التعليق على حلية طالب العلم 69

التعليق على حلية طالب العلم 69

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 69، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحبير الكاغد: التحذير من التأليف قبل التأهل

يتناول الفصل السابع من حلية طالبي العلم تحذير الشيخ بكر أبو زيد من الإسراع في التصنيف قبل استكمال أدوات العلم والنضج على يد المشايخ، مبيناً أن ذلك يسجل عاراً على صاحبه. كما يشير المقطع إلى مقاصد التأليف الثمانية وأصل كلمة الكاغد اللغوية.

شروط التأليف النافع ومكانة التصنيف

يشترط للاشتغال بالتأليف النافع توفر الأهلية واستكمال أدوات العلم من لغة وأصول وحديث وعقيدة مع تعدد المعارف، محذراً من تعجل طلبة العلم. ويبين أن من رزقه الله الأهلية فالتأليف من أفضل الأعمال والجهاد بالحجة، مستشهداً بمكانة الخطيب البغدادي.

آداب التأليف وخطر التعجل في النشر

يشرح المقطع أن الكتابة تعرض عقل المؤلف للناس، فمن لم يكن أهلاً أساء إلى نفسه، وينصح بعدم التعجل في النشر. ويؤكد أهمية الاحتفاظ بالمؤلفات للمراجعة والتصويب مع مرور الزمن لنضج الرأي العلمي.

خاتمة الكتاب: التحذير من المحظورات والدعاء

يختم المصنف كتابه بالتنبيه على المحظورات التي تضر بطالب العلم، مؤكداً أهمية الحذر منها لزيادة الجمال والحسن. ويختتم بالدعاء بأن يرزق الله الجميع علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربهم إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ونحن مع الفصل الأخير من فصول هذه الحلية المباركة، وهو الفصل السابع: في المحاذير. قال رحمه الله تعالى: «تحبير الكاغد». تحبير الكاغد، ومعنى الكاغد: القراطيس والصحف والأوراق التي تصلح لأن يكتب فيها، يقال لها كاغد. قال رحمه الله تعالى: «تحبير الكاغد»، الكاغد. ومعنى ذلك: أن يصنف الإنسان ويؤلف قبل أن يتأهل لذلك، هذا مما يحذر منه. قال رحمه الله تعالى: قال: كما يكون الحذر من التأليف الخالي من الإبداع في مقاصد التأليف الثمانية. مقاصد التأليف الثمانية، ومنها يعني ماذا؟ الإفادة ونفع الناس بذلك. قال: والذي نهايته... وقد أشار رحمه الله تعالى إلى أن أول من ذكر هذه المقاصد الثمانية للتأليف هو الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه «نقط العروس». قال رحمه الله تعالى: قال: «والذي نهايته تحبير الكاغد». وأشار الشيخ بكر رحمه الله تعالى إلى أن الكاغد هو القرطاس، وهو فارسي معرب، بعد أن فتح المسلمون بلاد فارس وأخذوا من الفارسية بعض الكلمات وبعض المسميات وغيرها فأصبحت متداولة لدى العرب. قال: فالحذر من الاشتغال بالتصنيف، أي بالتأليف، قبل استكمال أدواته، قبل استكمال أدواته واكتمال أهليتك، وأن تنضج على يد أشياخك. فإنك تسجل به عاراً، فإنك تسجل به عاراً. والعار قالوا: كل ما يلزم منه سبة أو عيب أو غير ذلك، قالوا: له عار يلزم منه سبة، أو يلزم منه وصف الإنسان بالعيب، فهذا يسمى عاراً. قال: «فإنك تسجل به عاراً وتبدي به شناراً». والشنار قال أهل اللغة: هو الأمر المشهور بالشنعة وبالقبح، يعني أمر قبيح شنيع، أنت أصبحت تعرف به. قال: «قال: وتبدي به شناراً». قال: أما الاشتغال بالتأليف النافع، لمن قامت أهليته واستكمل أدواته وتعددت معارفه وتمرس به بحثاً ومراجعة ومطالعة، وجرد لمطولاته وحفظ لمختصراته واستذكار لمسائله، قال: فهو من أفضل ما يقوم به النبلاء من الفضلاء. إذن يا إخوان، كما سبق معنا في تنبيهات ومحاذير سابقة ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى، سواء التنمر بالعلم، أو التصدر قبل التأهل، أو أن يكون من ذوي الأشبار، الشبر الأول أو الثاني، أو غيرها من المحاذير. فمما يعاب على طالبي العلم أن يتعجل التأليف، يريد أن يؤلف ويريد أن يصنف ويطبع ويصور وينشر، لا، هذا لا يجوز حتى تكتمل الأهلية لدى طالبي العلم، وذلك بما ذكره رحمه الله تعالى: يستكمل أدوات العلم عنده في اللغة، في الأصول، في مصطلح الحديث، عنده في الاعتقاد والتوحيد، عنده، وعنده كذلك أيضاً تتعدد المعارف، تتعدد المعارف، وهكذا أيضاً غيرها من الأمور التي يحتاجها من أراد أن يدخل مضمار التصنيف والتأليف، فلا يجوز إذا لم يكن أهلاً لذلك. أما من رزقه الله أهلية، عنده قدرة وعنده ملكة واستطاع على ذلك، فهذا يا إخوان من أفضل الأعمال. ولهذا كان السلف رحمهم الله، وهكذا من بعدهم، كانوا يؤلفون وينفعون غيرهم، ينفعون غيرهم. ومن الجهاد العظيم الذي لا يقل أهمية ومكانة عن الجهاد الذي يكون بالسيف والسنان، هو ما يكون بماذا؟ بالحجة والبيان، وهكذا ما يكون بالقلم والبنان، القلم والبنان. فكل ذلك من نشر العلم ومن الجهاد في سبيل الله عز وجل. قال: ولا تنسى قول الخطيب، أي الخطيب أبو بكر البغدادي رحمه الله تعالى. والخطيب البغدادي يا إخوان إمام عظيم، نفع الله به، قيل فيه: آخر المتقدمين وأول المتأخرين، وأول المتأخرين. وذكر الإمام ابن جماعة رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالتصنيف في المصطلح، أي مصطلح الحديث، قال: «كل من أنصف، كل من أنصف، علم أن الناس عالة على الخطيب في كتبه». عالة: أي يأخذون من كتب الخطيب ويستفيدون منها. قال: ولا تنسى قول الخطيب، أي البغدادي: «من صنف»، أي من ألف وكتب، «من صنف فقد جعل عقله على طبق، جعل عقله على طبق يعرضه على الناس». يعني يقول لهم: هذا عقلي. من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس، على الناس. وبيان ذلك يا إخوان: أن الإنسان يستطيع أن يبين ويعبر عما في نفسه بأمرين اثنين، ما هما؟ يستطيع أن يعبر عما في نفسه بأمرين اثنين، ما هما؟ الأول: اللسان، والثاني... والثاني ما هو؟ نعم، الكتابة. آه، الكتابة. فيستطيع أن يعبر عما في نفسه إما بالكلام باللسان، وإما بالبيان بالكتابة. فإذا كتب الشخص أفرز وأفرغ ما يحمله في عقله في ذلك الكتاب وفي ذلك المصنف، يعرضه على الناس، يقول لهم: هذا عقلي، هذا عقلي. فإذا كان ليس أهلاً للتأليف والتصنيف والكتابة، فإنه يعرض نفسه للنقص والعيب، وكذلك للإساءة، يكون قد ماذا؟ سجل به عاراً وأبدى به شناراً، كما ذكر العلامة الشيخ بكر رحمه الله تعالى. ولهذا يا إخوان لا يستعجل الإنسان، ممكن يكتب، ممكن يؤلف، لكن يحتفظ به لنفسه، لا يخرجه إلى الناس. اليوم يرى رأياً، بعد شهر ماذا يتراجع عنه؟ لأنه في بداية الأمر لم يرسخ بعد، ولم كذلك أيضاً يبلغ درجة العلماء الذين يشهد لهم بذلك. فمن كتب يحتفظ بكتاباته، يأتي بعد عشر سنوات يراجع فيضحك على نفسه، بعد عشر سنوات يراجع ما كتب، يقول: أنا كتبت هذا، فقد يضحك على نفسه. فكيف لو نشره في ذلكم الزمان لضحك عليه الناس؟ ولهذا بعد هذه العشر، عشرين سنة، ثلاثين سنة، ممكن يراجع، ممكن يصوب، ممكن يغير من رأي ترجح له مؤخراً إلى غير ذلك. إذن تحبير الكاغد، قلنا ما هو الكاغد؟ عكاشة، ما هو الكاغد؟ ما هو الكاغد؟ التحبير يعني الكتابة بالحبر، والكاغد... والكاغد، نعم، الحبر ماذا يفعل به على القرطاس؟ أحسنت، القرطاس، أو ممكن يقال: الأوراق التي تصلح للكتابة عليها، الكتابة عليها. فهذه المحذورات التي ختم بها المصنف رحمه الله تعالى هذه الحلية المباركة، التي لا تزيد طالب العلم إلا جمالاً مع جماله، وحسناً إلى حسنه. حري بطالب العلم أن يهتم بها وأن يحذر الوقوع فيها. أسأل المولى عز وجل أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.