شرح القواعد المثلى 18

الدرس في شرح القواعد المثلى 18، ألقاها

مقدمة في التكييف وعلاقته بالتمثيل

التكييف هو اعتقاد كيفية معينة لصفات الله تعالى دون وجود حقيقي لها، ويختلف عن التمثيل. مذهب أهل السنة والجماعة ينص على أن كيفية صفات الله تعالى مجهولة لنا.

تحريم تكييف صفات الله تعالى والأدلة الشرعية

تحريم تكييف صفات الله تعالى يستدل عليه بآيات قرآنية وأقوال السلف الصالح، مثل قول الإمام مالك رحمه الله تعالى عندما سئل عن كيفية استواء الله على العرش.

موقف الإمام مالك وتطبيقه العملي في تنزيه الله

الإمام مالك أصابه العرق الشديد عند سؤاله عن كيفية استواء الله، ثم أجاب بأن الاستواء معلوم والكيف غير معلوم. هذا الموقف يظهر احترام الإمام مالك لعظمة الله وتجنبه للتفاصيل غير المأثورة.

تنزيه الله عن الكيفية والختام بالدعاء

الله عز وجل له كيفية لكنها غير معلومة للعباد، ويجب تنزيه الله عن الكيفية التي لا يعلمها العباد. المقطع ينتهي بذكر دعاء يتضمن تنزيه الله والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد. طيب مرت معنا في القاعدة السادسة من قواعد الصفات أن يلزى في إكبار الصفات تخليص عن محذورين عظيمين، أحدهما التمثيل والثاني التكييف. قال رحمه الله تعالى: وأما التكييف فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا من غير أن يخيلها بمماثل، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل. التكييف كما ذكر الشيخ هو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا. معنى هذا كما يقول العلماء رحمه الله تعالى أن التكييف هو أن يعتقد أو هو إثبات مماثل لصفات الله عز وجل في شيء غير موجود حقيقة. لذا يفرق بينه وبين التمثيل، لأن التمثيل مساواة الخالق للمخلوق بشيء معلوم، والتكييف مساواة الخالق للمخلوق بشيء غير معلوم. وضح الأمر بينهما، أملاً الممثل يمثل الله عز وجل ويساوي بشيء موجود، يرحمه الله، فيقول مثلاً: وجه الله مثل وجهي، يد الله مثل يدي. هذا يقال فيه ماذا؟ ممثل واضح أو مشبه. يقول المثل أو يقال مشبه في علوم المتقدمين، كانوا يقولون مشبه والمشبهة. طيب المكيف يساوي صفات الله عز وجل بصفات غيره مما لا حقيقة له، فيقول مثلاً: لله عز وجل يد طولها كذا وكذا وعرضها كذا وكذا وصفتها كذا وكذا إلى غير ذلك. وهذه الأشياء وهذه الصفات لا حقيقة لها. فلذا يقولون: التكييف تمثيل لما لا وجود له، والتمثيل لما له وجود. هذا أمر وأمر آخر. أن بعضهم أو بعض العلماء ينبع على أمر وهو أن التكييف يطلق على من جعل لصفات الله عز وجل كيفية معينة. وهذا المسرح والباب الذي دخل عليه أو دخل منه وضل بسببه جميع الطوائف والفرق الهالكة في هذا الباب، أنهم اعتقدوا في صفات الله عز وجل كيفية معينة. ثم منهم من أثبت وبالغ في الإثبات فصار ممثلاً، ومنهم من نزه تنزيهاً مطلقاً زعماً فعطل الله عز وجل عن كل ما يستحق من الأسماء والصفات. ومنهم من نزه الله تنزيهاً جزئياً فأثبت الأسماء دون الصفات، ومنهم من أثبت بعض الصفات دون بعض. وهكذا وكل السبب أنهم اعتقدوا في أن لله عز وجل في صفات الله عز وجل كيفيات معينة. ومذهب أهل السنة والجماعة وتأتي معنا في كلام إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى أن الكيفية مجهولة، أي كيفية صفات الله عز وجل مجهولة لنا، لا يعلمها أحد من الخلق، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وأما التكييف فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا من غير أن يقيدها بمماثل. كما مر معنا التكييف من غير أن يقيد بمماثل لأنه ليس له وجود، بل شيء في الخيال. قال: وهو اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل. قال: أما السمع فمنه قوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾. ما وجود شاهد أن معرفة الكيفية فرع عن معرفة أو عن العلم بذات الله عز وجل وصفاته وإحاطة بذلك. وهؤلاء لا يحيطون بالله علماً. واضح هذا الأمر يا جماعة. أملاً وجود شاهد من الآية. الله عز وجل يقول: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾. وأن لهم أن يحيطوا بالله عز وجل علماً. والمخلوق إذا أثبت لله عز وجل هيئة معينة أو صفة معينة أو كيفية معينة فهذا فرع عن معرفة ماذا؟ عن معرفة ذاته سبحانه وتعالى وذاته. وهذا لا يتأتى أبداً للمخلوق. لذا قال الله عز وجل: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾. فهذا نفي من الله عز وجل أن يحيط به أحد من الخلق علماً. وهذا كذلك فيه دليل على أن معرفة كيفية الله عز وجل ممتنعة. قال رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾. لا تقف ما ليس لك به علم، لا تتبع ما ليس لك به علم. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا، لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها. فيكون تكييفنا أفوض لما ليس لنا به علم، وقولاً بما لا يمكننا الإحاطة به. قال رحمه الله تعالى: وأما العقل فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته أو العلم بنظيره المساوي له أو بالخبر الصادق عنه. واضح الأمور الثلاثة. قال: وكل هذه الطرق منتفية بكيفية صفات الله عز وجل، فوجب بطلانه. تكييفها وأيضاً فإننا نقول: أي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟ أي هذا السؤال من باب المحاجة لهذا المكيف. قال: إن أي كيفية تقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك. أي كيفية تتصورها فالله أعظم وأجل سبحانه وتعالى من أن يكون كذلك. لأن الله عز وجل يقول: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فأي صورة وأي كيفية أثبتها فهي شيء. فإذا كانت شيء فالله عز وجل ليس مثله. فالله عز وجل ماذا؟ ليس مثله. ليس كمثله شيء. وهذا حسن أمر أم لا؟ قال أيضاً: وأي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذباً فيها، لأنه لا علم لك بذلك. كما تقدم معنا وأشرنا في قصة ذاك الرجل الذي يقول للعربي أو لذاك صاحب البادية: أنا أعرف الشكل من غير أن يعرفها. يكون ماذا؟ متقولاً ويكون كاذباً في دعواه. ولله المثل الأعلى سبحانه. قال: وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديراً بالجنان وتقريراً باللسان. قال: أو تقريراً باللسان أو تحريراً بالبنان. ولهذا لما سئل مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. كيف استوى؟ أطرق رحمه الله برأسه حتى علاه الرحضاء أي العرق. ثم قال: «الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة». وهذا الأثر عن إمام مالك رحمه الله تعالى ثابت. جاء بإسنادين كل سند حسن لذاته، بل أحد إسنادين صحيح لذاته. وأقرب ما نرجع له مختصر العلوم مختصر العلوم لإمام الذهبي الذي اختصره العلامة الألباني. صححه فيه العلامة الألباني وقبله الإمام الذهبي وقبلهما الشيخ إسلام وتيمية رحمه الله تعالى. وطائفة من العلماء رحمهم الله. يقول الشيخ الإمام مالك رحمه الله تعالى وهو من أئمة تابعي التابعين. جاء رجل إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهو كان إمام دار الهجرة رحمه الله رضي الله عنه. أي إمام أهل المدينة في زمنه. جاءه وهو في حلقة وهو في حلقته فسأله قال: يا أبا عبد الله «الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟». قال الراوي عن إمام مالك رحمه الله تعالى: فأطرق. جاء في بعض الرواية أنه يوسف أو أنه يحيى. قال: فأطرق أبو عبد الله رأسه وعلته الرحضاء وهبهم خوف. قال: فلما سري عنه رفع رأسه فقال: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة». قال: «وما أراك إلا مبتدعاً». ثم أمر بذلك الرجل فأخرج من المسجد. الحالة الذي كان عليها مالك رحمه الله تعالى تبين لنا عظيم شأن السلف رضي الله عنهم وأرضاهم. وعظيم توقير ربهم عز وجل وإجلاله في قلوبهم. لذلك أن السائل لما سأله ما أجابه مباشرة واندفع في الجواب. بل عظم عليه ذلك السؤال إعظاماً عظيماً. وقع في قلبه من الإجلال والرهبة والهيبة لله رب العالمين ما جعل العرق يتصبب. رحمه الله تعالى ورضي الله عنه. وكأن حاله يقول: كيف يجرؤ مخلوق عبد ضعيف يسأل عن كيف صفة الله عز وجل؟ كيف بلغ به الأمر أن يسأل عن صفة الله عز وجل؟ فهذا من عظيم الإجلال رحمه الله تعالى لله رب العالمين. وهذا كذلك يبين لنا أن هذا السؤال بدعة شنعاء. وإذا نظرنا كيف عامله السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله. معاملة أولاً حفلة الهيبة والتعظيم وكذلك الرهبة من الله رب العالم. حتى علاه الرحضاء أي العرق الشديد. وأطرق رأسه وسكت القوم أي طلب حوله ينتظرون جواب الإمام مالك رحمه الله تعالى. قال: فلما سري عنه يدل على أنه قد ذهب رضي الله عنه ورحمه الله كل مذهب هيبة لله عز وجل وخشية لله عز وجل من ذلك السؤال الذي وصفه رحمه الله تعالى بأنه بدعة. فعلم من هذا أن المتأول على الله عز وجل والمثبت لله عز وجل كيفية معينة فقد أعظم على الله الفرية. فقد أعظم على الله الفرية وأنه قد وقع في البدعة علم أم لم يعلم وشعر أم لم يشعر. قال رحمه الله تعالى: «استواء معلوم ومعنى غير مجهول». أي معلوم في لغة العرب. فالاستواء في لغة العرب استوى على وارتفع على. قال: «والكيف غير معلوم». أي غير معقول لنا. لا نستطيع أن ندركه بعقولنا. بل عقولنا تقصر ولا تتجاسر قلوبنا ولا أنسنتنا على أن نقول في الله عز وجل ما لم يخبرنا به. واضح هذا أمر. وقوله: «الكيف غير معقول» يدل على أنه ماذا؟ غير معقول لنا. وإن كان في الحقيقة الأمر موجود. فإن كل موجود لا بد له من كيفية. ومن لا كيفية له فلا وجود له. قال: «والإيمان به واجب». أي الإيمان بأن الله بأن الرحمن على العرش استوى. استوى بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. ثم قال: «والسؤال عنه بدعة». أي أن هذا السؤال من المنكرات والبدع الذي أحدثها من أحدثها ممن رق دينه وقل تقواه وبعد عن طريقة السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله. قال: وروى عن شيخه ربيع أيضاً: «الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول». وكذلك ثابت عن ربيع هذا الأثر. وأقرأ ومرجع لهذا كذلك مختصر العلوم للإمام الذهبي والذي اختصره العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال: وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان. قوله: وقد مشى أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وكان تلميذ من تلاميذ شيخه. قالوا: إن هذا صار قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة وأصلاً من أصولهم. أن الصفة معلومة والكيف مجهول. وهذا يقال في جميع الصفات. يقال في جميع الصفات. وهذه بركة علم السلف. فإن كلام السلف قليل كثير البركة. وكلام الخلف الكثير قليل البركة. قال: وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به شرع فقد التفى عنه الدليلان العقلي والشرعي. فوجب الكف عنه. قال: فالحذر الحذر من التجهيل أو المقاولة. فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها. وإن ألقى الشيطان في قلبك شبهاً وشكوكاً وتكيفات وأحوالاً. فإن حصل هذا الأمر فعلى الإنسان أن يلجأ إلى ربه وأن يستعيذ بربه عز وجل. ويخلص العبودية لله عز وجل. ويدفع كل تلك الشكوك والشبهات التي قد يلقيها الشيطان. ويعتصم بالله رب العالمين. ويعلم في قرارة نفسه أن الله عز وجل ليس كمثله شيء وأنه ليس له شبيه وليس له نظير وليس له كف. وهذه الأمور كلها تدل على هذا المعنى من أن الله عز وجل ليست له كيفية يعلمها العباد. وإن كانت له كيفية يعلمها هو سبحانه وتعالى. والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على