الخطبة بعنوان نصائح وتوجيهات عند وقوع الشدائد والأزمات، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 22 ربيع الآخر 1446هـ الموافق 25 أكتوبر 2024م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن الخطيب أن الابتلاءات تمحيص لتمييز الصادق من الكاذب، وأن أول التوجيهات النبوية عند نزول البلاء هو اللجوء إلى الله بالدعاء والتضرع والانكسار. ويستدل بآيات قرآنية وقصة نبي الله يونس عليه السلام الذي نجاه الله من ظلمات البحر والحوت حين دعا ربه مخلصاً.
يستعرض المقطع أهمية اللجوء إلى الله بالدعاء الصادق والتوكل عليه عند الكرب، مستشهدًا بدعاء ذي النون وقول إبراهيم ومحمد عليهما السلام: «حسبنا الله ونعم الوكيل». ويؤكد أن الصبر عند المصائب سبب للهداية والرحمة كما ورد في القرآن وسنة الصحابة.
يؤكد المقطع على وجوب اليقين بفرج الله بعد كل شدة مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويحذر من اليأس والقنوط. كما يوجه إلى لزوم الهدوء والسكينة عند الفتن وعدم المشاركة فيها، مع الرجوع إلى العلماء الراسخين لاستنباط الأحكام.
يختتم المتحدث بالدعاء للمغفرة والرحمة من الله، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وأصحابه. ويختم الخطبة بالحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن المسلم في هذه الحياة معرض للشدائد والفتن والأزمات والمحن، وهذه الشدائد يا عباد الله تمحيص وتمييز، ليتميز الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، والصابر من الجازع المتسخط. ولذلك يا عباد الله يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَنَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. والآيات كثيرة في هذا الباب، ولذا يا عباد الله فإن شرعنا الحكيم أرشدنا إلى جملة من التنبيهات والتوجيهات القيمة النافعة التي ينبغي أن نهتدي بها عند هذه الشدائد والمدلهمات، وهذه المصائب والملمات. فمن أول هذه التوجيهات: اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، والدعاء والتضرع والانطراح والانكسار بين يديه سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل منكرًا على أهل الكفر والغفلة: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾. فالمؤمن يا عباد الله يعلم أن الأمر كله لله سبحانه وتعالى، هو الذي يدبر الأمور، وهو الذي يقدر الأقدار، وهو الذي بيده نواصي العباد، فلذلك فإن المؤمن في حال الشدائد والمحن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. إن كنت مضطرًا، إن كنت في بلاء وشدة، فالجأ إلى الله، فهو القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، لا كاشف للضر ولا كذلك الشدة إلا الله سبحانه وتعالى. وقد أخبرنا ربنا عز وجل في كتابه الكريم عن أنبيائه ورسله وعباده الصالحين كيف ابتلاهم بنزول الشدائد والمحن، فلجأوا إلى الله وتضرعوا إلى الله وعلقوا قلوبهم بالله عز وجل، فرفع الله وكشف عنهم ما بهم من ضر. فهذا نبي الله يونس عليه السلام: ﴿سَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ألقي في البحر، فجاء ذلك الحوت العظيم فالتقمه، فصار في بطن الحوت في ظلمات ثلاث: في ظلمة الليل البهيم، وفي ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر. فعلم ذلك النبي الكريم أنه لا ملجأ ولا منجأ من هذه الكربة إلا إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. فنجاه الله عز وجل، نجاه واستجاب لدعوته، فألقاه ذلك الحوت في ساحل البحر، فنجا من هذه الكربة العظيمة. فأي كربة بعد هذا يا عباد الله؟ وأي شدة بعد هذا؟ فمن الذي كشفها؟ إنه الله سبحانه وتعالى. فادعوا بهذا الدعاء وأكثر منه، فقد جاء عند الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، ويحسنه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «دعوة ذي النون إذ قال وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما دعا بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له، إلا استجاب الله له». هل ندعو يا عباد الله بهذا الدعاء؟ هل نصدق مع الله عز وجل في توجهنا وفي انطراحنا وانكسارنا بين يدي الله عز وجل؟ وهكذا يا عباد الله نبي الله إبراهيم، ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، وقعا في كرب عظيمة. فنبي الله إبراهيم ألقي في النار، نار عظيمة تتأجج وتلتهب، حتى وضع فيها من مكان بعيد لشدة حرارتها ولعظم لهبها، فلجأ إلى الله عز وجل فقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل». كلمة عظيمة أن ترد أمرك إلى الله سبحانه وتعالى، وأن تجعله كافيك، وأن تجعله مدبرًا لأمرك: حسبنا الله ونعم الوكيل. فجعل الله عز وجل عليه النار بردًا وسلامًا. وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال هذه الكلمة عندما انصرف المشركون من غزوة أحد، فجاء بعض الناس يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام: إن المشركين ومن معهم من الكافرين جمعوا لكم الجموع الغفيرة الكثيرة، أرادوا استئصال هذه المدينة، وأرادوا الانقضاض عليكم. فما كان من نبي عليه الصلاة والسلام إلا أن قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل». ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قيل له: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل». فنزل قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾، وغيرها من الآيات العظيمة. أيها المسلمون، عباد الله، إنه اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، إنه الاعتماد على الله، إنه الانطراح بين يدي الله عز وجل. فمن دعا الله بصدق وخشوع وطمأنينة ويقين وثقة بالله عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب دعوته، وإن الله عز وجل يكشف كربته بإذنه سبحانه وتعالى. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يغفر لنا وأن يرحمنا، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. ومن هذه التوجيهات الشرعية التي ينبغي للمسلم أن يهتدي بها في زمن الشدائد والأزمات والمحن والملمات: أن يتحلى بالصبر، أن يتحلى بالصبر. فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. إنا لله، هو الذي خلقنا، وهو الذي ابتلانا، وهو الذي جعل لنا ما جعل من النعم وغيرها. إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا إليه راجعون. فقال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فإن أردت الهداية في وقوع الفتن والمصائب، وإن أردت الرحمة من الله عز وجل، فتحلى بالصبر. فقد قال عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه: «رأينا خير عيشنا في الصبر، رأينا خير عيشنا في الصبر». جاء في صحيح البخاري من حديث الزبير بن عدي رحمه الله تعالى أنه قال: «أتينا أنس بن مالك، أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج» -أي من ظلم الحجاج-، فانظروا إلى وصية هذا الصحابي الجليل وهذا العالم الكبير، قال لهم: «اصبروا، اصبروا، فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم». هذه وصية الحكماء، هذه وصية العلماء، هذه وصية العقلاء: الصبر، الصبر يا عباد الله. ثم بعد ذلك يجب عليك أن توقن بالفرج، أن توقن بالفرج، فإن هذه الشدائد وهذه المصائب لا تستمر ولا تدوم، بل لا بد لها من أن تنكشف وأن تنقشع. فما من شدة وضر إلا ويعقبها يسر ورخاء. ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فلن يغلب عسر يسرين. وقد قال الله عز وجل: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لابن عمه ابن عباس -عند أصحاب السنن-: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا». ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا، وعند الله منها المخرج، وعند الله منها المخرج. ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ** فرجت، وكان يظنها لا تفرج. إذا لاح عسر فارج يسرًا ** فإنه قضى الله أن العسر يتبعه اليسر. فينبغي أن نوقن يا عباد الله أن الأمر لله عز وجل، في لحظة يحول الله من حال إلى حال. قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. أخرج الإمام ابن ماجه في سننه من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في شأن الله في هذه الآية: «هو أن يغفر ذنبًا، أو يكشف كربًا، أو يرفع أقوامًا ويضع آخرين». حسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فأمرنا يا عباد الله عند الرحيم الرحمن، الذي هو أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا. أمرنا يا عباد الله عند القدير القادر، الذي يكشف ما بنا من شدة وضراء. أمرنا يا عباد الله عند الغفور الرحيم، الذي يحب من عباده أن يستغفروه فيغفر لهم، ويمدهم بمدد من عنده سبحانه وتعالى. ألا فلنثق بالله عز وجل، ولنحذر كل الحذر من اليأس والقنوط، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. أما أهل الإيمان فكلهم أمل، وكلهم تفاعل. قال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: «الكلمة الطيبة»، لما فيها من إدخال السرور على المسلم، ولما فيها كذلك من التنشيط على تفريج الكروب والعمل بأسبابها. أيها المسلمون، عباد الله، ومن تلك التوجيهات التي ينبغي أن يهتدي بها المسلم عند الشدائد والمحن: أن يلزم الهدوء والسكينة، وأن يحذر من الطيش، وأن يحذر من الطيش ومن التهور. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من استشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به». فهذه الفتن يا عباد الله، وهذه المحن، ينبغي للمسلم أن يتعقل فيها، فلا يشارك ولا كذلك يشب لهيبها، لا بلسانه ولا ببنانه ولا بجوارحه وأعضائه، بل ينبغي عليه أن يعلم أن هذه الشريعة جاءت بتحقيق المصالح وتكميلها، وبدرء المفاسد وتقليلها. وإن علم ذلك عند علماء الشريعة، عند العلماء الراسخين الذين يقدرون المصالح من المفاسد، وليس مرجع ذلك عند السفهاء، أو عند صغار السن، أو عند الطائشين. وقد أرشدنا الله عز وجل عند حدوث مثل هذه الفتن أن نرجع إلى العلماء العقلاء الراسخين في العلم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فينبغي على العقلاء، على العلماء، أن يتولوا أمر هذه الأمة بنصائحهم وبتوجيهاتهم، وبيان حكم الله عز وجل، وبيان حكم الله عز وجل في قضايا الأمة وما يكون فيها مصيرها. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يهدينا سبلنا، نسأله سبحانه وتعالى أن يغير حالنا إلى أحسن حال. اللهم إننا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم يا حي يا قيوم، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. نسأل الله عز وجل أن يغفر لنا وأن يرحمنا، إنه هو الغفور الرحيم. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.