الدرس في كتاب الصلاة 81، ألقاها
يتناول المقطع الأول مسائل متعلقة بحديث ابن عباس في الذكر بعد الصلاة واستحباب الذكر والدعاء بعد الصلاة. يتناول أيضًا الخلاف بين أهل العلم حول رفع الصوت بالتكبير أو الذكر عقب الصلاة.
يتناول المقطع الثاني والثالث حكم الجهر بالذكر بعد الصلاة وعدد التكبيرات المشروعة، حيث اختلف العلماء بين الجهر والإسرار بالذكر، والصواب هو استحباب الجهر لما ورد في الأحاديث الصحيحة.
يفسر المقطع الأخير فهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله للتكبير بعد الصلاة، ويشير إلى أن التكبير يكون ثلاث مرات متوالية مستندًا إلى أحاديث وأقوال الصحابة والتابعين.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلامًا على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنأخذ ما تيسر من المسائل المتعلقة بحديث ابن عباس رضي الله عنهما. فأولى هذه المسائل: المسألة الأولى، يستحب الذكر والدعاء بما وردت به الآثار، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في «المغني»: «يستحب ذكر الله والدعاء أقيب سلامه، ويستحب من ذلك ما ورد به الأثر»، أي ما جاءت به الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، فيقتصر المسلم على الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. المسألة الثانية من هذه المسائل: حكم رفع الصوت في التكبير أو الذكر عقب الصلاة. هذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، بمعنى هل يشرع رفع الصوت بالتكبير أم لا يشرع؟ فذهب طائفة من أهل العلم إلى مشروعية ذلك، وممن كان يكبر بعد انقضاء الصلاة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن الزبير، رضي الله عنهم، وكذلك جاء عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وقال عمر بن دينار رحمه الله: «إن الناس كانوا إذا سلم الإمام من صلاة المكتوبة كبروا ثلاث تكبيرات». وهذا القول من عمر بن دينار رحمه الله تعالى مشعر بأنه كان معروفًا مشهورًا في زمنه هذا الفعل. قال قاضي أبو يعلى: «ظاهر كلام أحمد أنه يسن للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات بحيث يسمع المأموم، ولا يزيد على ذلك». وذكر عن أحمد نصوصًا تدل على أنه كان يجهر ببعض الذكر ويسر الدعاء. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «وهذا هو الأظهر»، أي أنه يجهر ببعض الذكر ويسر الدعاء. قالوا: إنه لا يقتصر ذلك على الإمام، فإن حديث ابن عباس هذا ظاهر يدل على جهر المأمومين أيضًا. ويدل عليه أيضًا ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، أنه كان يقول في دبر كل صلاة... الحديث. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «ومعنى يهل: يرفع صوته». قال: «وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهرون بالذكر عقب الصلوات حتى يسمع من يليه». فخرج النسائي في «عمل اليوم والليلة» من رواية عون بن عبد الله بن عتبة قال: «صلى رجل إلى جنب عبد الله بن عمر، فسمعه حين سلم يقول: أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام...» الحديث. واضحٌ أن هذا جمع عملًا، وفيه دليل من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، وفيه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعملون بهذه السنة. وهذا القول، أي القول باستحباب رفع الصوت في التكبير، اختاره الإمام ابن حزم من الظاهرية، وطائفة من المتأخرين، وهو الذي أشار إلى ترجيحه الإمام النووي رحمه الله تعالى، خلافًا لمذهبه. وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الأفضل الإسرار بالذكر، لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن جهر بالذكر من أصحابه: «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا»، كما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري. وحمل الإمام الشافعي رحمه الله حديث ابن عباس هذا على أنه جهر به وقتًا يسيرًا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا. قال: فأختاروا للإمام والمأموم أن يذكروا الله بعد الفراغ من الصلاة ويخفيان ذلك، إلا أن يكون إمامًا يريد أن يتعلم منه فيجهر حتى يعلم أنه قد تعلم منه. وذهب إلى هذا أيضًا بعض الحنابلة. وذهب آخرون من الحنابلة إلى أنه يكره الجهر بالذكر مطلقًا، أي سواء كان للتعليم أو كان لغير تعليم. والصواب في المسألة، كما هو ظاهر، القول الأول؛ لما تقدم من الأدلة في ذلك، منها حديث ابن عباس، وكذلك حديث عبد الله بن الزبير، وحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وما جاء في الباب. فهذا يدل على أن هذا الأمر هو الصواب في هذه المسألة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يجهر، وكذلك فهم الصحابة رضي الله عنهم ذلك. وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أربعوا على أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا»، فالمراد به المبالغة في رفع الصوت، فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وما شابه ذلك. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أربعوا على أنفسكم...» الحديث، فيحمل هذا الحديث على المبالغة في رفع الصوت حتى يصل إلى حد فوق المعتاد. فإذا كان كذلك فهذا لا يستحب. فأما الجهر وأصل الجهر فلا بأس؛ لما ورد في ذلك من أحاديث الباب. المسألة الثالثة المتعلقة بهذا الباب: هي أن رفع الصوت بالتكبير يكون ثلاثًا. من المعلوم أن الإنسان إذا فرغ من صلاته أنه يكبر، كم يشرع له أن يكبر؟ مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أكثر أو أقل؟ الصواب في هذا أنه يكبر ثلاثًا. وبرهان ذلك ما رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار -وهو راوي هذا الحديث عن أبي معبد، عن ابن عباس رضي الله عنهما- أنه قال: «إن الناس كانوا إذا سلم الإمام من صلاة المكتوبة كبروا ثلاثًا». ففي هذا الأثر بيان من أن المراد بقول ابن عباس رضي الله عنهما: «كان الناس إذا فرغوا من صلاتهم رفعوا أصواتهم بالتكبير»، يفسره قول عمرو بن دينار: «إن الناس كانوا إذا سلم الإمام الصلاة المكتوبة كبروا ثلاث تكبيرات». قال حنبل: سمعت أبا عبد الله -يعني الإمام أحمد- يقول: حدثنا علي بن ثابت، قال: حدثنا واصل، قال: «رأيت علي بن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- إذا صلى كبر ثلاث تكبيرات». قال حنبل: قلت لأحمد: «بعد الصلاة؟» قال: هكذا. قلت له: «حديث عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير؟» قال: «هؤلاء أخذوه عن هذا». قال: نعم. واضحٌ أن هذا جماع بمعنى أن فعل علي بن عبد الله بن عباس: أنه كان إذا صلى كبر ثلاث تكبيرات، هذا تفسير للحديث الذي رواه أبوه، عبد الله بن عباس: «أن الناس كانوا إذا فرغوا من صلاتهم كبروا ورفعوا أصواتهم بالتكبير». فهذا تفسير لهذا الحديث. وكما ترون، قد فهم هذا الفهم واختاره الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «فقد تبين بهذا أن معنى التكبير الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عقب الصلاة المكتوبة هو ثلاث تكبيرات متوالية، كما هو ظاهر». والله أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.