شرح قرة عيون الموحدين 58

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 58، ألقاها

علاقة علم النجوم بالسحر وتحريم تعلمه

يناقش علاقة علم النجوم بالسحر واستدلال الشيخ عبد الرحمن بن حسن على تحريم تعلم النجوم. يبين أن اعتقاد تأثير النجوم في الحوادث الأرضية باطل.

شرح الأحاديث النبوية المتعلقة بالسحر والنفث في العقد

يشرح حديثا ضعيفا عن النبي صلى الله عليه وسلم يتعلق بالسحر والنفث في العقد. يبين معنى النفث في العقد وعلاقته بالسحر والشرك.

خطورة النميمة وسحر الكلام وبيان آراء العلماء

يتناول خطورة النميمة وتصنيفها ككبيرة من الكبائر. يفسر الحديث النبوي 'إن من البيان لسحرا' ويبين آراء العلماء حوله.

فضل الرسل وأتباعهم ومكانتهم

يتحدث عن مكانة الرسل وأتباعهم وعلو مراتبهم في الفضائل. يشير إلى أن الأدلة تتجه وتجتمع عند نقطة معينة.

  • 30 جمادى الأولى 1434هـ - 10/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله في كتابه «قرة عيون الموحدين حاشية كتاب التوحيد» في كلامه على قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «التوحيد» باب «بيان شيء من أنواع السحر»، وقد أخذنا منه شيئا في الدرس الماضي وتوقفنا عند قوله. قوله: «وعن بن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر" زاد ما زاد». رواه أبو داود بإسناد صحيح، وكذا صححه النووي والذهبي، ورواه أحمد بن ماجه، وهو كما قال، أي أن الحديث صحيح، وكذا صححه من المعاصرين العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة»، وكذا شيخنا العلامة الوادعي في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». قوله: «من اقتبس» قال أبو السعادات، وهو ابن الأثير في كتابه «غريب الحديث»: «قال أبو السعادات: قبست العلم واقتبست إذا علمته» انتهى. والذي في «النهاية» بالأثير بلفظ: «قبست العلم واقتبسته إذا تعلمته»، أي أن معنى «اقتبس» تعلم. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس شعبة من النجوم»، أي من تعلم شعبة من النجوم. قوله: «شعبة» أي طائفة من علم النجوم، والشعبة الطائفة، ومنه الحديث: «الحياء شعبة من الإيمان»، أي جزء منه وطائفة منه. قوله: «فقد اقتبس شعبة من السحر»، أي المحرم تعلمه. قال شيخ الإسلام: «فقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن علم النجوم من السحر». وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. ومقصودهم، رحمه الله تعالى -أي قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن علم النجوم من السحر»- المراد بقوله «علم النجوم» أي التنجيم، المراد به التنجيم الذي منه علم التأثير، وهو جعل الكواكب والنجوم في حركاتها وسكناتها واختراقها واجتماعها، وكذلك طلوعها وغروبها، مؤثرة في الحوادث الأرضية، أنها مؤثرة في الحوادث الأرضية بذاتها، أو أنها دالة على ما سيحدث في الأرض، كذلك باعتبارها هي المؤثرة في ذلك، فيجعلونها دالة على علم الغيب وعلم المغيب. وقد مر معنا الفرق بينهما. وهذا القادر -أي كونهم يعتقدون أنها لها تأثير أو علامات ودلالات في معرفة الغيب الذي لا يعلمه إلا الله أو معرفة المغيب- هذا بحد ذاته نوع من السحر؛ لأنه يشترك مع السحر في كونه خفي ولطف سببه، ولأنه جعل للتأثير في أمر خفي. وأيضا لما فيه من معنى تعظيم الكواكب والاعتقاد فيها كما يعتقده هؤلاء السحرة. ومنه نعلم وجه ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الحديث تحت هذا الباب، أي تحت باب «بيان شيء من أنواع السحر»، فعلم التنجيم نوع من أنواع علم السحر، وتعلمه تعلم لنوع من أنواع السحر، كما هو نص هذا الحديث. قوله: «زاد ما زاد»، أي كلما زاد من تعلم علم النجوم زاد في السحر، وفي الإثم الحاصل بزيادة الاقتباس من شعبه. فإن ما يعتقدونه في النجوم من التأثير باطل؛ فإنه ما يعتقدونه في النجوم من التأثير باطل، أي في تأثيرها -زعموا- على الحوادث الأرضية. فإن شيئا لا يكون في الأرض بل في الكون إلا بإذن الله جل وعلا وبإرادة الله جل وعلا، لا دخل للكواكب ولا لغيرها من المخلوقات في شيء من ذلك، بل الأمر كله لله جل وعلا. وقوله رحمه الله تعالى: «فإن ما يعتقدونه في النجوم من التأثير باطل كما أن تأثير السحر باطل»، هو الله أعلم. أي في هذا إشارة من الشيخ رحمه الله تعالى إلى وجه كون التنجيم كذلك من السحر ومشاركته للسحر، وذلك كما سمعتم أن المنجم يعتقد في الكواكب أن لها تأثيرا على الحوادث الأرضية، وهذا باطل؛ إذ لا يكون شيء في الكون إلا بإذن الله جل وعلا وبإرادة الله جل وعلا، لا يخرج شيء عن قدرة الله سبحانه وتعالى. وكذلك ما يعتقده السحرة في الكواكب من التأثير كذلك هو باطل. وأيضا فيه معنى آخر، وهو أن السحرة مهما بلغ قوته وبلغ الساحر فيه من التمكن، فإنه لا يصاب به أحد إلا بإذن الله جل وعلا. ومن اعتقد أن السحرة يؤثرون بذاتهم بدون قدرة الله جل وعلا وإرادته، فقد اعتقد الباطل. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فلا يكون شيء في الكون وفي الوجود إلا بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «قوله: "وللنساء من حديث أبي هريرة: من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا ووكل إليه"». هذا الحديث بهذا اللفظ لا يصح، وفيه علتان: الأولى عباد بن ميسرة المنقري، فيه ضعف. وكذلك هو من رواية الحسن عن أبي هريرة، والحسن ابن أبي الحسن البصري عن أبي هريرة، وهو لم يسمع منه على الراجح من أقوال العلماء، فالحديث ضعيف. لكن قوله: «ومن تعلق شيئا وكل إليه»، فقد تقدم معنا في أبواب الكلام على التميمة وغيرها أنه حسن بمجموع طرقه، أنه حديث حسن بمجموع طرقه. وقوله: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك»، هذا معنى صحيح. وإن كان السند في هذا الحديث -كما سمعتم- فيه علتان. ويدل عليه ما جاء في صحيح البخاري وغيره في قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم حينما سحر، وكان الساحر الذي سحره قد عقد العقدة ونفث فيها. وأنزل الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى حينما نزل جبريل يرقي النبي صلى الله عليه وسلم ويقرأ عليه قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. فالنفث في العقد هو كذلك من السحر، وهو من الشرك بالله جل وعلا؛ وذلك لأن الساحر يستعين بالشياطين والأرواح الخبيثة لأجل أن يقع الضرر بمن أريد به السحر. قال رحمه الله تعالى: «هذا الحديث ذكره المصنف رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة وعزاه للنسائي». وقال: «وعزاه للنسائي وقد رواه النسائي مرفوعا وحسنه ابن مفلح». وقوله: «رواه النسائي مرفوعا»؛ لأن الشيخ قالها هنا: «وللنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: من عقد عقدة...»، وكأن الشيخ رحمه الله تعالى اكتفى بقوله «من حديث» إشارة إلى أن الحديث مرفوع، وإن كان ظاهره قد يتبادر إلى أنه من قول أبي هريرة، لكن قوله: «من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضى» يدل على أنه قصد بذلك أنه مما رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأرضى من حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقد تقدم أن الحديث من حيث السلسلة فيه علتان. قوله: «وللنسائي» هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن، صاحب «السنن الكبرى» و«المجتبى» وغيرهما. قوله: «صاحب السنن الكبرى»، كتابه معروف «السنن الكبرى»، وقد كان مفقودا، وبحمد الله جل وعلا طبع مؤخرا. وقوله: «والمجتبى»، كتابه «المجتبى»، وهو المعروف بالسنن الصغرى. من أهل العلم من يقول: بأن النسائي رحمه الله تعالى اختصره من «السنن الكبرى» وجرد الصحيحة فيه من «السنن الكبرى». لكن الإمام الذهبي رحمه الله تعالى يضعف هذا القول، ويقول: بأن الصواب أن «المجتبى» إنما هو من اختصار تلميذ النسائي، النسائي وهو ابن السن، بمعنى أن «المجتبى» إنما هو من تصنيف ابن السن اختصر فيه كتاب «السنن الكبرى» للنسائي. قال رحمه الله تعالى: «روى عن محمد بن المجتبى وابن بشار وقتيبة وخلق، وكان إليه المنتهى في العلم بعلل الحديث، مات سنة ثلاث وثلاثمئة، وله ثمانون سنة»، وهو معروف لمن له معرفة من نساء رحمه الله تعالى من كبار الحفاظ. قوله: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر»، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، يعني السواحر التي يفعلن ذلك. والنفث هو من الريق، وهو دون التفل. قوله: «ومن تعلق شيئا وكل إليه»، أي من علق قلبه بشيء بحيث يرجوه ويخافه، وكله الله إلى ذلك الشيء. ومن قصر تعلقه على الله وحده كفاه ووقاه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ومن تعلق قلبه بغير الله في رجاء نفع أو دفع ضر، فقد أشرك. كما مر معنا، ويكون ذلك الشرك بحسب ما قام في قلب العبد من التفاث إلى غير الله جل وعلا في جلب نفع أو في دفع ضر. قال رحمه الله تعالى: «قوله: "وعن بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنبئكم ما العضه؟ ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس" رواه مسلم». قوله: «ألا أنبئكم ما العضه؟» بفتح المهملة وسكون المعجمة، ثم فسرها بقوله: «هي النميمة القالة بين الناس». والعضه يقال: العضه -بفتح المهملة وسكون المعجمة- وهكذا هي في كتب الحديث، وفي كتب غريب اللغة، تنطق «العضه» بكسر العين وفتح الضاد. والعضة تطلق على معان، تطلق على معان منها ما ذكره، ما جاء في هذا الحديث. وتطلق ويراد بها معنى البهت، والعضه يطلق ويراد به السحر. والشيخه رحمه الله تعالى ذكره هاهنا لهذا المعنى في قوله: «ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة»، كأنه يقول: السحر الذي يسبب تفرقا وتنافرا وتباعدا بين الناس بسبب خفي ولطيف، ما هو؟ هي النميمة. قال: «وذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة». وذلك لسرعة الشر الحاصل بسبب النميمة، كما ذكر: أن يكون الحال بين الأخوين على خير واستقامة، فيأتي النمام إلى أحدهما فيقول: «قد ساءني ما قال فيك فلان من كلام»، قال فيك وقال وقال، فما يدري ذلك الإنسان إلا وقد غضب، وجعل يرد على كلام، فيذب الآخر فيقول: «ساءني ما قال عليك فلان، فقد قال عليك كذا وكذا»، وما شابه ذلك، فيحصل التنافر والتباعد والشحناء والبغض في ساعة، بخلاف السحر، ربما يتأخر. قال رحمه الله تعالى: «وقال أبو الخطاب في "عيون المسائل": ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس». قال ابن حزم: «واتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة». معنى أن الغيبة -وإن كان الأصل فيها الحرمة- إلا أنها تشرع للحاجة، ومنها النصيحة، ومنها ما دلت الأدلة على جوازها، كالتعريف والجرح والتعديل والاستشارة، وما شابه ذلك من الأمور التي يحتاج فيها الإنسان إلى البيان. قال رحمه الله تعالى: «وفيه دليل على أنها من الكبائر»، أي النميمة أنها من الكبائر؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها سحرا، سماها «العضه» أي سحرا، ففيه دلالة على أنها من الكبائر. قال رحمه الله تعالى: «وقبل هذا قد ثبت النص في ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قتات" أي نمام»، فهذا نص في الباب أن النميمة من الكبائر. قوله: «القالة بين الناس»، ومنه الحديث: «فشكت القالة بين الناس»، أي كثرة القول أو قال: أي كثرة القول وإيقاع الخصومة. «القالة بين الناس» كثرة القالة، أي حصول قال فلان وقال فلان، وكذلك الخصومة بين الناس. قوله: «ولهما عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من البيان لسحرا"». قال: «البيان الفصاحة والبلاغة»، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، أي علمه الفصاحة والإيضاح، إيضاح ما أراد من الكلام. قال ابن عبد البر: «تأوله طائفة على الذنب»، أي تأول طائفة هذا الحديث في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا» على أن هذا خرج من النبي صلى الله عليه وسلم مخرج الذنب. قالت طائفة: على الذنب؛ لأن «سحر» مذموم. وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان، أي في قوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، الله جل وعلا هنا مدح البيان، فإذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا» قالوا: معناه مدح البيان، معناه مدح البيان. قال: وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لرجل سأله عن حاجة فأحسن المسألة فأعجبه قوله: «هذا والله السحر الحلال». انتهى. بمعنى أن البيان إذا كان في الحق فهو سحر حلال. قال: «والأول أصح». قال الشارح -أي العلامة عبد الرحمن بن حسن- «والأول أصح»، أي أن الأصح أنه خرج مخرج الذم. قال: «والمراد به البيان الذي فيه تمويه على السامع وتلبيس»، كما قال بعضهم: «في زخرف القول تزيين لباطله». والحق قد يعتريه سوء تعبير. قال: مأخوذ من قول الآخر: «تقول هذا مجاج النحل تمدحه * وإن تشاقلت ذا قيء الزنابير مدحا وذما * وما جاوزت وصفهما * والحق قد يعتريه سوء تعبيري». يعني يقول: هذا من البيان، لو نظرنا إلى الشيء -يعني الشيء- أحيانا مثل عسل عسل صافي، إذا أراد أن يمدحه ماذا يقول؟ يقول: «هذا مجاج النحل»، تمدحه. إذا قال إنسان: «مجاج النحل»، يقول: ما شاء الله عسل. وإذا أراد أن يذمه قال ماذا؟ قال: «وإن تشاقلت ذا قيء الزنابير»، على سبيل ماذا؟ الذم والتنقص. قال: «مدحا وذما وما جاوزت وصفهما»، أي شيء. لكن لما أردت أن تمدحه رفعت شأنه، ولما أردت أن تذمه، خفضت أمرا. قال: «والحق قد يعتريه سوء تعبيري». الحاصل من هذا أنه يريد أن يقول: أن البيان الذي ذكر في هذا الحديث ذكر على سبيل الذم للمدح. وهذان قولان في المسألة. وذكر بعضهم قولا ثالثا، فصل فيه، فقال: «البيان إن كان في الحق فهو حق وممدوح، وإن كان في الباطل فهو باطل ومذموم». وهذا قد يجمع بين الأدلة؛ لأن الله جل وعلا مدح البيان: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. فالله جل وعلا ذكره على سبيل الامتنا والمدح. فإذا ما كان على سبيل الفصاحة والبيان بالحق، فهو مطلوب. وقد كان الأنبياء أفصح الناس وأبين الناس في كلامهم، وهذا من الممدوح. أما إذا كان في باطل أو لإبطال حق، فإنه هو المذموم. وبهذا تجتمع الأدلة والأقوال. والله تعالى أعلى وأعلم. قوله: «إن من البيان لسحرا»، قال: «هذا من التشبيه البليغ من التشبيه البليغ؛ لأن أداة التشبيه قد حذفت، وكذلك حذف المعنى الذي هو مشترك بين المشبه والمشبه به، وهو القدر المشترك». قال: «هذا من التشبيه البليغ لكون ذلك يعمل عمل السحر فيجعل الحق في قالب الباطل والباطل في قالب الحق، فيستميل به قلوب الجهال حتى يقبل الباطل وينكر الحق». وأما البيان الذي يوضح الحق، وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره ويبطل الباطل ويبينه، فهذا هو الممدوح. وهكذا حال الرسل وأتباعهم، ولهذا علت مراتبهم في الفضائل وعظمت حسناتهم. وهذا الأخير -كما سمعتم- هو الذي تتجه وتجتمع عنده الأدلة. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. اشتركوا في القناة.

شاركنا على