التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 1

التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 1

الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة وترجمة الإمام الترمذي

يتناول المقطع التعريف بكتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي، مبينًا مكانته العلمية ونسبه ورحلاته في طلب العلم وأبرز شيوخه ومؤلفاته. كما يرد على من طعن فيه كابن حزم ويثني العلماء عليه.

تعريف كتاب الشمائل وأهمية معرفة الشمائل

يستهل المقطع بثناء الذهبي على جامع الترمذي مع تنبيهه على وجود أحاديث واهية، ثم يذكر وفاة الترمذي سنة ٢٧٩هـ. ينتقل لتعريف كتاب الشمائل المحمدية موضحًا أن الشمائل تشمل الصفات الخَلقية والخُلقية وضرورتها للإيمان ومحبة النبي ﷺ واتباعه.

الصفات الخلقية ومدة البعثة والحياة

يستعرض المقطع وصف أنس بن مالك للنبي ﷺ من حيث القامة المعتدلة واللون الأبيض المشوب بحمرة والشعر غير الجعد ولا السبط. ويوضح مراحل عمره: أربعين سنة قبل البعثة، وثلاث عشرة سنة بمكة، وعشر سنين بالمدينة، وتوفي عن ثلاث وستين سنة.

حسن جسم النبي وتناسق أعضائه

يصف المقطع جسم النبي محمد ﷺ بأنه معتدل ومتناسق الأعضاء، وشعره أسمر اللون ليس بجعد ولا سبط، ويذكر مشيته المتكئة. ويختتم بالدعاء بالنفع والعلم النافع والعمل الصالح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا وشفيعنا وقدوتنا رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن والاه. أما بعد، فهذا هو المجلس الأول من هذه المجالس العلمية التي نتذاكر فيها هذا الكتاب القيم، وهذه الرسالة النافعة، ألا وهي «الشمائل المحمدية»، وهي للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله تعالى. وكتاب الشمائل للإمام الترمذي رحمه الله تعالى يعتبر كتابًا قيمًا ونفيسًا، فهو من أجمع ومن أحسن ما ألف في هذا الباب. وفي هذا الباب مقدمة فيها ترجمة مختصرة للمصنف رحمه الله تعالى، ألا وهو الإمام الحافظ الفقيه أبو عيسى، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الترمذي. وترمذي يا إخوان: نسبة إلى بلاد ترمذ، وترمذ هذه مدينة نشأ فيها الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى. وترمذ هذه ذكروا أنها تقع على الضفة الشمالية لنهر جيحون، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سيحون وجيحون والفرات والنيل من أنهار الجنة، من أنهار الجنة». وُلد الإمام الترمذي رحمه الله تعالى سنة مئتين وعشرة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ببلده ترمذ، وإليها ينسب فيقال: الترمذي، وهي من بلاد العجم، اليوم تقع تقريبًا في شمال إيران. وكان الترمذي رحمه الله تعالى ضريرًا، ومعنى ضريرًا: أي أنه كان أعمى. والصحيح في الترمذي أنه كان مبصرًا ثم عمي بعد ذلك، بعد رحلته المشهورة في طلب العلم وجمع الأحاديث وكتابته للعلم، عمي رحمه الله تعالى، كما نص على هذا غير واحد من أهل العلم، منهم الإمام الذهبي رحمه الله تعالى. الترمذي رحمه الله تعالى كان محبًا للعلم، وهكذا كان محبًا للرحلة في طلب العلم، وهكذا كان محبًا لمجالسة العلماء. ولهذا ذكروا عنه أنه جاب البلاد، وقاف في الأمصار، وجالس العلماء، وكان ينهل من علومهم المتنوعة. ومما وفق فيه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى أنه تتلمذ وتفقها في الحديث على إمام المحدثين، ألا وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، وقد أخذ عن البخاري علمًا جمًا، وهذا الذي تجده في السنن يروي عن الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وهكذا ينقل أقوال البخاري في الجرح والتعديل، وهكذا في غيرها من العلوم. سمع كذلك أيضًا الترمذي من الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى، غير أنه لم يروي عن الإمام مسلم إلا حديثًا واحدًا. أيضًا سمع الترمذي من الإمام أبي داود السجستاني صاحب السنن، وروى عنه في خمس أو في خمسة مواطن من كتابه الجامع. والترمذي رحمه الله تعالى ممن عرف بالرحلة في طلب الحديث وأخذ العلم عن العلماء، سواء بالحرمين أو كان بالعراق وخراسان وغيرها. ومؤلفات الترمذي رحمه الله تعالى مؤلفات نافعة، ومن أعظمها: الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، الجامع الكبير. وهكذا من مؤلفاته هذا الكتاب الذي بين أيدينا، ألا وهو الشمائل المحمدية. وهكذا أيضًا للترمذي من الكتب النافعة: العلل الكبير، وله كذلك أيضًا العلل الصغير. فله العلل الكبير وهو المراد عند إطلاق العلل للترمذي، هو المراد عند إطلاق كتاب العلل للترمذي، المراد به: العلل الكبير. وفيه يسوق الأحاديث رحمه الله تعالى بسنده ثم يتكلم على عللها، وقد اعتمد في هذا الكتاب كثيرًا على علم البخاري رحمه الله تعالى. وقد أثنى عليه العلماء، وكان محل ثقة أهل العلم. العلل الصغير: هذا كتاب جعله ملحقًا بآخر كتابه الجامع، الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، وهو يعتبر تابعًا للجامع، وقد طبع مع شرحه لابن رجب، هذا الذي شرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في شرح العلل، أي شرح علل الترمذي الصغير. وأثنى العلماء على الترمذي ثناء عطرًا، ومن ذلك ما ذكره الإمام أبو يعلى الخليلي رحمه الله تعالى، فقال في الترمذي: قال فيه: محمد بن عيسى بن سورة بن شداد، الحافظ متفق عليه، متفق عليه، له كتاب في السنن وكتاب في الجرح والتعديل، روى عنه أبو محبوب والأجلاء، قال: وهو مشهور بالأمانة والإمامة والعلم. وهكذا ممن أثنى على الترمذي: أثنى عليه الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى، فكان يقول عن الترمذي: قال: كان الترمذي إمامًا حافظًا، له تصانيف حسنة، له تصانيف يعني مؤلفات حسنة، منها الجامع الكبير وهو أحسن الكتب، أي الكتب التي كتبها الترمذي رحمه الله تعالى. وهكذا أثنى الإمام الذهبي على الحافظ الترمذي رحمه الله تعالى، فقال فيه: الحافظ العالم صاحب الجامع، ثقة مجمع عليه، ثقة مجمع عليه، وكم هو ثناء العلماء عليه ثناء عطر. وذكر السمعاني رحمه الله تعالى عن الترمذي، قال فيه: إمام عصره بلا مدافعة، بلا مدافعة. وهكذا أثنى عليه الإمام ابن العماد الحنبلي، فقال في الحافظ الترمذي: قال: كان مبرزًا، كان مبرزًا على الأقران، آية في الحفظ والإتقان، قال: كان مبرزًا على الأقران، أي على أمثاله، كان مبرزًا وآية في الحفظ والإتقان. تكلم فيه أبو محمد بن حزم، تكلم في الترمذي أبو محمد بن حزم، فقال في كتابه «المحلى بالآثار»: أي قال ابن حزم في الترمذي: قال: ومن محمد بن عيسى بن سورة، يقول: ومن محمد بن عيسى بن سورة. وهذا يا إخوان لم يضر الترمذي، وإنما ضر ابن حزم، وإنما ضر ابن حزم، فالترمذي معروف وإمام مشهور كما سبق، مجمع عليه، مجمع عليه. وجامع الترمذي ذكروا أنه لم يدخل بلاد الأندلس إلا بعد وفاة ابن حزم، وإلا لو رآه ابن حزم لأعجب به، ولا أقر بإمامة الترمذي، ولا أقر بإمامة الترمذي. فالترمذي إمام، ولم يضره ما ذكره ابن حزم. ولهذا ابن كثير رحمه الله تعالى في كتابه «البداية والنهاية» ذكر عبارة ابن حزم، وأنه قال في كتابه «المحلى»: ومن محمد بن عيسى بن سورة، فقال: قال: فإن جهالته لا تضع من قدره عند أهل العلم، بل وضعت من منزلة ابن حزم عند الحفاظ. هكذا ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى. وعيب على الترمذي التساهل في تصحيح بعض الأحاديث وتحسينها، وهي لربما قد تكون ضعيفة، بل بعضها قد يكون موضوعًا. ولهذا ذكر الإمام شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه «سير أعلام النبلاء» حين أن ترجم للإمام الترمذي، قال: وفي الجامع، أي جامع الترمذي، قال: علم نافع وفوائد غزيرة ورؤوس المسائل، قال: وهو أحد أصول الإسلام، وهو أي جامع الترمذي أحد أصول الإسلام، قال: لولا، لولا ما كدره بأحاديث واهية، واهية، وبعضها موضوع، وكثير منها في الفوائد. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. توفي، توفي الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى ببلاده ترمذ، ببلاده ترمذ، وذلكم في الثالث عشر من شهر رجب سنة مئتين وتسع وسبعين من الهجرة، من الهجرة، عن عمر، عن عمر هو عبارة عن تسع وستين سنة عاشها الإمام الترمذي رحمه الله تعالى. هذا الكتاب كما سمعتم هو كتاب الشمائل المحمدية، الشمائل المحمدية. والشمائل: الشمائل جمع شميلة، والشميلة لها معانٍ كثيرة، والمراد به هنا: الطبع، والخلق، والسجية. والشمائل التي يكون عليها الإنسان: هن الشمائل جمع شميلة، والشميلة لها معانٍ كثيرة، والمراد به هنا هو الطبع والخلق، وهكذا السجية التي يكون عليها الإنسان. وهذه الشمائل يا إخوان تناولت الخلق والخُلق، فهي شمائل خَلْقية، وهكذا شمائل خُلُقية. فالشمائل الخَلْقية هي عبارة عن صورة الإنسان، صورة الإنسان الظاهرة، كبياضه، وهكذا طوله وشعره، وغيرها من الصفات الظاهرة. وأما الشمائل الخُلُقية فالمقصود بها الصورة الباطنة التي يكون عليها الإنسان، كالرحمة والحلم والصبر والعلم، وغيرها من هذه الأوصاف الباطنة. وأهمية تعلم ومعرفة هذه الشمائل: أهمية تعلم ومعرفة هذه الشمائل أننا لا نستطيع أن نتعرف على الله عز وجل، وأن نعمل بشرعه سبحانه وتعالى، إلا إذا تعرفنا على شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، على هديه وسنته. وهكذا من خلال محبتنا له عليه الصلاة والسلام. ولاحظوا يا إخوان أن من حق النبي صلى الله عليه وسلم علينا، من حقه علينا أن نؤمن به، وأن نتبعه، وأن نصدقه. وهكذا أيضًا أننا نحبه المحبة الشرعية. فمن محبتنا له عليه الصلاة والسلام نتذاكر هذه الشمائل، ونتذاكر هذه الأوصاف التي أثنى ربنا تبارك وتعالى عليه بها، عليه بها. وحبه عليه الصلاة والسلام يعتبر من أصل الإيمان، من أصل الإيمان. ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أنس: قال عليه الصلاة والسلام: «حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وجاء في حديث أبي هريرة في البخاري وغيره: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده»، وهذا قسم، قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده». عمر، وما أدراك ما عمر، كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، قال: وكفي في كفه، فقال عمر رضي الله عنه: قال: يا رسول الله، إنك لأحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يا عمر، لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال عمر: إنك يا رسول الله الآن أحب إليّ من كل شيء. قال: «حتى من نفسي». فقال عليه الصلاة والسلام: «الآن يا عمر». قال العلماء من شراحي البخاري وغيره: قالوا: أي الآن، كم لا إيمانك؟ الآن كم لا إيمانك؟ متى؟ حين أصبح محبة النبي صلى الله عليه وسلم مقدمًا على جميع المخلوقين، حتى على نفسك، حتى على نفسك. وجاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «إن»، قال: «من أشد أمتي لي حبًا ناس يكونون بعدي»، يقول: عليه الصلاة والسلام: «من أشد أمتي لي حبًا، وناس يأتون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله». لاحظوا عظيم هذه المحبة، يعني مستعد مقابل أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم لو يفتدي بأهله وماله، يقدم أهله وماله ويضحي بهم من أجل أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم. أي حب هذا يا إخوان؟ حب عظيم جدًا. أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم منهم. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: قال: بسم الله الرحمن الرحيم. قال: باب ما جاء في خَلْق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما جاء في خَلْق. لاحظوا يا إخوان: نحن مر معنا أن الشمائل منها خَلْقية، وهي الأوصاف الظاهرة كاللون والطول والشعر والوجه وإلى غيرها، وهناك شمائل خُلُقية، وهي الصفات الباطنة من العلم والرحمة والتواضع والحلم والشجاعة والكرم وغيرها من شمائله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهنا الترمذي عقد أول هذه الأبواب، وصاغ أول هذه التراجم لبيان ما يتعلق بصفات النبي صلى الله عليه وسلم الخَلْقية، كما سترى وتسمع من حيث الطول، وهكذا اللون، وهكذا الشعر، وغير ذلك. أما الصفات الخُلُقية فسيأتي ذكرها. ومما ينبغي أن يعلم يا إخوان أن الله تبارك وتعالى قد أكرم نبينا صلى الله عليه وسلم بأكملي وأجملي الصفات الخَلْقية، وهكذا أجمل وأفضل الصفات الخُلُقية. ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» وهو يتحدث عن آيات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، قال رحمه الله تعالى: قال: وكان خَلْقه، وكان خَلْقه صلى الله عليه وسلم وصورته من أكمل الصور وأتمها وأجملها للمحاسن، أدى التي على كماله، على كماله. وهذا الذي تجده في وصف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، لأن نبي صلى الله عليه وسلم يصفه أحدهم فيقول: بكل أدب واحترام وإجلال، يقول: ما رأيت أحدًا أحسن منه، ما رأيت أحدًا أحسن منه. وآخر يقول: لم أرَ قبله ولا بعده أحسن منه، أحسن منه. فإذا أكرمه الله عز وجل بحسن الخَلْق كما أكرمه بحسن الخُلُق، بحسن الخُلُق. قال رحمه الله تعالى: قال: باب ما جاء في خَلْق رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأصل في الباب يا إخوان: الأصل في الباب أنه يطلق على ما يدخل أو يخرج منه، ما يدخل أو يخرج منه. وهنا شبه الدخول إلى مذاكرة أحاديث حول خَلْق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدخول في الأماكن المحسوسة، فأثبت له الباب. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، وهو الصحابي الجليل خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أنه سمعه، أنه سمعه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط. بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، على رأس أربعين سنة. قال: فأقام بمكة عشر سنين. هكذا في بعض الروايات في الصحيحين، وإقامته عليه الصلاة والسلام بعد البعثة هي ثلاثة عشر سنة، لكن قيل هنا عشر سنين، هذا أسلوب من أساليب العرب أنهم يحذفون الكسر الزائد على العشرة، فهي ثلاثة عشر، فيقولون: عشر سنين. قال: وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة. لاحظوا: أربعين سنة قبل البعثة، وثلاثة عشر بعد أن بعثه الله وهو بمكة، وعشر سنين بالمدينة، المجموع يا حذيفة: ثلاثة وستون سنة. وقال هنا: وتوفاه الله على رأس ستين سنة. كما سبق قلنا: هذا أسلوب عربي يحذفون الكسر الزائد على العشرة، وإلا فقد جاء في بعض الروايات: على رأس ثلاث وستين سنة، جاء في بعض الروايات. قال: وليس في رأسه، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، عشرون شعرة بيضاء. والحديث أخرجه البخاري ومسلم. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا حميد بن مسعدة البصري، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة، ليس بالطويل ولا بالقصير، حسن الجسم، وكان شعره ليس بجعد ولا سبط، أسمر اللون. وقوله: أسمر اللون، كما سيأتي معنا في لونه أنه كان أبيض، لكن ليس أبيض خالصًا، وإنما بياضه مشوب، أي مخلوط بحمرة، وهذا يطلق عليه بعضهم بالأسمر. وبعض أهل العلم يقول: أن لفظة أسمر ليست ثابتة، وإنما الثابتة هي لفظة أزهر، أزهر اللون. فقالوا: تصحفت على بعضهم: أزهر اللون، والأزهر هو الأبيض الذي بياضه مخلوط بشيء من الحمرة. وهكذا كان لونه صلى الله عليه وسلم. قال: إذا مشى يتكفأ، يتكفأ. وهذا الحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في صحيح الترمذي، كما في صحيح الترمذي. واحظوا أيها الأحبة في الله كيف وصف أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم. والشيء بالشيء يذكر يا إخوان: كثير من الصحابة مع كثرة مجالستهم ومخالطتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم كانوا من إجلالهم، ومن محبتهم، ومن محبتهم واحترامهم، كانوا لا يحدقون النظر فيه حياء، حتى أن بعضهم كان يقول: لو سئلت أن أصف النبي صلى الله عليه وسلم، أي وصفًا دقيقًا، لما فعل ذلك، لما حصل له ذلك. وماذا هذا؟ إن دل على شيء دل على حب احترام وإجلال لدى الصحابة رضي الله تعالى عنهم تجاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير. لاحظوا يصف طوله عليه الصلاة والسلام، يقول: ليس بالطويل البائن، ومعنى البائن: أي الظاهر المفرط الطول. لا، فهل كان قصيرًا؟ الجواب: لا. إذن كيف كان؟ كان طويلًا لكن طوله كان معتدلًا، طوله كان معتدلًا. وهذا يا إخوان من أجمل ما يكون عليه الإنسان: طويل وطوله معتدلًا. كذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم. قوله: ولا بالأبيض الأمهق، الأمهق يا إخوان: أي ليس شديد البياض، ليس شديد البياض، وإنما كان أبيض، لكن بياضه كان كما سبق مشوبًا ومخلوطًا بشيء من الحمرة، بشيء من الحمرة. وهنا يقول: ولا بالآدم، الآدم: أي الأسمر، أي الأسمر. فليس عليه الصلاة والسلام لم يكن عليه الصلاة والسلام شديد السمرة. والعرب يا إخوان قد تطلق، قد تطلق على من به حمرة يطلقون عليه لفظة السمرة، يقولون: فلان أسمر. هل هو أسود؟ الجواب: لا، وإنما بياضه مخلوطًا ومشوبًا بحمرة. وبهذا وجه من وجه من أهل العلم رواية أنه كان أسمر، ليس أسود، وإنما بياضه مخلوطًا بحمرة. قال: ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط. وهنا في وصف شعره صلى الله عليه وعلى آله وسلم يذكر أن شعره عليه الصلاة والسلام ليس بالجعد، ليس بالجعد. والجعد يا إخوان: الجعد من الجعودة، والجعودة هي التواء الشعر، شعر خشن، آه، كثير الالتواء، وهو ضد السبط. فهل كان شعره سبطًا يعني مسترسلًا ناعمًا كشعر الإفرنج؟ الجواب: لا. قال: قال: ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط، ولا بالسبط. وإنما كان شعره متوسطًا، ليس أملس ناعمًا متساقطًا، وليس جعدًا خشنا ملتويا، وإنما كان شعره عليه الصلاة والسلام كان بين ذلك. قال: بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة. وسن الأربعين يا إخوان: هو سن اكتمال العقل في الغالب، سن الرزانة. حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي، الآية. وخيل في الأربعين تبعث الرسل، تبعث الرسل. وكان عليها الصلاة والسلام لما بلغ أربعين سنة حبب إليه الخلاء. قال الزهري: أي التحنث، التعبد الليالي ذوات العدد، يعني في غار حراء يجلس أيامًا ليالي، ثم يرجع إلى زوجته خديجة فيتزود لمثلها، ويرجع إلى غار حراء، حتى كان في رمضان جاءه الحق، ونزل عليه الوحي، جاءه جبريل، وكان قصته المشهورة معه، ونزول الآيات الأولى من سورة العلق. قال: فأقام بمكة عشر سنين. قلنا: جاء في بعض الروايات ثلاثة عشر سنة، وهي الأطبط، ورواية العشر هي من باب حذف الكسر الزائد على العشرة. قال: قال: وبالمدينة، أي بعد أن هاجر إليها من مكة، عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة. وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. كان عليه الصلاة والسلام ذا شعر كثيف، وكانت لحيته كذلكم أيضًا كثيفة، وكانوا يعرفون قراءته في الصلاة السرية بالطراب لحيته، بالطراب لحيته. ومع هذا لم يكن في شعر رأسه ولا لحيته عشرون شعرة بيضاء، عشرون شعرة بيضاء. والحديث الآخر حديث أنس هو بمعنى هذا الحديث. فقوله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة. الربعة يا إخوان: من الرجال المتوسط الذي ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وإنما طوله معتدلًا. قال: ليس بالطويل ولا بالقصير، حسن الجسم. ومعنى حسن الجسم: أي أن جسمه معتدل، معتدل، فأعضاؤه متناسقة، رأسه مع يديه وصدره وبطنه ورجليه كانت أعضاء متناسقة، فجسمه صلى الله عليه وسلم كان حسنًا وأعضاؤه كانت متناسقة. قال: وكان شعره ليس بجعد ولا سبط، أسمر اللون، إذا مشى يتكفأ. كما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل في أحاديث الباب. أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا جميعًا بما نقول أو نسمع، وأن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا.