الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 100، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
ينقل ابن القيم في "الداء والدواء" خلاف العلماء في دخول مفعول به اللواط الجنة على قولين حكاهما عن ابن تيمية. ويستدل القائلون بعدم دخوله بحديث "لا يدخل الجنة ولد زنية" معللين أن الجسد المغذى بالحرام أولى بالنار.
يبيّن المقطع أن من نشأ على فاحشة اللواط في صغره قلّما يوفق للتوبة في كبره ويبقى أسيراً للشهوة محرومًا من العلم النافع. ويختم المحاضر بذكر مصطلح "التحقيق" عند علماء الأصول كابن القيم والشنقيطي في ترجيح الأقوال.
إذا تاب المبتلى بفعلة اللواط توبة نصوحًا وأتبعها بالأعمال الصالحة غفر الله له وبدل سيئاته حسنات، لأن التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك. واستدل المتحدث بآية "أفلا يتوبون إلى الله" التي خوطب بها النصارى على أن باب التوبة مفتوح لأصحاب الكبائر كفاعلي اللواط.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد، فمواصلةً أيها الأحبة في الله مع "الداء والدواء" وهو "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وكان آخر ما تكلمنا عنه فصلٌ في عظم مفسدة الزنا، وأن ما سبق ذكره من الكلام حول حفظ اللحظات والخطرات واللفظات والخطوات، إنما هو كمقدمة بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج. وذكر رحمه الله تعالى ما يدل على عظم مفسدة الزنا وخطورتها، وهكذا العقوبات التي تميزت بها هذه الجريمة من بين بقية العقوبات والحدود التي تقام على من فعل غيرها من هذه المعاصي. وذكر رحمه الله تعالى أيضًا ما يتعلق بجريمة اللواط، أن يأتي الرجل رجلًا بالفاحشة، وأنها أعظم، وأن عقوبتها شديدة، وهي القتل. ثم ذكر رحمه الله تعالى مسألة تتعلق بعقوبة من عمل عمل قوم لوط. قال رحمه الله تعالى: "وقد اختلف الناس: هل يدخل الجنة مفعول به؟" أي: من يفعل به فاحشة اللواط، أيدخل الجنة؟ قال: على قولين. سمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله يحكيهما. ولاحظوا كيف أن ابن القيم استفاد كثيرًا من شيخه ابن تيمية، ولا يستنكف ولا يستكبر أن يعزو الفوائد التي استفادها إلى شيخه. فهذا يا إخوان من بركة العلم أن تعزى المعلومة أو الفائدة إلى صاحبها، وليس نقصًا أو عيبًا. قال رحمه الله تعالى: "والذين قالوا: لا يدخل الجنة". إذن هما قولان: قول بأنه لا يدخل الجنة، وآخر بأنه يدخل الجنة. قال: والذين قالوا لا يدخل الجنة احتجوا بأمور، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة ولد زنية». وهذا الحديث يا إخوان، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه الإمام أحمد والدارمي وغيرهما، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. ومن أهل العلم من حسنه بشواهده، وينظر في ذلك "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للعلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال: «لا يدخل الجنة ولد زنية». وبين رحمه الله تعالى سبب ذلك. قال رحمه الله تعالى: "فإذا كان هذا حال ولد الزنى مع أنه لا ذنب له في ذلك، ولكنه مظنة كل شر وخبث، وهو جدير ألا يجيء منه خير أبدًا، لأنه مخلوق من نطفة خبيثة. وإذا كان الجسد الذي تربى على الحرام أو غذي به فالنار أولى به، فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام؟ وكون ولد الزنى لا يدخل الجنة، وأنه شر الثلاثة، شر من الزاني والزانية، إلى غير ذلك". إذن يا إخوان: إذا سار على طريقة والديه، أي في الشر والفاحشة، وأما إذا نشأ نشأة طيبة واستقام على دين الله عز وجل فماذا؟ ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ كما قال الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: "قالوا: أي وجه استدلالهم على أن من فعل به فاحشة اللواط، أماذا لا يدخل الجنة؟ واستدلالهم بالحديث السابق: قالوا: والمفعول به شر من ولد الزنى، وأخزى، وأخبث، وأوقح. قال: وهو جدير ألا يوفق لخير، وأن يحال بينه وبينه، أي: بينه وبين الخير، وبينه وبين التوبة. وكلما عمل خيرًا قُيِّض له ما يفسده عقوبة له. قال: وهذا الذي سيذكره غير موجود في بعض النسخ، ومثبت في نسخ أخرى. قال: وكلما أراد التوبة قُيِّض الله له ما يكون حائلًا بينه وبينها، فلا توجد منه توبة نصوحًا أبدًا. وقل من يربى في صغره كذلك إلا كان في كبره شرًا مما كان في صغره. الذي ينشأ على اللواط، لاحظوا يا إخوان: الذي ينشأ على اللواط قل أن يوفق للتوبة إلا أن يشاء الله، لأنه يبقى عنده أثر لهذه الجريمة ولهذه الفاحشة، فقد ينشأ ويكبر على هذه الجريمة وهذه الفاحشة إلا من رحم الله عز وجل. قال: ولا يوفق لعلم نافع ولا لعمل صالح، فإنه لا يزال مفعولًا به حتى يصير رجلًا، لا زال يشتهي ذلك، ولا زال يبحث عن ذلك، حتى لو صار رجلًا. ثم يصير فاعلًا بغيره كما كان يفعل به، إلى الموت، مع ذنوب أخرى يرتكبها: إما نوع قيادة، أو شرب خمر، أو جلبها إلى غيره". عندي أو ماذا عندكم؟ أبو أنت ليس عندكم شيء. طيب يا أبا جعفر، ماذا عندك؟ ليس عندك شيء. أبو الفاروق، ماذا عندك؟ ليس عندك شيء. أبو زرعة، مثل أنا نفس الطبعة. هذا ماذا عندك؟ أو أو بلص. طيب، أو جلبها إلى غيره، أو بلص، أو غير ذلك من المعاصي التي يبتل الله بها من لا خير فيه، بل هو شر محض، فالله المستعان. وخلاصة ذلك يا إخوان: أن التوبة من مثل هذه الجريمة والفاحشة هي من الأمور التي قد وفق لها من شاء الله له التوفيق. وكثير من الناس من يبتلى بها لا يستطيع أن يتخلص منها، ويحرم خيرًا كثيرًا، وعلمًا نافعًا، وعملًا صالحًا بسبب هذه الفاحشة وهذه الجريمة. قال رحمه الله تعالى: "قال: والتحقيق في المسألة، وعبارة التحقيق: أي أن ابن القيم نظر في القولين وأدلتهما، وهنا سيرجح. قال: والتحقيق في المسألة..." وهذه عبارة تكثر عند علماء الأصول. لاحظ: الشنقيطي رحمه الله تعالى في بعض كتبه كـ "أضواء البيان" وهو تفسيره لآيات القرآن، وهكذا في غيرها كالمذكرة في أصول الفقه وغيرها، تجدهم يكثر من هذه العبارة. قال: "والتحقيق في المسألة أن يقال: إن تاب المبتلى بهذا البلاء، وأناب، ورزقه الله توبة نصوحًا وعملًا صالحًا، وكان في كبره خيرًا منه في صغره، وبدلت سيئاته حسنات، وغُسل عار ذلك عنه، أي: عار هذه الجريمة وهذه الفضيحة الكبيرة. قال: وغُسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات، وغض بصره عن المحارم، وحفظ فرجه عن الفواحش، وصدق الله في معاملته. قال: فهذا مغفور له، وهو مغفور له، وهو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى. فإن الله يغفر الذنوب جميعًا. وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب، حتى الشرك بالله، وقتل أنبيائه وأوليائه، والسحر، والكفر، وغير ذلك، فكيف تقصر عن محو هذا الذنب؟ وكيف لا تجبه جَبًّا وتقطع أثره إذا عمل فاعله ما تقدم ذكره من الحسنات الماحيات؟ وهذا يا إخوان من الأمور المهمة جدًا أن نستشعر سعة رحمة الله عز وجل وعظيم فضله سبحانه. ربنا تبارك وتعالى يا إخوان يحب التوابين: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾. الله عز وجل يفرح بتوبة التائبين كما في حديث أنس: «لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته وقد أضلها بأرض فلاة، أضل الراحلة، وعلى الراحلة الطعام والشراب والزاد، أضلها، فيأس منها، فاضطجع تحت شجرة... ماذا ينتظر؟ متجعًا تحت شجرة، يا أبا العباس ماذا ينتظر؟ ينتظر ماذا؟ لا ماء ولا طعام، شمس حامية، وصحرى قاحلة، ماذا ينتظر تحت شجرة؟ ماذا ينتظر إذا ما في ماء ولا طعام؟ ماذا سيقع له العطش؟ وإذا عطش سبع... ما في ماء. عد في أمل... سبع... ما في ماء. عشر أيام ما في أكل، ماذا سيحصل له؟ الموت». إذن هو ينتظر الموت. أحسنت. قال: «فبينا هو كذلك» لاحظ: دائمًا يتخيل ملائكة الموت تنزل، ويتوقع في أي لحظة أن يخرج من هذه الدنيا. «فبينا هو كذلك إذا براحلته واقفة أمامه، فقام وأخذ بخطامها» أي: لئلا تهرب مرة أخرى. «ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك». والصواب ماذا؟ ما هو الصواب يا أبا حنيفة؟ ما هو الصواب؟ ما هو الصواب؟ أنت معنا قلبًا وقالبًا؟ نعم تفضل. ما هو الصواب؟ قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». والصواب ماذا؟ نعم: «اللهم أنت ربي وأنا عبدك». قال: أخطأ من شدة الفرح. أخطأ من شدة الفرح. فهنا دلالة على أن الله يفرح بتوبة التائبين. ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾. فاحشة اللواط كغيرها تدخل في قوله "جميعًا": ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾. وإذا كان الله خاطب من ادعى أن مع الله إلهًا آخر، ادعوا أن عيسى هو الله، وادعوا أن عيسى ثالث ثلاثة، الله، عيسى، روح القدس، قتلوا أنبياء، وآذوا أولياء، وكذبوا رسلًا، فعلوا جرائم، ومع هذا ناداهم الله عز وجل بقوله: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ﴾. فعرض عليهم التوبة، ومعنى ذلك أنهم لو تابوا لتاب الله عليهم. هذا مما يدل على أن من تاب وحسنت توبته من فاحشة اللواط، فإن الله عز وجل يتوب عليه ويغفر له ويتجاوز عنه، بل ويبدل السيئات إلى حسنات. وث