كتاب الصيام 17

الدرس في كتاب الصيام 17، ألقاها

النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام وتفسيره

النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام وارد في السنة النبوية، ويمكن أن يصام إذا صام معه يوم قبله أو بعده. العلماء اختلفوا في سبب النهي.

الأحاديث النبوية حول صيام الأيام المنهي عنها

الأحاديث النبوية تنهى عن صيام يوم الجمعة إذا كان منفرداً وعن صيام العيدين. هناك آراء مختلفة حول تفسير هذه الأحاديث.

فضل نوافل الصيام وشرح أحاديث متعلقة بالصيام والصلاة

نوافل الصيام لها فضل كبير في ابتعاد العبد عن النار، وشرح الأحاديث النبوية يبين فضل صيام يوم في سبيل الله وصلاة النوافل في أوقات مخصوصة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب عمدة الأحكام في كتاب الصيام: عن أبي هريرة رضي الله عنه، نعم قرأنا هذا عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: سألت جابر بن عبد الله: أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم. وزاد مسلم: ورب الكعبة. معناه أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه قال: نعم ورب الكعبة. وقوله رحمه الله تعالى: زاده مسلم، الصواب أن هذه الرواية في سنن النسائي وإسنادها صحيح، والذي في صحيح مسلم بلفظ: ربي هذا البيت، نعم ورب هذا البيت. والحديث كما ترون فيه أن هذا التابعي سأل هذا الصحابي عن صيام يوم الجمعة، أي: هل نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. وقال أو زاد تأكيدا: ورب هذه البلدة. وفي رواية: ورب الكعبة. فيؤخذ من الحديث أنه نهى عن صوم يوم الجمعة. وهذا الحديث كما ترون نهى فيه على إطلاقه، في هذا الحديث بمعنى أن فيه أن صيام يوم الجمعة منهي عنه مطلقا من غير تفصيل. وجاء التقييد في الحديث الذي يليه، قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده». فالنهي الذي جاء في حديث جابر عن صيام يوم الجمعة مطلقا يقيد بهذا بأن من صام يوما قبله أو يوما بعده فلا بأس في ذلك. وفي هذه الأحاديث مسائل ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، نذكر منها ما تيسر بإذن الله عز وجل. أولى هذه المسائل في هذه الأحاديث أو في هذا الباب: ما هو السبب في النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك أقوالا، من هذه الأقوال أنهم قالوا: إنه يوم عيد، أي أن يوم الجمعة يوم عيد، قالوا: العيد لا يصام فيه. وهذا القول ذهب إليه جماعة من المحققين، وهو أصح الأقوال في هذه المسألة. وذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو يوسف إلى أن النهي هاهنا للكراهة، أي كراهة التنزيه، وليس كراهة التحريم، أي ليس بمحرم، ولكن يكره أن يخص يوم الجمعة بصيام من دون الأيام. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وذهب الإمام مالك وأبو حنيفة وقول للإمام الشافعي رحمه الله تعالى إلى أن إفراد يوم الجمعة بصيام وتخصيصه بذلك لا بأس به، ليس فيه كراهة، بل هو من الأمور المباحة. واستحبه بعضهم. أصحاب القول الأول حملوا النهي كما سمعت في الأحاديث التي مرت معنا على التنزيه. وهؤلاء، أي الإمام مالك من ذهب إلى هذا القول، استدل لهم أو استدل له بعضهم بما جاء في سنن الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن سعود رضي الله عنه أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام، وقل ما كان يفطر يوم الجمعة». وهو حديث حسن، حسنه الإمام الترمذي وحسنه من المعاصرين الإمام العلامة الألباني. والحديث اختلف في وقته ورفعه، ورجح الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى الرفع، أي أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم. بقي هل هذا الحديث يصح حجة في جواز صيام يوم الجمعة؟ الجواب الثاني: بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم مثلا إذا صام أول شهر ثلاثة أيام فصادف مثلا أنه صام يوم الأربعاء اليوم الأول والخميس اليوم الثاني واليوم الثالث يكون يوم جمعة، هل هنا أفرده النبي صلى الله عليه وسلم بصيام أم أنه صامه لصيام كان يصومه؟ قال رحمه الله تعالى: عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: «هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما، يوم فطركم من صيامكم واليوم الآخر تأكلون من نسككم». حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه فيه دلالة واضحة على أن النهي عن صيام يومي العيد، عيد الفطر وعيد الأضحى، وهذا مجمع عليه، أي أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على تحريم صيام هذين اليومين. قال رحمه الله تعالى: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومي النحر والفطر، وعن اجتناء الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر». قال: أخرجه مسلم بتمامه، وأخرج البخاري الصوم فقط. والمحقق في الحاشية قال: الصواب بالعكس، أي أن البخاري أخرجه بتمامه ومسلم أخرج الصوم. حديث أبي سعيد فيه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين»، وكما مر معنا أن الأصل في النهي للتحريم. وأيضا الأصل في النهي أنه يقتضي الفساد، فمثلا لو نذر إنسان أن يصوم يوم العيد أو لو نذر إنسان أن يصوم يوما فجاء يوم العيد فصام في يوم العيد، هل يكون ذلك الناذر أوفى بنذره أو لا؟ الجواب هو على ما سمعتم أنه لا يجوز له أن يصوم في يوم عيد، أي صيام كان. قال رحمه الله تعالى: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومي النحر والفطر». والنحر معروف يوم العيد الذي هو يوم عيد الأضحى، قال: «والفطر» هو المعروف أيضا يوم عيد الفطر. قوله: «عن اجتناء الصماء» اجتناء الصماء ذكروا له صور منها هو أن يجتني بثوب واحد ليس له عليه غيره، ثم يرفع من أحد جانبيه فيضعه على منكبه، فيحصل اجتناء. وبعضهم قالوا: أن يشمل نفسه بالثوب بحيث لا يخرج يديه ولا رجليه، يكون مثل الإنسان المربوط. قالوا: «أن يحتبي الرجل في ثوب واحد» يحتبي في ثوب واحد، أي أن يكون له كذلك ثوب واحد فيحتبي به، فإذا احتبى وما له إلا ذلك الثوب كان سببا لانكشاف عورته، وهذا أيضا نهي عنه لهذا المعنى. قالوا: «عن الصلاة بعد الصبح والعصر»، الصلاة بعد الصبح والعصر المراد به النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح والعصر. أما الصلاة بعد صلاة الصبح فقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك أقوالا، ومحل هذه المسائل والأقوال في كتاب الصلاة في كتاب المواقيت في باب الأوقات التي نهي عنها. والحاصل من هذا أن من صلى الفجر فليس له أن يصلي بعدها شيئا من الصلاة حتى بعد طلوع الشمس مقدار رمح، إلا أن يكون الرجل لم يصلي نافلة الفجر، فلا بأس أن يصلي بعد صلاة الفجر نافلة الفجر. وقال بعض أهل العلم: إن أخر إلى بعد طلوع الشمس فهو أفضل. والأمر في ذلك كما سمعتم فيه سعة، فهو بين الفاضل والأفضل. وأما بعد العصر فكذلك وقع فيه الخلاف، أي من صلى العصر فهل له أن يصلي نافلة بعد العصر؟ نافلة مطلقة. أما إذا كان من الصلوات ذوات الأسباب فعلى القول الصحيح أنها ليس فيها شيء. ما هي الصلوات ذوات الأسباب؟ كان يدخل الإنسان يريد أن يصلي ركعتين تحية المسجد بعد صلاة العصر له ذلك. رجل ذهب فتوضأ فأراد أن يصلي ركعتين لوضوءه، هذا تسمى ذوات سبب له أن يصلي. رجل جاء أو أتي بجنازة بعد صلاة العصر هل لهم أن يصلوا عليه؟ لهم أن يصلوا لأنها من الصلوات ذوات السبب، والصحيح أنها تجوز. لكن هل تجوز النوافل مطلقة؟ بمعنى هل للإنسان أن يتنفل بعد صلاة العصر مثل هذا الوقت؟ هل له أن يتنفل بصلاة كما له أن يتنفل مثلا بعد صلاة الظهر؟ كما له أن يتنفل بعد صلاة المغرب؟ كما له أن يتنفل بعد صلاة العشاء؟ أم ليس له ذلك؟ هذا الحديث وما جاء في معناه يدل على النهي يدل على النهي عن ذلك. قال رحمه الله تعالى: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا». وهذا كما ترون فيه فضيلة عظيمة في الصيام، وهل هو في صيام النفل أم هو في صيام الفرض؟ ظاهر الحديث في صيام النفل، وإذا كان في صيام النفل فصيام الفرض من باب أولى، لأن الفرض أحب إلى الله عز وجل كما جاء في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». ولا يزال عبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فيبقى الحديث على عمومه، وهو الظاهر من قوله: «من صام يوما في سبيل الله»، فإن «من» من ألفاظ العموم. فقوله: «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا»، فكيف بمن صام ثلاثين يوما وهو شهر رمضان؟ فكيف بمن أتبعها بست من شوال؟ فكيف بمن واصل على نوافل الصيام اثنين وخميس أو ثلاثة أيام كل شهر أو يوما يصوم ويوما يفطر أو ما شابه ذلك؟ هذا إذا كان مع احتساب وإخلاص وصدق ومراقبة كان أدعى لبعده عن النار بإذن الله عز وجل.

شاركنا على