الدرس في كتاب الصداق من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الدرس وجوب الصداق بإجماع العلماء مستدلاً بالآية والحديث، ويناقش أقوال العلماء في أقل المهر مرجحاً جواز كل ما يصح في البيع والإجارة. كما يبين استحباب تخفيف المهر وعدم المغالاة فيه مع حساب قيمة مهر النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه بالدرهم الفضي وتقديرها بالعملة المعاصرة.
يشرح المقطع كيفية حساب مهر 500 درهم فضي بما يعادل 1150 جراماً بضرب عدد الجرامات في سعر جرام الفضة يوم العقد، مبيناً أن القيمة تتغير بتغير الأسعار ولا ترتبط بالزمن. ويستعرض أدلة تخفيف المهر من هدي النبي ﷺ كمهر أزواجه وعتق صفية وقوله: "خير الصداق أيسره" مع ذكر خلاف الفقهاء في جواز جعل العتق مهراً.
يشرح المقطع حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فزوجها رجلاً فقيراً بمهر هو تعليمها ما يحفظه من القرآن، مبيناً أن هذا جائز عند العجز عن المهر النقدي. ويناقش أقوال العلماء في جواز جعل القرآن مهراً مرجحاً جوازه بشرط العجز عن دفع القيمة وأن المراد بتعليمها لا مجرد الحفظ.
أعلن المحاضر انتهاء الوقت واكتفى بالجلسة الحالية معتذراً عن درس الغد بسبب خروج دعوي صباحي. وأكد العودة في مكان آخر إن شاء الله تعالى لاستكمال الفائدة.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي بداية كتاب الصداق، وعرفنا ما معنى الصداق، وما تسمياته، وما كذلك الحكم منه. بقي ما حكمه؟ فالصحيح أن حكم الصداق واجب، بل نقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم على وجوبه، إجماع أهل العلم على وجوبه، وإنما اختلفوا فقط في أقل ما يصدق عليه الصداق. وأما أكثر ما يصدق عليه الصداق، فهذا لم يختلف فيه كذلك. إذن معنا الآن ثلاث مسائل: المسألة الأولى حكم الصداق وأنه واجب، ودليله قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. "آتُوا" فعل أمر، "آتُوا" فعل أيش؟ فعل أمر، فالأصل فيه أنه يدل على الوجوب. وكذلك من السنة كما سيأتي معنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتمًا من حديد حتى ألزمه أن يعلمها من القرآن. فلو كان الصداق ليس بواجب، لأسقطه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الرجل الفقير الذي لم يجد شيئًا. هذا أيضًا حديث يدل على ذلك. قالوا: لأن شرط إسقاطه يجعل العقد شبيهًا بالهبة، كأن هذا هبة؛ لأن الهبة هي العطاء من غير عوض. صح؟ فكأن هذا هبة، والزواج بالهبة هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، لا يجوز لأحد من الأمة أن يتزوج امرأة بالهبة. تأتي امرأة تقول له: "وهبت نفسي إليك"، هذا لا يجوز، هذا خاص فقط بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلو أسقطنا المهر، لصار الزواج مثل الهبة، لصار الزواج مثل ماذا؟ مثل الهبة. فلذلك ذهب العلماء قاطبة إلى وجوبه، ذهب العلماء قاطبة إلى وجوبه. نعم، واختلف العلماء في -كما تقدم- في قليل المهر، في قليل المهر، ما هو أقله؟ منهم من قال: عشرة دراهم، ومذهب أبي حنيفة، واستدل بحديث ضعيف في ذلك. والقول الثاني: أن أقله ربع دينار، وهذا مذهب مالك، وقاسه على نصاب القطع في السرقة، نصاب القطع في السرقة ربع دينار. وهذا قياس في مقابل النص، وهو قياس فاسد، قياس فاسد. والقول الثالث -وهو الصحيح-: أن كل ما صح العقد عليه بيعًا أو إجارة، فإنه يصح في الصداق، يصح في الصداق، سواء كان عينًا مثل الدراهم والمتاع، أو منفعة مثل خدمة، يعني إجارة مثلًا على خدمة معينة، مثل ما فعل أبو البنتين: "هل أنكحك على أن تأجرني ثمانية حجج؟". طيب، فإذا الصحيح: كل ما صح العقد عليه في البيع أو في الإيجار، صح في الصداق. فهل مثلًا يصح أن تشتري شيء بمئة ريال؟ نعم، صح. فلو أعطيتها مهر مئة ريال ورضيت بهذا، لا بأس. كتاب قيمته ألفان، ثلاثة آلاف ريال، لا بأس. كل ما يصدق عليه، أو ما صح العقد عليه ببيع أو إجارة، صح في النكاح. المهم يكون هناك عوض، يكون هناك شيء، ولو كان يسيرًا، ولو كان قليلا. ثم قال المؤلف رحمه الله: "وينبغي تخفيفه". المراد هنا بـ "ينبغي" أن يستحب، ومعنى تخفيفه يعني عدم المغالاة فيه، ما يكون المهر كثيرًا وكبيرًا، وكبيرًا. فكل ما كان أقل وأيسر كان أفضل، كان أفضل. فإذن يستحب تخفيفه، ولا يجوز إسقاطه، لا يجوز أن يسقط الصداق، لكن لو خفف، نعم، هذا السنة. واستدل على ذلك بحديث عائشة، قال: وسئلت عائشة: كم كان صداق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًا. أتدري ما النش؟ قلت: لا. قالت: نصف أوقية. فتلك خمسمائة درهم. رواه مسلم. المراد بالدرهم: أي الفضة. الفضة تعادل الدرهم، والذهب يعادل أيش؟ الدينار. تمام، الذهب يعادل الدينار، والفضة تعادل الدرهم. فإذن نحسب هذا، نستطيع أن نحسبه على سعر يومنا هذا، على سعر يومنا هذا. طبعًا الأوقية من الفضة عبارة عن أربعين درهمًا، الأوقية عبارة عن أربعين درهمًا. فلو ضربت أربعين في اثنتي عشرة، ده صار أربعمائة وثمانين. اضرب هذا، ستجده أربعمائة وثمانين. ومع النش، النش هذا اسم لـ نصف الأوقية، كم نصف الأوقية؟ عشرون، لأن الأوقية كم قلنا؟ أربعين. إذن أربعمائة وثمانين زائد عشرين يساوي كم؟ خمسمائة. إذن الاثنتا عشرة أوقية والنش خمسمائة درهم. خمسمائة درهم، طيب، الخمسمائة درهم هذه تساوي ألفًا ومئة وخمسين جرامًا. تمام. نصاب الفضة، نصاب الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جرامًا، هذا معروف. طيب، لو واحد معه فضة، أو مع قول من قال أن نصاب المال يخرج بالفضة، يقيسه على خمسمائة وخمسة وثمانين... كم جرام؟ إذن هذا الآن مضاعف، مضاعف على... مضاعف على النصاب، وهذا يزيد تقريبًا أربعين، يزيد أربعين. لأنك لو جمعت خمسمائة وخمسة وثمانين، خمسة وتسعين زائد خمسمائة وخمسة وتسعين، سيساوي كم؟ ألفًا ومئة وتسعين. أحسنت، ألف ومئة وتسعين، وهذا ألف ومئة وخمسين، يعني ينقص عليه بأربعين. طيب، الآن، الآن خمسمائة درهم، مهر النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه، يساوي ألفًا ومئة وخمسين جرامًا. خلاص، سهل. ننظر الآن قيمة الجرام. سألت عليه اليوم واحدًا من أصحابي يشتغل في الذهب والفضة، سألته عن قيمة الجرام اليوم. قال: الجرام اليوم، طبعًا هم يقيسون في فضة عادية، يعني ليست صافية، فضة صافية، هم يقيسون على العادية لأنها هي المستخدمة. فقال: الجرام اليوم يساوي تقريبًا ثمانمائة وثلاثة وثمانين... الجرام الواحد ثمانمائة وثمانية وثمانين، ثمانمائة وثمانين ريالًا يمنيًا، هذا الجرام الواحد. تمام. طيب، اضربه في ألف ومئة وخمسين، يساوي مليونًا وخمسة عشر ألفًا وأربعمائة وخمسين. يعني باليمني، مهر النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه خمسمائة، هذا يساوي اليوم... تاريخ بالفرنجي: ستة وعشرين، ثمانية، ألفين وخمسة وعشرين، وبالعربي: ثلاثة ربيع الأول، ألف وأربعمائة وسبعة وأربعين. يكون مهر النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه: مليون وخمسة عشر ألفًا وأربعمائة وخمسين. بالسعودي، هذا المليون وخمسمائة... مليون وخمسة عشر وأربعمائة وخمسين، اقسمها على سعر الصرف اليوم، أربعمائة مثلاً وثلاثة وعشرين، سيساوي ألفين وأربعمائة وواحد ريال سعودي. المهر بالسعودي: ألفان وأربعمائة وريال سعودي. فهمتم هذا الآن؟ هذا مهر النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه في ذاك الزمان. طيب، لو قسنا على زماننا، سيساوي هذا المبلغ، سيساوي هذا المبلغ. وبالنسبة لو إنسان دفع المهر في هذه الأيام بهذا السعر، هذا يعتبر قليل الآن مع هذه الأسعار. رأيت يعني تحديدًا لأسعار المهور، يعني حددوا البكر بمليون وسبعمائة تقريبًا، مليون وسبعمائة، والثيب بمليون وأربعمائة أو ثلاثمائة، هكذا تقريبًا. ها، كيف حددوها الآن؟ الله أعلم، يمكن مليون وخمسمائة. نعم، نعم، إذن هذا أكثر، يعني يزيد تقريبًا، يعني قريبًا خمسمائة ألف، نقص الله خمسة عشر ألفًا، يعني أربعمائة وخمسة وثمانين ألفًا، قرابة الثلث، قرابة الثلث. نعم، هكذا يكون الحساب. لما أنت تفهم، أولاً تضبط الجرام: خمسمائة درهم كم يساوي؟ 1150. أي يوم تدرس، سجل هذا التاريخ، عنده تاريخ اليوم. أي يوم تدرس، مثلا درست في إندونيسيا بعد ثلاث سنوات، أربع سنوات، خلاص، عنده قيمة الجرام ثابتة، صح؟ 1150 جرام، اضربها في سعر اليوم، يطلع لك المهر باليوم. يطلع لك المهر باليوم. يعني لو نحن درسنا هذا قبل شهر أو شهرين، قبل ما ينزل الصرف، يمكن بيساوي هذا 4000 سعودي، صح؟ بيساوي كم؟ 4000 سعودي، لأن لا... بيساوي أقل، بيساوي تقريبًا 1000 سعودي، صح؟ بالريال اليمني تحسب بالريال اليمني، لكن بعدين على حسب قيمة الجرام في ذاك الزمان، يمكن الجرام بيقع 883، يمكن أكثر، أكيد، لأن الآن نزل كل شي، حتى نصاب قيمة الجرام في الذهب والفضة نزل مع نزول الصرف. لكن كان من قبل مع طلوع الصرف، ربما يكون فوق الألف، 1200، 1300، يعني الجرام الواحد فيمتى، فسيكون أعلى من هذا، يمكن يكون قرابة يعني 3500 أو أكثر السعودي. مهم: أنت اضبط قيمة، اضبط عدد الجرام، تعرف أن 500 درهم تساوي 1150 جرامًا. أي وقت تحتاج إلى معرفة هذا المهر، تضربه في قيمة الجرام في يوم دراسته، في قيمة الجرام، كم الجرام يساوي؟ يطلع لك، يطلع لك قيمة 500 درهم بالعملة التي أنت في البلد. حتى لو في إندونيسيا مثلاً، في إندونيسيا اليوم، هل تعرفون كم الجرام من الفضة؟ لو تعرفون، خلاص، اضرب قيمة الجرام في 1150، يطلع لك المهر كم. فهمت ما هذا الآن؟ هكذا يكون الحساب. ما لك دخل أنت بالثمن، لأن كان معاملتهم ليست مثل الآن، معاملتهم كانت مستوية بين الذهب والفضة، لكن الآن في البنوك العالمية وغيرها التعامل بالذهب، ولذلك زادت قيمته، زادت قيمته. واضح؟ فأنت ليس لك علاقة بمسألة: كان أعلى أو كان أنزل. طيب، كان أعلى، يمكن يكون الذهب نفس قيمة الفضة، نازل يعني في القيمة، صح؟ فأنت ليس لك علاقة بالزمن، هل هو زائد أو ناقص؟ مثل زماننا هذا، كان قبل شهرين الجرام أعلى من هذا، صح؟ أعلى من هذا، ليش؟ لأن الناس يتعاملون بالقيمة، كلما زادت قيمة الذهب والفضة، زادت قيمة الأشياء، سواء كان في المهر، سواء كان في البيع والشراء، في كل شيء. الآن لما نزل الصرف، نزلت المواد، نزل الذهب، نزلت الفضة، كل شيء يتعلق بقيمة الجرام. فهمت هذا الآن؟ فكل زمن، ما تستطيع ضبط قيمة الذهب والفضة إلا بسعر الجرام، بسعر الجرام في هذا الزمن، في هذا الزمن. مثل الزكاة: أنت عندك الآن نقود، طيب، حال عليها الحول، تسأل عن النصاب، كم النصاب؟ قالوا: النصاب 85 جرامًا. متى تحسب قيمة 85 جرامًا؟ كم يعادل من المال في وقت الإخراج؟ صح؟ إذا أردت أن تخرج المال، تنظر إلى ماذا؟ تنظر إلى سعر هذا، كم يساوي؟ تخرج عليه. إذا معك ما يساوي 85 جرامًا من الذهب، فهنا يخرج عليه الزكاة في اليوم الذي تريد أن تخرج فيه الزكاة، إذا كان أقل، ما عليك شيء، لأن أقل من 85 جرامًا. فهمتم هذا الآن؟ نعم، هكذا يكون الحساب. طيب، المؤلف رحمه الله ذكر هذا الحديث من أدلة تخفيف المهر. إذا، أن هذا يعد مهرًا ليس بالمغالاة فيه، ليس بالمغالاة فيه، وذكره المؤلف ليستدل به على جواز ماذا؟ ليستدل به على تخفيف المهور. هنا تنبيه: في قوله "كان صداقه لأزواجه"، يقول القرطبي: هذا القول من عائشة إنما هو إخبار عن غالب أزواج النبي. لماذا قالوا هكذا؟ يعني ليس كل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما غالب أزواج النبي كان مهرهن ثنتي عشرة أوقية ونشًا، هذا الغالب. لماذا قال؟ لأن صفية أصدقها نفسها، بمعنى كانت أمة، وسيأتي حديثها، فأعتقها وتزوجها، فكان عتقها صداقها. فإذا ما عطاها دراهم، ما عطاها دراهم. وكذلك زينب بنت جحش، لم يذكروا لها صداقًا. وكذلك أم حبيبة بنت أبي سفيان، أصدقها النجاشي أربعة آلاف، هو الذي أعطى الصداق للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمهرها أربعة آلاف درهم. يعني هذا يعد مهرًا كثيرًا، أين الخمسمائة من أربعة آلاف؟ ها؟ فمهر أم حبيبة كان مهرًا كثيرًا، لكن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي دفعه، وإنما تصدق به النجاشي. نعم، فخرج هؤلاء النسوة من زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عموم قول عائشة، فأخبرت عائشة عن الغالب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج نساء كثر، فأكثر نسائه كان مهرهن كما ذكرت عائشة: ثنتي عشرة أوقية ونشًا، ونشًا. طيب، وكذلك مما يستدل به على استحباب تخفيف المهور، ما جاء عند أبي داود من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الصداق أيسره، خير الصداق أيسره"، يعني الذي يكون يسيرًا، الذي يكون يسيرًا. ثم قال المؤلف رحمه الله: "وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها"، متفق عليه. ذكر المؤلف هذا الحديث ليستدل به على جواز أن يعتق الرجل أمته ويجعله صداقها. الآن عندك أمة، عبدة مملوكة، فيجوز لك أن تطأها بملك اليمين، لكن تريد أن تكون هذه المرأة حرة متزوجة بك، فيجوز لك أن تعتقها، ويكون عتقها مقابل مهرها أو صداقها، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا هو قول الإمام أحمد، وكثير من أهل الحديث. وبعض أهل العلم ذهب أنه لا يجوز، وهذا قول للأئمة الثلاثة: الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة. وقالوا: أجاب عن حديث الباب بأجوبة، منها: أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: عتق النبي صلى الله عليه وسلم لصفية، ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها، هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن دعوى الاختصاص هذه تفتقر إلى دليل، من أين لهم أن هذا خاص؟ والأصل عموم التشريع، والأصل عموم التشريع. فالقول الأول، والله أعلم، هو الأظهر، وهو الصحيح، لورود هذا الحديث. قال: "وقال لرجل: التمس ولو خاتمًا من حديد". هذا ذكره المؤلف ليستدل به على تخفيف المهر أيضًا. انظر من تخفيف المهر: أن العتق يجوز أن يكون مهرًا، وهذا من التخفيف. من تخفيف المهر: أن يكون ولو بشيء يسير كخاتم، ليس من ذهب ولا من فضة، فهو أغلى... وأغلى من الحديد، لكنه من حديد، فهذا دليل على تخفيف المهر. قال: طيب، هذا الحديث مختصر من حديث طويل، وهو أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووهبت نفسها. قلنا: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. يعني امرأة، أو امرأة وهبت نفسها للنبي، فالنبي صلى الله عليه وسلم طاف فيها وصعد، فكأنه عليه الصلاة والسلام ما رغب ذلك منها، فكان رجل جالس، فقال: يا رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة، فزوجني إياها، أو فزوجنيها. يجوز هذا وهذا. "فزوجني إياها" أو "فزوجنيها"، لأن الفعل هنا ينصب مفعولين، هذا أخذناه في النحو، صح يا بطار؟ فيجوز الفصل والوصل. فقال: "زوجنيها يا رسول الله"، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما، ثم قال له: "اذهب، التمس شيئًا، أعطيها شيئًا". ذهب الرجل ورجع، فقال: "يا رسول الله، لم أجد شيئًا". فقال: "اذهب، التمس ولو خاتمًا من حديد". ذهب الرجل يبحث، ما وجد شيئًا، قال: "ما وجدت شيئًا يا رسول الله". ثم قال هذا الرجل: "يا رسول الله، أعطيها ردائي هذا". فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أعطيتها رداءك، جلست بغير رداء"، كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم انتظر النبي صلى الله عليه وسلم قليلا، وهم هذا الرجل بالانطلاق، فانطلق، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: "هل معك شيء من القرآن؟" قال: "نعم يا رسول الله، معي سورة كذا وكذا وكذا". فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "زوجتكها بما معك من القرآن". فتزوجها على أن يعلمها هذه السور التي يحفظها. هذا هو معنى هذا الحديث، وهذا الحديث فيه فوائد. من فوائد هذا الحديث: فيه سنية تسمية الصداق في العقد، مع أنه ليس شرطًا، ولكن يستحب. ففي هذا الحديث، ماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ "زوجتكها بما معك من القرآن". فلا بأس في العقد، مثلاً تقول: "زوجتك ابنتي" أو "موليتي بمليون، بخمسة ملايين، بمليونين"، لا بأس أن تذكر المهر. لكن عندنا هنا ما يذكرون المهر في العقد أمام الناس، لكن يذكرونه في الأوراق الرسمية فقط. لكن في العقد أمام الناس ما يذكرون، هذا يقول لك: "يعني هذا يدفع كثير، وهذا يدفع قليل، وهذا كذا". فهم، خلاص، يقولون: "بس، زوجتك ابنتي بالمهر المتفق عليه"، الله أعلم كم هذا المتفق عليه، ها؟ وهم عارفين كم هذا المهر، لكن ما يذكرونه من أجل هذا، والله أعلم. نعم، فإذا ذكر، لا بأس، وهذا هو السنة، السنة أن تذكر. أنت أعطيتهم مليون، قل العقد، يا أخي قلهم، يعني: "زوجتك ابنتي بمليون"، ما في شيء، ها؟ وهكذا. ومن مسائل هذا الحديث: اختلف العلماء في المهر بالقرآن، هل يجوز أو لا، وهل يصح أو لا؟ فمنهم من قال: لا يصح، لأن القرآن هذا عبادة وطاعة، وكيف يكون مقابل شيء؟ مثل ما ذكرنا في مسألة يعني الأجرة في القرآن، وما ورد في الحديث، قالوا: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، رخصة خاصة لهذا الرجل من النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أهل العلم من قال: يجوز مطلقًا، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يوجد دليل على أن هذا خاص بهذا الرجل. وبعضهم توسط، وهو الصحيح، فيقال: المهر بالقرآن يصح إذا لم يتيسر المال أو الأجرة، يعني أن يتزوج بعمل، أجرة معينة لهذه المرأة، فإذا لم يتيسر ذلك، فله حينئذ أن يتزوجها بما معه من القرآن، والدليل هذا الحديث. هذا الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم، هل من أول وهلة قال له: "هل معك شيء من القرآن؟" ها؟ لا، أول مرة قال له: "اذهب، ائتها بشيء، ابحث عن شيء مهر لها". ذهب الرجل فلم يجد، جاء، قال له: "التمس، روح، اذهب مرة ثانية، ولو بخاتم من حديد". إذن هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زوجه بما معه من القرآن إلا بعد ماذا؟ بعد ما علم عليه صلى الله عليه وسلم أن هذا الرجل ما عنده شيء، ما عنده شيء يمهر هذه المرأة، فلذلك زوجه بما معه من القرآن. فهكذا يقول: وليس معنا أنه سنة، كما يفهم البعض، ربما بعض معه مال، وتاجر من التجار، لكن يقول: "نحن نبي نطبق السنة"، لا، هذا ليس سنة، هذا فهم معكوس للسنة. لا، السنة: نعم، إذا كنت فقير معدم، طالب علم، وهذه الناس يرغبون فيك، وما معك شيء إلا القرآن، فلا بأس أن تتزوجها بما معك من القرآن، بمعنى: تعلمها هذا، مثل الأجرة. الحمد لله، ليس معنا "بما معك من القرآن" لأنك حافظ، لا يعني لو قالوا لك: "شرط أنك تحفظها القرآن"، هذا يكون دين عليك، هذا مهر، لا بد تحفظها القرآن. قالوا: "تحفظها نصف القرآن"، إذن تحفظها نصف القرآن، لا بد. هذا معنى "زوجتكها بما معك من القرآن"، يعني بتعليمها، ليس معنى "بما تحمل من القرآن" فقط. فالتوسط في هذه المسألة: هذا يجوز الصداق بالقرآن، بشرط العجز عن الصداق، العجز عن الصداق، وهنا حينئذ يجوز ذلك. نعم، أما بالكتب وكذا، هذا طبعًا يعد مالًا. تزوجتها بـ "صحيح البخاري"، كما تحكى قصص في ذلك، بعض طلاب العلم مثلاً يزوج، يعطيها "صحيح البخاري"، هذا مهرها، لا بأس، هذا يعني له قيمة، كما ذكرنا، ليس هناك يعني تحديد لأقل المهر، وإنما كل ما صح أن يكون في البيع أو في الإجارة، يصح في ماذا؟ في الصداق، يصح في الصداق. فلو أعطيتها كتابًا، هذا له قيمة، يشترى الكتاب، يشترى، صح؟ إذن هذا يصح. المال ليس المراد به النقد، لا، قد يكون المال مثلاً ثياب، قد يكون المال مثلاً سيارة، قد يكون المال ذهب، قد يكون المال سلعة. طيب، فكل ما له قيمة يقال له مال، يقال له أيش؟ مال. واضح هذا الآن؟ لكن القرآن، هذا كما ذكرنا، المهر به يصح عند العجز عن دفع القيمة، عند العجز عن دفع القيمة، فحينئذ يجوز، يعني يجوز النكاح بالقرآن، ومن باب أولى كذلك بالكتب. نعم، يحكي شيخ عبد الرزاق البدر قصة طريفة في هذا، قال: أعرف رجلًا أراد أن يتزوج، فقالوا له: "قراز، نزوجك بصحيح البخاري". هل أنه "صحيح البخاري"؟ أخذ هذه البنت، أعطيها "صحيح البخاري"، أخذها، قال: فأعطاه "صحيح البخاري" وزوجها، وأنجبت له ما شاء الله، وكانت ذرية مباركة. قال: فسمع أحد الطلاب أنها تتزوج بـ "صحيح البخاري"، فذهب عند هذا، قال له: "معها شي أخ، سأعطيها صحيح البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة، هذا مهر طيب". قال: "كم سيكلف هذا؟ صحيح البخاري فقط". هل مع أحد أخت أريد أن نتزوجها بـ "صحيح البخاري ومسلم"؟ وهذا من باب الطرافة، والله أعلم. طيب، الوقت مضى، صح؟ ما عاد انتبهنا للوقت. إن شاء الله نكتفي بهذه. طيب، إلى هنا، غدًا نعتذر عن الدرس معنا، خروج دعوي الصباح، إن شاء الله نعود لكم مكان آخر.