أصول وركائز تتعلق بتربية الأولاد 8

أصول وركائز تتعلق بتربية الأولاد 8

الدرس في أصول وركائز تتعلق بتربية الأولاد 8، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أثر قدوة الوالدين في تربية الأبناء: المحاكاة الفطرية

الأطفال بالفطرة يقلدون من يعجبون بهم، وأقرب من يتأثرون بهما الوالدان، لذا يجب أن يكونا قدوة صالحة في الصلاة والسلوك؛ لأن صلاح الوالدين ينعكس مباشرة على صلاح الأبناء، كما يدل عليه قول مالك بن دينار: "هو كبيرهم ومنه يتعلمون".

خطر التناقض بين القول والعمل في الدعوة والنصح

النفوس تنفر من كلام من لا يعمل بعلمه، ويستشهد المقطع بآيات قرآنية وحديث نبوي يصور عقاب من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويرتكبه، موضحاً أن هذا التناقض سبب رئيس في عدم استجابة الناس للنصح وابتعادهم عن الخير.

أثر القدوة الصالحة في تربية الأبناء: القصة القرآنية والتحذير

صلاح الآباء والأمهات وكونهم قدوة حسنة هو أساس لتربية الأبناء، مستشهداً بقصة الغلامين في سورة الكهف حيث حفظ الله كنزهما بصلاح والدهما، ويحذر من تناقض الأقوال والأفعال كالكذب والتدخين أمام الأطفال لأن الأبناء يقلدون ما يرون لا ما يُقال لهم.

الدعاء الختامي والشكر

يختتم المتحدث بدعاء الله أن يعين على تربية الأبناء، وأن يصلح الذرية ويمنح قرة عين، ويجعلهم أئمة للمتقين، ثم يصلي على النبي محمد ويحمد الله ويشكر الحضور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال مع أصل عظيم، وقاعدة من قواعد التربية، وركيزة من الركائز التي تقوم عليها تربية الأبناء، ألا وهو القدوة. وكما سبق أن الأطفال عندهم غريزة، هذه الغريزة هي غريزة التقليد والمحاكاة لمن يرون الإعجاب به والتأثر به، سواء كان في باب الخير أو كان في باب الشر. ولهذا كما سبق تجدهم إذا شاهدوا فيلماً أو مسلسلاً أو حلقاً من حلقات أفلام الكرتون أو غيرها يخرج مباشرة ويطبق هذه الحركات وهذه الأشياء. وأقرب من يتأثرون به هما الوالدان، هما الوالدان. فلهذا يجب على الوالد والوالدة أن يكونا قدوة حسنة. آخر ما ذكرنا في الدرس الماضي ما رواه الإمام أبو نعيم في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: رأى مالك بن دينار رجلاً يسيء في صلاته، فقال: «إني» أو قال: «ما أرحمني بعياله». فتعجب الناس، قال: «رجل يسيء في الصلاة وأنت تقول: آه ماذا وأنت ترحم عياله؟» فقال كلمة عظيمة يا إخوان: «هو كبيرهم ومنه يتعلمون، ومنه يتعلمون». ولهذا تلاحظون يا إخوان أن الواحد منا إذا قام يصلي في البيت، قام يصلي في البيت، فسرعان ما يأتي الأبناء ويصفون عن يمينه أو عن شماله. فحين أن ترفع يرفعون، وإذا ركعت يركعون، وإذا اعتدلت يعتدلون. حتى لو مسحت عينك في الصلاة ماذا يفعلون؟ يمسحون عينهم في الصلاة. وهذا مجرب يا إخوان، ما أسرع وما أكثر تأثر الأبناء بهؤلاء الآباء. ولهذا يا إخوان، كما سبق، الواجب، الواجب أن يكون الأب، وهكذا الأم، من أهل الصلاة. لأن كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. فصلاح الوالدين له أبلغ الأثر في صلاح الأبناء، في صلاح الأبناء. ولهذا يا إخوان يحرص، لا سيما الأب، أن يكون قدوة حسنة لأبنائه فيما يأمر أو فيما ينهى. إذا أمرهم بشيء ينبغي أن يمتثل لهذا الأمر قبلهم، وإذا نهاهم عن شيء فإنه ينتهي وينزجر ويبتعد عنه قبلهم. فالنفوس يا إخوان كما قيل مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه، ومن لا ينتفع بعلمه. النفوس مجبولة على ذلك. ولأجل هذا يا إخوان، لأجل هذه النفرة، قال شعيب عليه الصلاة والسلام، قال الله عنه أنه قال لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وربنا عز وجل يقول في حق اليهود: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. جاء في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُعْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ: فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ - الأمعاء وما حولها تخرج خارج - قَالَ: فَيَدُورُ حَوْلَهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ حَوْلَ الرَّحَا». فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: «يا فلان، أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟» يعني: أنت كنت أحسن واحد فينا، أنت لربما كنت الإمام، أنت لربما كنت الخطيب والواعظ والمدرس. هذا ليس مكانك، ما الذي جاء بك؟ يعني: نحن دخلنا النار عندنا ذنوب، عندنا أخطاء يعرفها الجميع، لكن أنت ما الذي جاء بك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: «بلى، كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». وهذا يا إخوان من الأمور التي، التي تجعل الناس تنفر عن قبول، ماذا؟ العلم أو الخير عند الإنسان، وعدم الاستجابة لنصائحه إذا كان هو لا يعمل بما يقول وبما ينصح. وقد أحسن من قال: «يا أيها الرجل المعلم غيره ... هل لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الظنى ... ومن الظنى تمسي وأنت سقيم لا تنهى عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإن انتهت فأنت أو نعم فإذا انتهت عنه فأنت حكيم ... هناك يقبل ما تقول ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم بالقول منك وينفع التعليم». وهكذا أيضاً قيل: «مواعظ الواعظ لن تقبل حتى يعيها قلبه أولاً». «يا قومي من أظل من واعظ ... خالف ما قد قاله في الملأ أظهر بين الخلائق إحسانه ... وخالف الرحمن لما خل». ولهذا قال بعض السلف: «لا تكن في الظاهر ولياً لله وفي الباطن عدواً لله». فإذا يا إخوان، استشعار موضوع القدوة هذا يعتبر من الأمور المهمة جداً، وله أثر كبير على ماذا؟ على صلاح هؤلاء الأبناء. وربنا تبارك وتعالى ذكر في سورة الكهف في قصة موسى مع الخضر: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾. فبسبب صلاح الآباء يحفظ الله عز وجل الأبناء. إذن يا إخوان، ينبغي أن نستشعر دور القدوة. تأمر أولادك بالصلاة وأنت تتخلف، أو أنك تأمرهم بأصدق لكنهم يسمعونك تكذب، يسمعونك تكذب. يأتي واحد ينادي في البيت: يا فلان، الأب يقول لأولاده: «قولوا له: أنا غير موجود». قولوا له: «أنا غير موجود». كيف غير موجود وأنت حي ترزق وفي البيت موجود؟ هذا يا إخوان درس في الكذب، درس في الكذب. وهكذا قل في غيرها. أب يخزن أمام أولاده، يدخن. أب يعمل تنباك أمام أولاده. الأولاد ينظرون إليه بمنظار القدوة ويحاول أن يحاكوا هذه الأفعال ويتقمصوا هذه الشخصية. وهكذا يا إخوان أيضاً بالنسبة للأمهات. الأم كم لها من أثر على بناتها! إذا رأى البنات الأم تحتشم وتحرص على الحجاب، ما تخرج إلا بالجلباب والخمار والقفاز والشراب، هنا البنات يستحيل أن يخرجن بدون ذلك. وهكذا في غيرها من المجالات الأخرى. إذن يا إخوان، هذا من الأصول العظيمة التي ينبغي أن نهتم بها في موضوع التربية. أسأل المولى عز وجل أن يعيننا جميعاً على تربية أبنائنا، وأن يصلح أبناءنا وأبناء المسلمين، وأن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وأن يجعلنا للمتقين إماماً. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً، شكراً.