًا لله عز وجل. إذا قال: "أسألك بالله أن تعطيني كذا"، فأنت تجيبه إن كنت قادرًا بالشروط المتقدمة. وهذا الباب: أن السائل لا يسأل بوجه الله إلا الأمر العظيم، أي: الجنة وما يؤدي إليها. فإذا: فكل البابين، كلا البابين في تعظيم الله عز وجل، إلا أن الأول في تعظيم الله عند المسؤول؛ لأنك تسأله بالله فأنت تجيبه، فتعظم الله عز وجل، فهذا التعظيم من المسؤول. والثاني في تعظيم الله عند السائل؛ لأنك أنت الذي تسأل وتقول: "أسألك بوجه الله"، أي: يا الله أسألك بوجهك كذا وكذا. فإذن: الباب المتقدم فيه تعظيم الله عند المسؤول، وهذا الباب فيه تعظيم الله عند السائل، تعظيم الله عند السائل. وخلاصة هذا الباب: أن من تعظيم الله سبحانه وتعالى ألا يسأل بوجهه إلا الجنة وما يدل عليها أو ما يقرب إليها. هذا هو وجه مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد. ثم ذكر الحديث الذي يدل على ذلك: قال: الدليل: عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة». رواه أبو داود. وهذا الحديث في إسناده مقال، ففي إسناده سليمان بن معاذ متكلم فيه، ولذلك ضعف هذا الحديث العلامة الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" وفي "مشكاة المصابيح". ولكن ورد حديث آخر معناه يقرب من معنى هذا الحديث وهو صحيح. هذا الحديث ما أخرجه الطبراني وحسنه الألباني من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من يسأل بوجهه ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا». ومعنى هذا الحديث: وهو عبارة عن عبارتين أو جملتين. الجملة الأولى: «ملعون من سأل بوجه الله». هذا يحمل على من سأل بوجه الله غير الجنة، غير الجنة أو ما يدل ويقرب إليها. ولذلك بعدما أورد الإمام العلامة الألباني رحمه الله هذا الحديث في "مشكاة المصابيح" علق عليه وقال: "ولو صح الحديث لم يدل على ما ذهب إليه من رأى عدم الجواز"، أي: مطلق أنه لا يجوز أن يسأل بوجه الله شيء. لأن الحديث هذا عام: «ملعون من سأل بوجه الله»، ما قال: "غير الجنة"، وإنما جاء الحديث عام، والأصل العمل بالعموم، هذه قاعدة أصولية معروفة. لكن الشيخ الألباني هنا قال: "ولو صح الحديث، والحديث هو يصححه، لم يدل على ما ذهب إليه من رأى عدم الجواز؛ لأن المتبادر منه أن نهي عن السؤال به تعالى شيئًا من حطام الدنيا، أما أن يسأل به الهداية إلى الحق الذي يوصل به إلى الجنة فلا يبدو؛ لأن الحديث يتناوله بالنهي، لأن الهداية مما توصل إلى الجنة". وقالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا، ومن يقول هذا أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ثم كذلك أيد قوله العلامة الألباني بما نقله عن الحافظ العراقي، قال: "ويؤيدني في هذا ما قاله الحافظ العراقي، قال: وذكر الجنة يعني في حديث: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، إنما هو للتنبيه به على الأمور العظام لا للتخصيص، فلا يسأل بوجهه في الأمور الدنيئة، بخلاف الأمور العظام تحصيلًا أو دفعًا، كما يشير إليه استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم". بمعنى: أن هذا النهي يحمل على ما جاء في الحديث، حديث جابر الضعيف، وإن كان ضعيفًا فالأحاديث الأخرى تدل على معناه. من تلك الأحاديث ما أشار إليها هنا، قال: "كما يشير إليه استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم"، وهو يشير إلى ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «أعوذ بوجهك». فلما قرأوا: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، قال: «أعوذ بوجهك». فإذن: النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بوجه الله، فلو كان هذا لا يجوز لما استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام. وكما ذكر: أن السؤال بوجه الله تحصيلًا أو دفعًا. تحصيلًا أو دفعًا. تحصيلًا: أن تقول: "أسألك بوجهك الجنة". ودفعًا: الاستعاذة: "أعوذ بوجهك من النار"، "أعوذ بوجهك من غضبك"، وهكذا. فالخلاصة: أن الحديث وإن كان ضعيف السند فهو صحيح المعنى، دلت عليه الأحاديث الأخرى، ولذلك أورده المؤلف وترجم عليه. وهذا يدلنا أيضًا على أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كان ذا فقه، وكان ذا كذلك ترتيب حسن لهذا الكتاب، وما ذكر من أحاديث ضعيفة فإنه يشهد لها غيرها من الأحاديث الصحيحة، أو يدل على معناها كذلك بعض الأحاديث الصحيحة، بعض الأحاديث الصحيحة. وفي قوله: "لا يسأل بوجه الله" فيه إثبات الوجه لله، وهو ثابت بالقرآن والسنة والإجماع، وهو وجه حقيقي يليق بجلال الله عز وجل وعظمته، لا يماثل وجوه المخلوقين، كما هو معتقد أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة والجهمية والأشاعرة والماتريدية الذين يفسرون وجه الله بذاته، بذات الله عز وجل، وهذا تفسير باطل، تفسير باطل، ترده كثير من آيات الصفات. ثم قال المؤلف المسائل: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب، يعني: كما تقدم من كلام العراقي، أي: الأمور العظام ك الجنة وما يقرب إليها، فلا يسأل بوجه الله في الأمور الدنيئة من أمور الدنيا، فإنه من الأدب أن لا تسأل بوجه الله إلا ما كان من أمر الآخرة كالفوز بالجنة والنجاة من النار. قال: المسألة الثانية: إثبات صفة الوجه، وقد تقدم ذلك. وذكر أيضًا الشيخ ابن عثيمين في ختام هذا الباب فائدة، قال: حكم دعاء الصفة: لا يجوز دعاء الصفة، كقولهم: "يا رحمة الله"، و"يا وجه الله"، و"يا عزة الله". فهذا دعاء محدث لا يعرف في النصوص، ولم يرد عن السلف. وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه كفر. لأن دعاء الصفة يعني: لم يرد عن سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، وهم أحرص منا على أن يدعو الله عز وجل بأفضل الدعاء، فلا يجوز دعاء الصفة، وإنما تدعو الله عز وجل بأسمائه: يا الله، يا رحمن، يا رحيم. نعم. أما "يا رحمة الله"، و"يا وجه الله"، و"يا عزة الله"، و"يا قدرة الله"، كل هذا لا يجوز الدعاء به، كما قرر هنا الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، وننتظر في الدرس القادم إن شاء الله إلى الباب الذي بعده. وإلى هنا، والله تعالى، شكرًا للمشاهدة.