الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 70، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بذكر القاعدة السادسة والثلاثين التي تبين المنهج القرآني في الرد على الاعتداء عبر ثلاث مراتب: الاقتصاص العادل بالمثل، والتعدي الظالم بالزيادة، والعفو المحسن بالإحسان. ويستشهد المحاضر بآيات كريمة تبيح الاقتصاص وتندب إلى العفو والصبر كأعلى المراتب.
يوضح هذا المحور أن القصاص مباح ومقدر بمثل الجناية مع النهي الصريح عن الظلم والاعتداء فيه، كما تحث الآيات على العفو والإحسان متى كان فيه إصلاح وصلاح عام. ويؤكد أن أجر العفو على الله مشروط بأن تكون مصلحته أرجح من مصلحة الاقتصاص.
يبين المقطع أن العفو مشروع فقط إذا ترتب عليه إصلاح المعتدي وتوبته، أما إذا زاد في ظلمه فلا يُعفى عنه. كما يستعرض آيات القصاص التي تقرر المساواة التامة في العقوبة بين الحر والعبد والذكر والأنثى، مع النهي عن الإسراف في القتل.
يختتم المحاضر بالتأكيد على أن الآيات المذكورة سابقاً ليست إلا أمثلة تمثيلية لقاعدة شرعية عظيمة وكليّة. ويشير إلى أن هذه القاعدة الجليلة تثبت وتؤيد بآيات أخرى عديدة بجانب ما تم استعراضه في هذا السياق.
القاعدة السادسة والثلاثون انتهينا من القاعدة الخامسة والثلاثين، صح؟ انتهينا منها. القاعدة السادسة والثلاثون: طريقة القرآن إباحة الاقتصاص من المعتدي، ومقابلته بمثل عدوانه، والنهي عن ظلمه، والندب إلى العفو والإحسان. ما قاله؟ ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾، ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة، والله أعلم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد، هذه القاعدة اجتمعت على ثلاث فقرات: في قوله "طريقة القرآن إباحة الاقتصاص من المعتدي". الاقتصاص هو أخذ الحق من غير زيادة، هذا يسمى اقتصاص. ضربك إنسان بكف، طيب، فإذا أردت أن تقتص منه فالعدل أن تقتص منه بكف واحد. كسر سن، تكسر سن واحد، لا تتعدى. هذا أباحه الله، وهذا يسمى العدل. طيب، يعني أباح القرآن أخذ الحق وهو العدل، ومقابلته بمثل عدوانه. هذا قلنا: العدل بمثله، لا يزيد عليه. والنهي عن ظلمه: هنا نهى عن الظلم. الظلم: أعطاك كف واحد، تعطيه ثلاثة كفوف وأربعة، هذا ظلم. كسر سن، تكسر سنين أو ثلاثة، هذا ظلم واضح. فحرم الله عز وجل ذلك ونهى عنه. والندب إلى العفو والإحسان، وهذا ما يسميه العلماء... نعم، الندب إلى العفو والإحسان، هذا يسمى الفضل، يسمى ماذا؟ الفضل. إذن معنى: عدل، وظلم، وفضل. الفضل: هذا يكفك، يقول لك: خذ حقك، قل: خلاص، عفوت عنه، ما سأخذ حقي، خلاص، عفوت عنه. هذا يسمى ماذا؟ فضل. يعني تفضل منك وإحسان، تفضل منك وإحسان. فالله عز وجل أباح الاقتصاص، يعني يجوز لك لكن بدون أجر. طيب، وأباح وندب، ومعنى الندب: يعني حث الله عز وجل، حث على الإحسان وعلى العفو. طيب، فهذا معنى الندب. فندب إلى العفو والإحسان، وحرم الظلم، نهى عن الظلم. فهذه القاعدة تجدها في القرآن كثيرا في آيات عدة: يندب الله عز وجل إلى الاقتصاص بالمثل، وينهى عن الظلم، ويحث على العفو والإحسان. فذكر على ذلك أمثلة، فمن الأمثلة التي ذكرها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُقِبْتُمْ بِهِ﴾. يعني إن تُرِكَتْ أو إن طُلِبَ مِنْكُمْ العقوبة أن تُعَاقِبُوا أَحَدًا، فعاقبوه بمثل ما عُقِبْتُمْ بِهِ، بمثل ما فعل بكم من العقوبة. فهذا فيه حث... فهذا فيه ماذا؟ إباحة الاقتصاص. ﴿فَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُقِبْتُمْ بِهِ﴾، لا تزيدوا، بمثل ما عقبتم به. ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. هذه الآية اجتمعت على إباحة الاقتصاص، وعلى الندب إلى العفو والإحسان، لأن قوله ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ أي بعفوكم وإحسانكم إلى المعتدي، فهذا خير للصابرين، بمعنى فيه فضل وأجر. وهذا لا يكون إلا من صابر: الإنسان يستطيع أن ينتقم وأن يأخذ حقه، لكنه يصبر ويحتسب الأجر ويعفو ويصفح. هذا فيه ماذا؟ فيه أجر. ولذلك قال: ﴿خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. فإذا هذه الآية فيها إباحة الاقتصاص، وفيها الحث والندب إلى العفو والإحسان. الآية الثانية: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. السيئة هي يعني الاعتداء، يسيء إليك بضرب أو بكسر أو نحو ذلك، فالسيئة جزاؤها سيئة مثلها. وهذا ماذا؟ هذا إباحة الاقتصاص، هذا فيه الإباحة، تمام. ثم قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. هذا فيه الندب والحث على إيش؟ على العفو والإحسان. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، هذا فيه إيش؟ النهي عن الظلم. ولذلك هذه الآية اجتمعت فيها هذه الأمور الثلاثة: إباحة الاقتصاص، والنهي عن الظلم، والندب والحث إلى العفو والإحسان. ولذلك قال هنا: "فذكر المراتب الثلاث في هذه الآية"، قال: "ذكر المراتب الثلاث". ثم قال: "ولما كان القتال في المسجد الحرام محرما، قال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾"، أي في المسجد الحرام، ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. المثل بالمثل، يعني: هو القتال في الشهر الحرام ما يجوز، لأنه إذا بدأوا وقتلوكم، فردوا لهم ما فعلوا. وهذا يدل على إباحة الاقتصاص. ﴿إِلَى قَوْلِهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، هذا فيه النهي عن الظلم. بالسلام عليكم... يعني إذا كفوا عن القتال فأنتم كفوا عن القتال، وهذا هو العدل. فلو كفوا عن القتال الأشهر الحرم، وأنتم استمريتم في القتال، أصبحتم ماذا؟ معتدين ظالمين. فأنتم هذا الآن... فهذا فيه النهي عن أيش؟ عن الظلم. ثم قال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. هذا فيه ماذا؟ إباحة الاقتصاص، هذا فيه إباحة الاقتصاص. لأن الحرمات هنا كما فسرها: كل ما حرمه الله. فحرم الله مثلا حرم الله الاعتداء على المسلم، فمن اعتدى على المسلم فيُعتدى عليه بمثل ما اعتدى. فهمتم هذا الآن؟ كسر سنا، يكسر سنه. كسر أسبوعا، يكسر أسبوعه. واضح. فهذا معنى قول: "حرمات قصاص". وقال: "وكل ما حرمه الله وأمر باحترامه، فمن انتهكه فقد أباح الله الاقتصاص منه بقدر ما اعتدى به، لا أكثر". بقدر ما اعتدى به، لا أكثر. يعني مثلا: أخذ مئة ألف، يرد لك مئة ألف، ما يزيد. وإن عفوت فأنت أجرت على ذلك، أجرت على ذلك. لكن اشترط العلماء، وهذه فائدة مهمة، وقيد وشرط مهم: أن يكون العفو فيه إصلاح، أن يكون العفو فيه إصلاح. بمعنى أن مصلحة العفو تكون أعظم من مصلحة الاقتصاص. ولذلك قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. مثال ذلك: إنسان مثلا يعتدي على الناس دائما، يأخذ مال هذا ويأخذ مال هذا. فإذا عفى عنه، زاد في ظلمه للناس، وزاد في شره، وزاد في شره. فمثل هذا لا يعفى عنه، لأن ما في مصلحة من العفو عنه. إنسان يعتدي على الناس، يضرب هذا ويضرب هذا ويضرب هذا، فكسر مثلا سن إنسان، فلا يقال: عفوا عنه، وهو ربما يزداد ظلما وعتوا بهذا العفو. هذا لا يعفى عنه. فهمتم هذا الآن؟ فالندب إلى العفو والإحسان في من إذا عفى عنه وجدت المصلحة بأن تاب وندم وكف عن ظلمه. أما إذا سيستمر في ظلمه وعدوانه، فهذا لا يعفى عنه، فهذا لا يعفى عنه. فهمتم هذا الآن؟ ثم ذكر أيضا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. هذا اجتمعت الآية على إباحة الاقتصاص، والنهي عن الظلم. من أين نأخذ النهي عن الظلم؟ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، لأن تقوى الله تمنع من الظلم. بمعنى: لا تزيدوا على ما اعتدى عليكم. إذا قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، بمثل، يعني ما يساوي ما اعتدى عليكم. فهمتم هذا الآن؟ وذكر أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. هذا فيه ماذا؟ إباحة الاقتصاص من المعتدي، ومقابلته بمثل عدوانه. فمن قتل نفسا، لا تقتل نفسان، تقتل نفسان أو ثلاثة أنفس مقابل نفس واحدة؟ النفس بالنفس. نعم. وهذا معنى قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾، إذا قتل حر يقتل الحر، لا يقتل العبد. وإذا قتل العبد فـ ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، لا يقتل الحر. طيب، وإذا قتلت أنثى، تقتل أنثى، لا يقتل ذكر محلها، والعكس. فهمتم هذا الآن؟ فهذا هو إباحة الاقتصاص. وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، لا النفس بالنفسين. ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾. هذه الآية فيها إباحة الاقتصاص، والنهي عن الظلم. فإباحة الاقتصاص بقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾، أي أن دم هذا القاتل يرجع إلى ولي أمر المقتول. طيب، فإن أراد قتله، قتل به، قتل به. وإن أراد العفو فهو الأفضل والأحسن. قلنا: إذا فيه إصلاح، إذا فيه إصلاح. نعم. وأما قوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، هذا فيه النهي عن الظلم، والإسراف في القتل: كأن يقتل اثنين مثلا بدل الواحد، هذا من الظلم، هذا من الظلم والإسراف. وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، يعني: لا يجوز لك أن تأتي بالكلام السيء، بالسب أو الشتيمة أو القذف أو نحو ذلك، إلا من ظلم. إذا كنت مظلوم، فلك أن تأخذ بقدر مظلمتك، لا تزيد. فهذا فيه الحث على الاقتصاص، إباحة الاقتصاص، فيه إباحة الاقتصاص، وفيه النهي عن الظلم، وفيه النهي عن الظلم. فهذه آيات، وفي آيات أخرى أيضا، وإنما ذكر هذا على سبيل المثال. فهي قاعدة جليلة. نعم.