أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 212

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 212

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 212، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مكفرات الصغائر: اجتناب الكبائر وفعل الحسنات

يوضح هذا المحور أن السيئات الصغرى تُكفَّر باجتناب الكبائر وبالإكثار من الحسنات، مستنداً إلى نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تشترط ترك الكبائر لقبول تكفير الصغائر. ويؤكد أهمية علم المسلم بهذه المكفرات لتنقية النفس والتوبة إلى الله.

الحسنات تمحو السيئات: سبب النزول والأعمال المكفرة للصغائر

يشرح المحور كيف أن الحسنات تمحو السيئات مستدلاً بالآية الكريمة وحديث «أتبع السيئة الحسنة تمحها»، ويسرد سبب نزول الآية في واقعة قبلة رجل لامرأة أجنبية. ثم يذكر الأعمال التي تكفر الصغائر كإسباغ الوضوء، والمشي للمساجد، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مستنداً إلى أحاديث صحيحة في صحيح مسلم.

أسباب تكفير السيئات والفرق بين الصغائر والكبائر

يبين المحور أن قيام رمضان وليلة القدر، وصيام عاشوراء وعرفة، والوضوء وغيرها من الطاعات تكفر الصغائر فقط بشرط اجتناب الكبائر، ويُحمل المطلق من الأدلة على المقيد بها. أما الكبائر فلا تكفر إلا بالتوبة النصوح التي تشترط الإقلاع والندم والعزم، ورد الحقوق إن كانت للعباد، والتوبة سبب عام لمغفرة كل الذنوب صغيرها وكبيرها.

اشتراط اجتناب الكبائر لتكفير الصغائر والرد على الفرق المخالفة

يوضح المحور أن اجتناب الكبائر شرط أساسي لتكفير الصغائر بالحسنات، وهو معتقد أهل السنة والجماعة. ويذكر المؤلف هذا الشرط للرد على الخوارج والمعتزلة والجهمية والأشاعرة الذين لا يقرون بهذا التقسيم ويوجبون التوبة لكل الذنوب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكم رحمه الله تعالى في كتابه «أعلام السنة المنشورة»: السؤال الثامن والثمانون بعد المائة: بماذا تكفر السيئات؟ المراد بالسيئات في اصطلاح المؤلف هنا -كما تقدم- الصغائر التي تقابل الكبائر، وقد تم التنبيه على أن إطلاق السيئات بالصغائر مما انتقده العلماء؛ لأن السيئة إذا أطلقت وأفردت بالذكر تشمل جميع الذنوب ومنها الكبائر، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، فالسيئة في الآية أفردت فيراد بها جميع الذنوب، ولكن هذا اصطلاح من المؤلف أخذه من الآية؛ لأن الآية اقترنت بالكبائر، فالمراد بالسيئات في الآية الصغائر. قال الجواب: قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فأخبرنا الله تعالى أن السيئات تكفر باجتناب الكبائر وبفعل الحسنات. هذا الموضوع مهم جداً أن يعلمه المسلم؛ لأن كل واحد من بني آدم عرضه لأن يقع في صغائر الذنوب من نظرة أو لمسة أو سماع أو كذلك تفريط أو نحو ذلك، فمن المهم جداً أن يعلم المسلم مكفرات الصغائر حتى ينقي نفسه وحتى يتوب إلى ربه سبحانه وتعالى. فذكر المؤلف هاهنا سببين من أسباب تكفير الصغائر: السبب الأول: اجتناب الكبائر، أي أنه لا يرتكب مع الصغائر كبائر الذنوب؛ فإن كبائر الذنوب تمنع من تكفير صغائر الذنوب، كما هو صريح هذه الآية: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، نكفر عنكم الصغائر التي تصدر منكم ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وقد جاء أيضاً في أحاديث كثيرة تقييد تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، من ذلك حديث أبي هريرة في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وجاء أيضاً في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب إذا اجتنبت الكبائر»، إذا اجتنبت الكبائر، فقيدها أيضاً باجتناب الكبائر. وأما السبب الثاني الذي ذكره المؤلف رحمه الله: فعل الحسنات، فإن الماء إذا بلغ القلتين لم ينجس، الماء إذا بلغ القلتين لا ينجس، وما ذاك إلا بكثرة فعل الحسنات، فمن أكثر من فعل الحسنات وصبرت منه بعض الصغائر فإن هذه الحسنات كفيلة بأن تكون سبباً لتكفير الصغائر. ولذلك قال: وكذلك جاء في الحديث: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، أي أن الحسنة تمح السيئة، الحسنات مثل الممسحة التي الإنسان إذا كتب وأخطأ أتى بها ومسح الخطأ، فهكذا الحسنات وكثرة الطاعات تمسح السيئات. والآية التي ذكرها المؤلف في قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، هذا لها سبب نزول جاء في صحيح مسلم وفي غيره بألفاظ مختلفة. وأول الآية قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني أصبت من امرأة كل شيء إلا ما يفعله الرجل مع زوجته -يريد الجماع- ما جاء معها، وإنما في رواية أخرى أنه غمزها وقبلها، وفي رواية أنه قبلها، وفي رواية أن زوجها كان قد خرج في سبيل الله فجاءت تريد تمراً من مكان محل بيع يبيع فيه في السوق، فقال لها: عندي في البيت أطيب منه، فذهبت معه إلى البيت، فلما دخلت غمزها وقبلها، فكان عمر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ألا سترت عن نفسك وقد سترك الله؟ فسكت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنزلت هذه الآية، فقال له: أصليت معنا؟ قال: نعم، فتلع عليه هذه الآية، فقال هذا الرجل: أهي لي؟ قال: «بل لجميع المسلمين، بل لجميع المسلمين». فهذا أيضاً فيه أن الحسنة تمحو السيئة؛ لأن قال في الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. قال: وكذلك جاء في الأحاديث الصحيحة أن إسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الخطى إلى المساجد، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، وقيام ليلة القدر، وصيام عاشوراء، وغيرها من الطاعات أنها كفارات للسيئات والخطايا، أي الصغائر. وقوله: أن إسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الخطى إلى المساجد، وكذلك انتظار الصلاة بعد الصلاة، هذا جاء في حديث أبي هريرة في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». الشاهد: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا»، فحمل جمهور أهل العلم هذه الخطايا على الصغائر جمعاً بين الأدلة. وكذلك قوله: والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان لرمضان، حديث أبي هريرة المتقدم في صحيح مسلم أيضاً، قال عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وقوله: وقيام ليلة القدر، كذلك: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، و«من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، والأحاديث كلها في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا صيام عاشوراء وصيام كذلك يوم عرفة، كل هذا أيضاً مما جاء فيه تكفير السيئات. سئل النبي صلى الله عليه وسلم -حديث أبي قتادة في مسلم- سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عاشوراء، قال: «يكفر السنة الماضية أو السنة التي قبله»، وسئل عن صيام يوم عرفة، قال: «يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده». فهذا يحمل كذلك جمعاً بين الأدلة على صغائر الذنوب، وغيرها من الطاعات أنها كفارات للسيئات والخطايا، كالوضوء مثلاً: إذا توضى الإنسان خرجت خطاياه، إذا غسل وجهه خرجت خطاياه، وكذلك إذا غسل يديه تخرج خطاياه، من وجهه ومن يديه ومن رجليه، فهذه كلها تحمل على الخطايا الصغائر. وهنا المؤلف ذكر السببين، وكأنه -والله أعلم- يريد الأسباب الخاصة بتكفير الصغائر، وإلا هناك أيضاً سبب عظيم من أسباب تكفير السيئات، لكنه سبب عام في تكفير الكبائر والصغائر، وهو التوبة، التوبة إلى الله عز وجل، وتخصيص الذنب بالاستغفار والتوبة، فهذا أيضاً من أسباب مغفرة الذنوب، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، الآية عامة في كل ذنب، في كل خطيئة صغيرة أو كبيرة. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من مئة مرة»، فالتوبة لا شك أنها من أعظم أسباب تكفير السيئات، حتى الكبائر، الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة، إلا بالتوبة، والتوبة لها شروط: إذا كان بين العبد وربه، وإذا كان الذنب حقاً من حقوق العباد يكون برد تلك الحقوق، إلى غير ما ذكره أهل العلم في هذه المسألة. قال: وأكثر تلك الأحاديث فيها تقييد ذلك باجتناب الكبائر، كما تقدم معنا في حديث أبي هريرة وغيره. قال: وعليه يحمل المطلق منها، المطلق يعني الذي ما ذكر فيه اجتناب الكبائر، ما جاء في أحاديث صيام يوم عاشوراء أو يوم عرفة أو ليلة القدر أو الجمعة إلى الجمعة، هذا ورد فيه، لكن صيام يوم عاشوراء أو قيام ليلة القدر أو الوضوء أو نحو ذلك، فهذه تحمل على الصغائر، فنحمل المطلق على المقيد الذي جاء تقييده باجتناب الكبائر، وهذه قاعدة معروفة عند أهل الأصول: أن المطلق يحمل على المقيد. قال: فيكون اجتناب الكبائر شرطاً لتكفير الصغائر بالحسنات وبدونها، فهذا أمر معلوم ومقرر عند أهل السنة والجماعة، ومراد المؤلف من ذكر هذا الرد على الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والجهمية والأشاعرة ومن نحا نحوهم، ممن لا يرون هذا التقسيم، وبالتالي بنوا على هذا المعتقد أنه لا بد من توبة لكل الذنوب والسيئات ونحو ذلك من تلك المعتقدات التي تخالف معتقد أهل السنة والجماعة. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى.