الدرس في التعليق على الجواب الكافي 93، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول مفهوم العقوبات في الإسلام، حيث يركز على قطع اليد للسارق كعقوبة لإفساد الأموال، ويبين أن العقوبات تتركز حول ثلاثة أنواع. كما يوضح أن الذنوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
يشرح المقطع الثاني أنواع الذنوب التي تترتب عليها كفارات، حيث قسم الذنوب إلى ثلاثة أنواع، ويبين الفرق بين الحد والكفارة والعقوبات الأخرى. كما يوضح أنواع الكفارات.
تناول المقطع الثالث موضوع الكفارات في الإسلام، موضحا أنها تنقسم إلى ثلاثة أنواع، وأوضح أن هناك خلافا بين العلماء حول كون الكفارات زواجر أم جوابر.
يدل المقطع الرابع على عدم جواز الجمع بين الكفارة والتعزير، مما يشير إلى أن الكفارة تغني عن التعزير أو العكس، ويوضح العلاقة بينهما.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن قيم رحمه الله تعالى: فصل في القطع لإفساد الأموال. قال: وجعل سبحانه القطع بإزاء إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه لأنه يأخذ الأموال في الخفاء، ويثقب الدور، ويثور، ويتسور من غير الأبواب، فهو كالسنور والحية التي تدخل عليك من حيث لا تعلم. فلم ترتفع مفسدة سرقته إلى القتل، ولا تندفع بالجلد، فأحسن ما دفعت به مفسدته قطع العضو الذي يتسلط به على الجناية، لأنه هذا أعظم حل يكون في السارق. أما الجلد، فما ينفع معه إذا كانت السرقة قد صارت له مهنة. لكن إذا قطع عضوه - وهو اليد - فإنه لا يستطيع بعد ذلك أن يأخذ، لأنه إذا فكر في أن يأخذ ستقطع رجله، وعند بعضهم العلل، ثم إذا فكر في أن يأخذ أيضا ستقطع يده، فيكون معنى قطع الأطراف أنه لا يستطيع أن يمسك شيئا. قالوا: جعل الجلد لإفساد العقول وتمزيق الأعراض بالقدف، فدارت عقوباته سبحانه الشرعية على هذه الأنواع الثلاثة. إما القتل، وإما القطع، وإما الجلد. وما كان زاد على ذلك، فتجده إنما مع هذه الثلاثة، مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ونفيهم هنا هل هو مع عدم التقطيع والقتل، أو مع عدم التقطيع؟ أقصد: فأجازه بعض العلماء أنه ينفى بدون تقطيع، ومنهم من قال: بعد أن يقطع ينفى. والظاهر أن النفي جعله الله عز وجل حكما بذاته. والصحيح أن هذه المسألة ترجع إلى الحاكم، يرى المصلحة في ذلك. فإن رأى فساده عظيما قتله، خاصة إذا قتل. وإن رأى أن فساده في أخذ الأموال فقط، فإنه يقطع يده. وإن رأى أن فساده في رعب الناس وتخويفهم، فإنه ينفيه من ذلك المكان إلى مكان بعيد. قال: فدارت عقوباته سبحانه على هذه الأنواع الثلاثة، كما دارت الكفارات على ثلاثة أنواع: العتق، والإطعام، والصيام. فالكفارات تجد أنها على ثلاثة أنواع: إما عتق، وإما إطعام، وإما صيام، إلا في كفارة اليمين أدخل الله عز وجل الكسوة. قال رحمه الله: أقسام الذنوب. ثم إنه سبحانه جعل الذنوب ثلاثة أقسام: قسما فيه الحد، فهذا لم يشرع فيه كفارة، اكتفاء بالحد. لأن الحد يعتبر كفارة، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت: «فمن فعل شيئا منهن فعوقب في الدنيا، فهي كفارة له». فالحد يعتبر مثل الكفارة. وقسما لم يرتب عليه حدا، فشرع فيه الكفارة، كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام. إذا وطأ وهو محرم، فإن كان قبل التحلل بطل حجه، وعليه أن يذبح بدنة. وجاء ذلك عن الصحابة. قالوا: والظهار، وقتل الخطأ، والحنث في اليمين، وغير ذلك أن تكون هذه فيها كفارات. والحنث في اليمين معنى الرجوع عن ما حلف أنه سيأتيه ولم يأتيه، أو حلف على تركه ولم يتركه، أو عزم على فعله، وأنا عزم على تركه، وحلف على تركه، فرجع إليه ولم يتركه، وفعله. قالوا: وقسما لم يرتب عليه حدا ولا كفارة، وهو نوعان: أحدهما ما كان الوازع عنه طبيعيا، كأكل العذرة، والشرب البول، والدم. معنى هذا: أن الوازع يكون طبيعيا، أن الإنسان لا يفعل مثل هذه الأشياء، هي حرام، لكن أيضا قد وضع الله عز وجل في وازع الإنسان وطبيعته أنه لا يعقل مثل هذه الأشياء لأنها نجسة، فهذا ليس فيه عقوبة أبدا، وليس فيه شيء. والثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدتي ما رتب عليه الحد، كالنظرة، والقبلة، واللمس، والمحادثة، وسرقة فلس. فهذه الأشياء ذكر بعضها العلماء أن فيها تعزيرا، كما سيأتي من كلام المؤلف، وليس فيها حد. قال: الكفارات في ثلاثة أنواع. وشرع الكفارات في ثلاثة أنواع: أحدها ما كان مباح الأصل، ثم عرض تحريمه، فباشره في الحالة التي عرض فيها التحريم، كالوطء في الإحرام والصيام، ووطء الحائض والنفساء. بخلاف الوطء في الدبر، فإنه لا يباح في وقت دون وقت، فهو بمنزلة اللواط وشرب المسكر. هذا النوع الأول من الذنوب التي شرعت فيها الكفارات: ما كان مباح الأصل، ثم عرض تحريمه. والنوع الثاني: ما عقد لله من نذر أو بالله من يمين، أو حرمه الله ثم أراد حله، فشرع الله سبحانه وتعالى حله بالكفارة، وسماها تحلة. وليس هذا الكفارة لحرمة الاسم بالحنث، كما ظنه بعض الفقهاء. فإن الحنث قد يكون واجبا، وقد يكون مستحبا، وقد يكون مباحا. وإنما الكفارة حل لما عقده الإنسان، لأن الإنسان قد يحلف على شيء واجب أنه لا يأتيه أو أنه سيفعله، فإذا كان واجبا لابد عليه أن يفعله، فإن تركه فإنه يجب عليه أن يكفر. قال: والنوع الثالث: ما تكون فيه جابرة لما فات، كفارة في قتل الخطأ، وإن لم يكن هناك إذن. كفارة قتل الصيد خطأ، فإن ذلك من باب الجوابر. والنوع الأول من باب الزواجر، والنوع الوسط من باب التحلة لما منعه العقد. فدل على أن الكفارات منها ما هو جوابر، ومنها ما هو زواجر أو عقوبات. إما أن يكون عقوبة، وإما أن يكون زجرا، وإما أن يكون جابرا. وهذه المسألة حصل فيها خلاف بين أهل العلم: هل الكفارات زواجر أم جوابر؟ والصحيح التفصيل الذي ذكره الشيخ الإمام ابن القيم، فهناك من العقوبات ما هو زاجر، مثل عقوبة الظهار، وكفارة اليمين، هذه تعتبر من الزواجر. عقوبة لمن ظاهر من امرأته، أو حلف على يمين ثم رجع، فهذه أيضا كذلك. ومن انتهك حرمة الحج فوطأ امرأته وهو محرم، كذلك من انتهك حرمة رمضان فوطأ امرأته وهو صائم، هذه الكفارات فيها الزواجر. وأما كفارة قتل الخطأ، فهي من باب الجابر على الصحيح، أنها جابر، معنى تجبر ما فعله. وأيضا كفارة قتل الصيد، وإن كان بعضهم يسميها فدية، لأنه في طلب مأمور. قال: لا يجتمع الحد والتعزير في معصية، بل إن كان فيها حد اكتفي به، وإلا اكتفي بالتعزير. لأن التعزير إنما في المعاصي التي ليس فيها حد، فيعزر الإمام على ما يرى من حبس أو جلد أو غيره. وقد حبس النبي صلى الله عليه وسلم في تهمته رجلا كان متهما، والظاهر أنه ليس حدا، فلهذا فهو من التعزير. بخلاف من يقول الآن أن الحبس ليس من التعزير، بل قد جاء في السنة. قالوا: لا يجتمع الحد والكفارة في معصية، بل كل معصية فيها حد فلا كفارة فيها، وما فيه كفارة فلا حد فيه. والحد أيضا إن لم يكن حدا ففيه تعزير. والظاهر أيضا لا يجتمع التعزير مع الكفارة، لأن الكفارة هنا تحل محل الحد والتعزير. قالوا: هل يجتمع التعزير والكفارة في المعصية التي لا حد فيها؟ فيه وجهان. وهذا كالوطء في الإحرام والصيام، ووطء الحائض إذا أوجبنا فيه الكفارة. فقيل: يجب فيه التعزير لمن تهتك من الحرمة بركوب الجناية. وقيل: لا تعزير في ذلك، اكتفاء بالكفارة لأنها جابرة أو معتقة. وهذا الذي جاء في السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لذلك الرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان «اعتقت رقبة»، قال: لا أجد. قال: «صم شهرين متتابعين»، قال: لا أجد. قال: «فأطعم ستين مسكينا»، قال: لا أستطيع. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقبه بشيء، ولم يعزره بشيء. فدل على أن الكفارة لا تجتمع مع التعزير.